حماية اللاجئين في حالات الطوارئ في الشرق الأوسط

مهاجرة سورية في حافلة بعد وصولها لليونان. 14 يونيو 2014، صورة من رويترز

كانت أم غسان في الحادية عشرة عندما هربت عائلتها من حيفا في 1948، وانضمت إلى الهجرة الجماعية للفلسطينيين إلى الأردن، وانتقلت لاحقاً إلى سوريا. تذكر أم غسان “لقد رحبوا بنا وكأننا من أقاربهم”. وبعد عدة عقود، عندما اندلع القتال في سوريا في 2011، ظلت أم غسان في البداية في منزلها، قالت لي “لن أغادر منزلي أبدًا”. لكن بعد أن دمر القصف جزءًا من منزلها، لم يعد لديها خياراً آخر، فرت إلى اليرموك، وهو مخيم يقع في الجانب الجنوبي لدمشق، استقر فيه الفلسطينيون بعد الحرب العربية-الإسرائيلية في 1948. قالت أم غسان “ظننا أن اليرموك آمن ـ جميع سكانه لاجئين فلسطينيين، ولن يعتدي عليه أحد” لكنها كانت مخطئة.

التقيت أم غسان بعد فرارها إلى لبنان، حيث كانت تزاحمت هي وأحفادها مع غيرهم من اللاجئين الفلسطينيين في مخيم البدوي بالقرب من طرابلس. إن حياتها توضح ما أطلق عليه أنطونيو جوتيرس – مفوض الأمم المتحدة السامي لشئون اللاجئين – “حالات الطوارئ الضخمة طويلة الأمد” – أو الصراعات شبه الدائمة التي تعصف بالشرق الأوسط ومناطق أخرى. إن الفلسطينيين الذين فروا في الأصل عام 1948 أو 1967، والذين ربما نزحوا مجدداً بسبب الصراعات في البلدان المضيفة – مثلما حدث في سبتمبر/أيلول الأسود في الأردن في 1970-1971 أو “حرب المخيمات” في لبنان في الثمانينات – يشهدون مجددًا حياتهم وهي تنقلب رأسًا على عقب بسبب الصراعات المسلحة. 

إن أوضاع حالات الطوارئ طويلة الأمد اليوم تتسم بالركود، الذي يؤدي إلى تآكل الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للاجئين، مثل الحق في التعليم والرعاية الصحية والعمل. إلا أن اللاجئين يعانون أيضاً من انتهاكات لحقوقهم المدنية والسياسية، الناجمة عن حالة الطوارئ الدائمة التي يعيشونها. إن الأفراد في حالات الطوارئ طويلة الأمد غالباً ما يتكرر نزوحهم، وبعدها يواصلون العيش في مناطق الصراع، حيث يؤدي العنف الدائر، وعدم استجابة المجتمع الدولي بشكل ملائم، إلى تهديد حاجتهم الأساسية عندما تفشل جميع المحاولات الأخرى، وهي القدرة على الفرار.

إن مخيم اليرموك الذي تخيلت أم غسان أنه سيظل ملاذًا آمنًا للاجئين الفلسطينيين كان أبعد ما يكون عن ذلك. بعد فرارها، حاصرت قوات الأسد مخيم اليرموك، وعرقلت وصول الإمدادات الغذائية والمستلزمات الطبية إليه، أثناء قصفها للمخيم، وتحاصر فيه 18 ألف فلسطينياً وسط بنايات دمرتها القنابل، ومؤخرا وصف الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون مخيم اليرموك بأنه “الدرك الأسفل من الجحيم.” ولم يتوقف العنف داخل المخيم، بل تفاقم بدخول تنظيم الدولة الإسلامية إلى المخيم وانضمامه إلى القتال.

وكان الفلسطينيون الذين حاولوا الفرار من سوريا هم أول مجموعة تعيدها البلدان المجاورة. إلا أن المواطنين السوريين أصبحوا يتعرضون بدورهم بصورة متزايدة للإعادة إلى سوريا. في العام الماضي اعتمد لبنان لوائح تقيد الدخول إليه من الحدود مع سوريا. وبالنسبة لطالبي اللجوء السوريين فلم يعد مجرد الخوف من الاضطهاد أساساً كافيًا للدخول دون توضيح الحاجة “الإنسانية الشديدة” ـ ونادرًا ما تقبل سلطات الحدود اللبنانية هذا الاستثناء.

هل سيكون اللاجئ التالي بمثابة القشة التي تقصم ظهر البعير اللبناني؟ بوضع أعباء لبنان في الاعتبار، تدفق إليه 1.2 مليون لاجئاً سورياً خلال الأعوام الأربعة الماضية، ليضافوا إلى تدفقات سابقة للاجئين العراقيين الذين دخلوا البلاد في التسعينيات والعقد الأول من القرن الحالي، بالإضافة إلى اللاجئين الفلسطينيين الذين دخل بعضهم في 1948. ويمثّل اللاجئين الآن نسبة تتراوح بين ربع وثلث إجمالي السكان في لبنان. 

أشار الأردن أيضًا إلى تهالك قدرته على استيعاب اللاجئين، فمنذ أواخر مارس فرض قيود مشددة على اجتياز المعابر الحدودية في الشرق بصورة غير رسمية ـ وهو آخر قطاعات الحدود الأردنية مع سوريا التي لم تكن قد أغلقت بعد. وتوضح صور القمر الصناعي التي التقطت هذا الشهر انتشار الخيام في المناطق الصحراوية النائية داخل الحدود الأردنية مباشرة، حيث يُمنع السوريون من الانتقال إلى أراضِ أكثر أمنًا. كما تتوارد التقارير عن حالات التكدس عند الحدود الشمالية لسوريا مع تركيا، حيث اضطر طالبي اللجوء إلى عبور الحواجز للدخول بعد الفرار من المعارك الأخيرة في تل أبيض. ولا توفر كلا من حدود سوريا الشرقية مع العراق التي دمرتها داعش، أو حدودها الجنوبية الغربية المغلقة مع إسرائيل، خيارات ممكنة لطلب اللجوء.

إن المخارج المغلقة تمتد إلى أزمات أخرى في الشرق الأوسط، مثلما هو الحال في غزة، حيث تسبب النزاع في صيف 2014 بين حماس وإسرائيل في مقتل نحو 2100 فلسطيني، حددت الأمم المتحدة أن بينهم أكثر من 1500 مدني، ونزوح 108 ألف شخص. ومع تحديد إسرائيل لنقاط العبور الرسمية، وتقييد مصر لمعبر رفح الحدودي – وهو معبرها الرسمي الوحيد مع غزة – أمام الجميع باستثناء عدد قليل نسبياً من المصابين، فلم يتبق خيارًا آخر أمام الفلسطينيين سوى تحمل العنف والصمود أمامه.

وتستمر المحنة في غزة من خلال الحصار الاقتصادي وتقييد حرية التنقل، وبطء إعادة بناء المنازل المتضررة والمدمرة، وأعلى معدل للبطالة في العالم، وتزايد أعداد الذين يحاولون اللحاق بالرحلات الخطرة للقوارب عبر المتوسط.

لا يقلل أحد من ضخامة عبء حالات الطوارئ طويلة الأمد على بلدان مثل الأردن ولبنان، ولكن يجب ألا يتم طرد طالبي اللجوء، إن الإعادة القسرية للاجئين بما يعرضهم لخطر يهدد الحياة هو انتهاك لمبدأ عدم الإعادة القسرية، المنصوص عليه في اتفاقية اللاجئين لسنة 1951، ومعاهدات حقوق الإنسان والقانون الدولي العرفي.

مع حلول اليوم العالمي للاجئين السبت القادم، فإن على المجتمع الدولي الأوسع نطاقاً – وخاصة حكومات البلدان الغنية والأكثر استقرارًا خارج المنطقة بشكل مباشر – أن يدعم بلدان اللجوء الأولى، ومساعدتها في إبقاء أبوابها مفتوحة، ويبدأ هذا الدعم بألا تغلق البلدان الغنية نفسها أبوابها. 

ورد في بيان الاتحاد الأوروبي الصادر في 23 أبريل في أعقاب اجتماعه الخاص بأزمة الهجرة غير الشرعية عبر المتوسط، أنه سيعزز تواجده البحري “لمحاربة المهربين” واستخدام القوة لتدمير السفن، قبل أن يتم استخدامها في نقل المهاجرين. إلا أن استخدام التغطية على الأزمة لوقف تدفقات طالبي اللجوء والمهاجرين لا يعالج الأسباب الجذرية لانتقالهم، الاضطهاد وانتهاك حقوق الإنسان – سواء الاقتصادية أو الاجتماعية أو المدنية أو السياسية – والعنف بشكل عام في بلدانهم الأصلية. كما لا تواجه هذه الإجراءات الافتقار لتدابير الحماية الفعّالة في دول الانتقال التي يفر منها المهاجرون وطالبو اللجوء، مثل ليبيا التي تجتاحها حرب أهلية، لم تؤدي لتشريد نحو 400 ألف من مواطنيها فحسب، بل إنها عرضت للخطر أيضًا أرواح غير المواطنين الذين يعيشون بها. إن انتشار الفوضى والعنف دفع العديد من العمال المهاجرين في ليبيا إلى محاولة عبور البحر إلى الاتحاد الأوروبي.

ومع تفاقم المصاعب التي يواجهونها، فقد انضم السوريون والفلسطينيون إلى صفوف الأعداد غير المسبوقة من اللاجئين وطالبي اللجوء، والمهاجرين الذين يلجئون للمهربين لشحنهم عبر المتوسط إلى أوروبا، على الرغم من المخاطر. وإلى الآن فقد غرق في العام الحالي ما لا يقل عن 1850 شخصًا في البحر خلال الرحلة. ومن بين نحو 103 ألف شخص ممن وصلوا إلى شواطئ الاتحاد الأوروبي حتى منتصف يونيو، فإن 60%  منهم جاءوا من أفغانستان وإريتريا والصومال وسوريا – وهي بلدان تسودها الصراعات المسلحة أو الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان. 

مؤخرًا وتحت ضغط من مواطنيها، بدأت الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي في اتخاذ إجراءات لإنقاذ القوارب التي تتعرض للخطر في البحر المتوسط، ويعد ذلك مفيداً بالطبع، ولكنه ليس كافياً. ومن بين الضرورات الفورية تلبية احتياجات الأفراد الذين لا زالوا يعيشون في مناطق الصراع. طالبت الأمم المتحدة بمبلغ 8.4 مليار دولار هذا العام، لتلبية احتياجات 18 مليون متضرر من الأزمة السورية. وتم تمويل 44% من هذا الطلب من خلال تعهدات البلدان، 1.83 مليار دولار من الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء، و507 مليون دولار من الولايات المتحدة.

بالطبع يعد مبلغ 8.4 مليار دولار رقمًا ضخماً، إلا أن 130 ألف ليس كذلك، وهو عدد اللاجئين السوريين الذين طالبت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشئون اللاجئين الحكومات بتوطينهم، وذلك بين الأربعة ملايين لاجئ سوري في بلدان الجوار. حتى الآن، تم التعهد بأماكن تقل عن 90 ألف، حيث تعهدت دول الاتحاد الأوروبي بتقديم نحو 45 ألف مكان. ولم تقدم الولايات المتحدة تعهداً محدداً، لكنها اعتباراً من 31 مايو سمحت بدخول 902 لاجئ سوري فقط منذ 2011.

ورغم أن إعادة التوطين ليست حلاً ناجعاً، إلا أنها تنقذ الأرواح، كما أنها تحقق أهدافاً تتجاوز الإنقاذ الفردي، إن إعادة توطين اللاجئين تظهر التضامن مع البلدان الواقعة على الخطوط الأمامية للأزمة. ولا يخفي جيران سوريا رؤيتهم للوضع، ويعلنون أنهم قدموا أقصى ما يمكنهم، ويجري إغلاق الحدود، ومع إغلاق جيران سوريا لأبوابهم، فإن استعداد الولايات المتحدة وغيرها من البلدان خارج المنطقة لتوطين اللاجئين – بنسب وأعداد تتسق مع الحاجة – بالغ الأهمية لأولئك المستضعفين. أما بقاء سبل الفرار مفتوحة أو مغلقة ربما يكون بمثابة الفارق بين الحياة والموت بالنسبة لأولئك الذين يحاولون الفرار. 

Read it in English

بيل فريليك

مدير برنامج حقوق اللاجئين في مؤسسة هيومن رايتس ووتش.