خمس سنوات من النزوح: النجاة في قارب غير صالح للإبحار

لاجئون يصلون لشاطئ اليونان. 10 نوفمبر 2015، صورة من رويترز.

بمناسبة الذكرى الخامسة للثورة السورية، ينشر مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط في سلسلة من المقابلات مع المحامي أيمن جلوان، وهو أحد السوريون الذين نزحوا نتيجة اندلاع الصراع المسلح في سوريا. تلقي هذه السلسلة الضوء على الخيارات الصعبة التي يواجهها السوريون بين الموت في سوريا التي أضحت منطقة حرب، أو الهرب من الأرض التي يحبونها. في العام الماضي ودع أيمن جلوان وزوجته أسرتيهما، والتحقوا بموجات المواطنين الذين غادروا البلاد، حيث تمكنوا من الوصول لتركيا أولا، ثم احتاجوا لعبور البحر المتوسط البارد وصولاً إلى اليونان. بعد ذلك كان عليهم التعامل مع المتاجرين بالبشر في أوروبا الشرقية، وصولاً إلى واحدة من قلائل الدول التي ترحب بهم وهي ألمانيا. ويشرح أيمن جلوان في سلسلة التدوينات هذه قراره بالمغادرة، والمصاعب التي واجهها هو وزوجته خلال الرحلة، والنتائج التي ترتبت على قراره. في هذه الحلقة يسرد أيمن جلوان تفاصيل الدقائق التي سبقت استقلالهم للقارب، الذي سيأخذهم من أزمير إلى شواطئ اليونان، وكيف كان الأفراد يتصرفون قبل أن يبدؤون رحلة الموت هذه.

اصطحبنا الرجل، المسئول عن ترتيب عبورنا من أزمير لليونان إلى الشاطئ، في رحلة استغرقت ساعة من أزمير، لم يكن أحد منا يعرف أين يقع هذا الشاطئ، فهذا أمر سري. عند وصولنا للشاطئ تم توزيعنا في القوارب، في مجموعات مكونة من ٣٠ فرد في كل قارب. لم يكن في مجموعتنا أي أطفال وهو أمر هام، تخيل أن تسمع صراخ طفل في رحلة كهذا؟ سيزيد الأمر من توترك، ويجعلك تشعر بالمسئولية تجاه هؤلاء الأطفال، أحمد الله أنه لم يكن في مجموعتنا أي أطفال.

غيرت زوجتي رأيها عند وصولنا للشاطئ، وبدأت تفقد أعصابها، فهي خائفة للغاية. نحن الآن إزاء التحدي الحقيقي، الأمر لم يعد يتعلق بفقدان حقائب أو ممتلكات أو أوراق، بل فقدان حياتنا. علينا التأكد من أن ما نقوم به هو الخيار السليم. قولت لها “ماذا يمكننا فعله؟” لا يمكننا العودة علينا أن نتحلى بالشجاعة، وأن نثق في الله.

تري الناس على الشاطئ يبكون يصلون، أو يشربون، يفعلوا كل شيء وكأنها المرة الأخيرة، لأنهم لا يعرفون مصيرهم. هم خائفون من عبور البحر في قوارب، حقا! صدقني! لا يمكنك تصور كيف كانوا يبكون. عندما رأتهم زوجتي أصابها الزعر، لماذا يصلي الناس؟ لماذا يبكون؟ لماذا يشربون الكحول؟ كأن أحدهم يقول “أتري هذه أخر سيجارة سأشربها في حياتي؟ كان الظلام دامس، ولم يكن بإمكاننا استعمال هواتفنا، أو أي ما قد يصدر عنه من ضوء، حتى لا ترانا الشرطة، وتلقي بالقبض علينا.

أمامنا نصف ساعة لنستعد للرحلة، ٣٠ دقيقة مرّوا وكأنهم ٣ أو ٤ ساعات، بعد انتهاء الـ٣٠ دقيقة، يقول لنا الرجل الآن أصعدوا على متن القارب. قلت له “تمام وأنت؟” قال لي الرجل “لا لست من سيقوم بتوجيه القارب بل أحد من مجموعتكم سيفعل ذلك، وسأعلمه.” قولت له “ماذا؟”. قال “لا يمكنك تصور ذهابي لليونان فأنا لدي عمل هنا لأنجزه، هكذا تسير الأمور هنا. الأمر سهل فقط عليك اتباع التعليمات التي سأعطيها لك، ولن أقوم بمطالبة من يقود القارب بنقود، سيذهب دون مقابل. أتريد أن تقود القارب؟” قلت له “لا، بالطبع لا” لن أتحمل مسئولية نقل الناس عبر البحر، أنا لا أعرف كيف أقود قارب!

لا يخبرونا بهذا في أزمير. ينتظروا حتى وصولنا الشاطئ، وعند استعدادنا للقيام بالرحلة يخبروننا. يجبرونا على القيام باختيار صعب: عليك أن تتخذ القرار سريعاً، هل تريد ذلك أم لا؟ قلت له “أُفضل أن نجد شخص في مجموعتنا ممن يعيشوا في منطقة ساحلية بسوريا مثل اللاذقية أو طرطوس – هذا أفضل. أو حتى من بيروت، تطوع رجل من المجموعة لقيادة القارب، سألته، من أي مدينة أنت؟ قال “أنا من حمص،” وحمص هي مدينة كبيرة غير ساحلية. قلت له “ماذا تعرف عن قيادة القوارب وتوجيهها؟” فقال “اعتدت على زيارة طرطوس وهناك كنت أستأجر قوارب وأدور بها في الماء.” قلت ماذا؟ ولكنها لم تكن وظيفتك أن توجه القارب، وليس لديك خبرة كافية. فقال “حسنا- سيعلموني الآن كيف أوجه هذا القارب.”

قلت له “سيعلموك في خمس دقائق؟” فقال “أعرف كيف أقود سيارة.” تخيل هذه اللحظة! أتمني لو كان بإمكاني التقاط بعض الصور لتراها الآن، هذه ليست بقوارب تقليدية، بل قوارب رديئة، وغير مجهزة لرحلات طويلة كهذه.

لم يكن لدينا خيار أخر، علينا أن نثق في أنفسنا وفي اختيارنا، مضي وقت طويل وهم يشرحون للرجل الحمصي كيف يوجه القارب. قالوا له سيكون هناك ضوء على الجانب الآخر، عليك توجيه القارب في اتجاه الضوء مباشرة. لن تراك الشرطة في هذا الوقت من الليل. لكن لا يمكنك استخدام أي ضوء لتري إلى أين تتجه. عليك الاعتماد على حدسك، وذهبنا. الحمد لله تميزت مجموعتنا بالذكاء ووسع الأفق. فالكل متفهم مخاطر الرحلة، ويحاول تلطيف الأجواء. الحمد لله على انضمامي لهذه المجموعة، كنا نغني سوياً، نلقي النكات، في محاولة منا لننسي كم نحن خائفون.

كان قائد القارب قوياً حقاً. يستمع طيلة الوقت لاقتراحات من الناس مثل، “لتذهب من هنا – لا بل من هناك” يستمع بصبر، ويستمر في السير. تخيل، ضع نفسك مكانه، قد تنفجر رأسك من الضغط، قد ترغب في قول “رجاء فليلزم الجميع الصمت، أنا القائد هنا”. لكن لا ليس هذا الرجل. فقد كان يقول “سأستمع لاقتراحاتكم، سآخذ هذا في الاعتبار.” رجلٌ هادئ للغاية، وكل ما كان يفعله كان يساعدنا في الوصول لهدفنا. يستغرق كثير من الناس في رحلة كهذه أربع أو خمس ساعات، لكنا كنا محظوظون واستغرقت رحلتنا ساعتين فقط، لكن لك أن تتخيل ساعتين انقضوا وكأنهم يوم كامل.

اقرأ أيضاً

اقرأ أيضاً

الحلقة الأولي: كيف بدأت رحلتنا

الحلقة الثانية: قطع الصلات مع الماضي

الحلقة الثالثة: لن اقاتل في جيش بشار

الحلقة الرابعة: كيف عبرنا الحدود؟

الحلقة الخامسة: ليلة في غازي عينتاب

الحلقة السادسة: موت مُحتمل في البحر

Read in English

قامت كلودين فيبر-هوف بإجراء هذه السلسة من المقابلات.

أيمن جلوان

هو اسم مستعار لحماية هوية الكاتب، وهو محامٍ سوري يعيش الآن في ألمانيا كلاجئ مع زوجته.