المؤسسات أولاً

لا شك في أن بدء الإصلاح السياسي عملية صعبة، غير أن استمراره واستدامته أكثر صعوبة، ولا تقتصر هذه الصعوبة على المجتمعات العربية وحدها، وتشهد على ذلك التحديات والاضطرابات التي غالباً ما كان على الديمقراطيات الفعالة أن تواجهها في مراحل تكوينها الأولى. ويتطلّب التعامل مع التحدي المتصل بصعوبة تحقيق الاستدامة المنشودة، الانخراط في عملية تدريجية ذكية، تسهم في إقامة مؤسسات الدولة وتوفّر لها الحماية، فيما تمهّد السبيل للمزيد من الإصلاحات في المستقبل.

إن محاولة الانتقال من نظام تسلطي إلى نظام ديمقراطي متقدّم عن طريق الانتخابات وحدها، محكومة بالفشل. وعليه، لا بدّ في مرحلة ما من التمعّن وإدراك أن الانتخابات ليست أساس الديمقراطية، بل أحد مظاهرها، وأن استدامة الاصلاح السياسي بعد الشروع فيه، تتطلّب الاسترشاد بمبدأ أساسي موجِّه، يقوم على اتّباع مقاربة التدرّج الذكي المُشار إليها.

لطالما تبنّت قوى دولية مؤثّرة فكرة مؤداها أن المبادئ الديمقراطية لا بدّ أن تتكرّس في حال إجراء انتخابات حرّة وعادلة، أو بعبارة أبسط، الفكرة القائلة إن الانتخابات تأتي أولاً لتليها الحرية الفردية في وقت لاحق. غير أننا شهدنا، مراراً وتكراراً، سرعة وقوع ديمقراطيات حديثة العهد في الشرك نفسه الذي وقعت فيه سابقاتها: إذ يتم قمع حركات الاحتجاج، وتُشدَّد الرقابة على الصحافة، بل حتى يُفرَض الحظر على النقد الساخر.

في الكثير من الأحيان، يشعر الزعماء المنتخَبون ممن يفتقرون إلى الخبرة بالضعف، عندما يتولون الحكم في بلدان يسودها الاضطراب، الأمر الذي غالباً ما يدفعهم إلى اللجوء إلى الأساليب التي يمارسها القادة السلطويون، بدلاً من العمل على إرساء تقاليد القيادة الرشيدة. ونتيجةً لذلك، تسقط المُثُل الديمقراطية والحقوق المدنية ويضرب بها عرض الحائط، بحجة الحرص على تحقيق الاستقرار.

إذا كانت استدامة الإصلاح السياسي هي الهدف الأساس، فلا بدّ من توفّر قاعدة من المؤسسات القوية، التي تصون المبادئ الديمقراطية الأساسية، حتى في غياب الانتخابات. كما أن حرية التعبير وشفافية الإدارة عنصران جوهريان لنظام أكثر ديمقراطية، لأنهما يُمثّلان مدخلاً لتحقيق إصلاحات إضافية. وإذا بدا نظام الحكم التسلطي وذلك المكرّس لخدمة الشعب مفهومين متناقضين، بيد أنهما ليسا كذلك تماماً. إذ قد يتعايشان سويّاً إلى أن يطغى أحدهما على الآخر. فعلى سبيل المثال، إذا تمكّن المواطنون من النقاش بصراحة بشأن نفقات حكومتهم، وحصلوا على قدر معيّن من التجاوب، فإنهم لن يشعروا بالتمكين فحسب، بل إنهم سيلاحظون الفرق إذا ما جُرِّدوا من هذه الحقوق. وهكذا، بشكل أو بآخر، يبدأ الشعب في فرض الضوابط والمساءلة على الحكومة. وشيئاً فشيئاً، وعلى نحو متدرج، يتطوّر واقع ممارسة الحكم الرشيد بما يؤسس للتحوّل من نظام حكم مكرّس لخدمة الشعب إلى نظام يقوم بذلك كونه مستمداً من الشعب، وصولاً في نهاية المطاف إلى نظام مختار من قِبله.

ولا يعني ما سبق أن على المرء أن يكتفي بالنتائج المتواضعة. إنه يعني أن الأهداف المتواضعة قد تكون في كثير من الحالات جزءاً مما سيتكشف بعد حين، بوصفه الطريق الطويل المؤدي إلى الديمقراطية. ولا بدّ للمساعي الرامية إلى تحقيق أفضل النتائج من أن تقيم، على نحو متدرج، مؤسسات ترسخ المبادئ والحقوق الديمقراطية الأساسية وتصونها– بدءاً من حق الوصول إلى المعلومات، وحرية الرأي والصحافة.

وإذا بدا أن هذا التوجه ينطوي على دعوة للقبول بما هو دون المستوى المطلوب، فسيكون ذلك، وعلى درب الطريق الطويل المؤدي إلى أنظمة ديمقراطية كفؤة، ذو كلفة زهيدة، بالمقارنة مع الكلفة الباهظة لإخفاق عملية الإصلاح السياسي، أو، ما هو أكثر كلفة، التخلّي عنها لصالح نقيضها.

Read in English

نُشر النص الأصلي للمقال على موقع مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي، واعتمد المقال على التقرير السنوي للمؤسسة، والذي صدر تحت عنوان “انكسارات عربية: مواطنون، دول، وعقود اجتماعية.”

سلام فياض

اقتصادي ورئيس وزراء سابق في السلطة الوطنية الفلسطينية.

شاهد أيضاً

أزمة المياه: كيف تم تحويلها إلى سلاح في الصراع اليمني

يظل الموقف شديد الخطورة، خاصة بالنسبة لليمن، حيث أدى تحويل المياه لسلاح إلى وصول الصراع لحالة حرجة. تقدر الأمم المتحدة أن 14 مليون نسمة، نصف سكان اليمن، يواجهون حالة ما قبل المجاعة. تعد المياه واحدة من أوجه الصراع المعقد هناك، ويظل من الصعوبة تحديد إلى مدى قد أدت إلى مزيد من العنف.

الترحيل غير الشرعي للاجئين السوريين في تركيا

مع استمرار السلطات التركية في رفض إعادة فتح مراكز استقبال الحماية المؤقتة منذ أكثر من عام في معظم الولايات الحدودية، ووقف منح الفارين من الحرب بطاقة الحماية المؤقتة التي تخول صاحبها حق البقاء والحصول على الرعاية الطبية والدراسة والمساعدات الاجتماعية، يعيش آلاف اللاجئين السوريين في تركيا هاجس الترحيل القسري بشكل دائم.

إعادة احياء محادثات السلام في اليمن: ماذا بعد؟

مع ارتفاع عدد القتلى في الحرب الأهلية في اليمن، فإن الحاجة الماسة للسلام تتناقض مع الآمال المتفرقة في عملية سلام. بعد أشهر من التأخير، أعلنت قوات الحكومة والمتمردين في يوم 19 نوفمبر/تشرين الثاني نيتهم تجميد العمليات العسكرية بصورة مؤقتة

إشترك في النشرة البريدية

سيصلك أحدث مقالات مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط