حفظ تراث مصر: مهارات صناعة البردي في قرية قراموص

اشترك في نشرتنا

يعمل أحمد عوف وزوجته وأخت زوجته في منطقة صخرية مظللة من أجل صناعة منتجات البردي، وهى مهارة تختفي تدريجياً في مصر. قاموا ببناء مكان العمل بجوار منزلهم في قرية قراموص، وهى قرية ريفية في محافظة الشرقية في مصر. تتجول الحيوانات بحرية حول أدوات صناعات منتجات البردي في هذه الورشة التي يتم انتاج البردي لما يقرب من عقدين من الزمان.

تبدأ القصة مع الدكتور حسن رجب، مؤسس القرية الفرعونية، وهى مكان سياحي يقع في محافظة الجيزة. يقول عبد الرحمن السيد، أحد سكان قرية قراموص ويعمل في صناعة البردي منذ أكثر من 26 عاماً “هذا الرجل أعاد اكتشاف البردي في 1978”. ويضيف “كان هناك رجل من القرية (يعمل مع حسن رجب) أستاذ في كلية الفنون الجميلة، دكتور مصطفى أنس، بدأ في ادماج الفن في صناعة البردي.”

يوضح السيد أن المشروع كان طريقة من أجل إعادة إحياء تراث القرية ومساعدة السكان من أجل أن يكون لهم مصدر رزق دائم. يقول السيد لمدونة مصدر الشرق الأوسط ” اعتادت القرية بالكامل على هذا النوع من العمل، من الممكن أن تأتي وترى كل شخص يعمل في صناعة البردي.

أبو عوف وعائلته هم من العائلات القليلة المستمرة في صناعة البردي في قريتهم لعقود من الزمان، وهم معرفون بحفاظهم على ممارسة مصرية قديمة حية.

تعمل عائلة أبو عوف ساعات عمل طويلة من أجل انتاج البردي قبل أن يتم تجفيفه أمام فرن. تقول راجية، زوجة أبو عوف، لمدونة مصدر الشرق الأوسط وهى تضع شرائح البردي بحذر بجوار بعضها البعض بصورة أفقية ثم بطريقة عمودية في هذه العملية متعددة الخطوات “نحن نقف هنا منذ التاسعة صباحاً.”

تتضمن صناعة البردي عمل كامل العائلة، الذين يقومون بتقسيم العملية فيما بينهم. في عائلة السيد ثلاثة أطفال والزوجة جميعهم، جزء من هذه العملية.  

تقول زوجة السيد “نحن نعمل جميعاً من أجل أن تستمر الحياة، وهذا يجعل الأمور أسهل بالنسبة لنا جميعاً.” أسماء، ذات الستة عشر عاماً والتي تساعد العائلة منذ أن كان عمرها أحد عشر عاماً، “نحن نقوم بتقسيم العمل، أنا أقوم بتنظيم الشرائح مع بعضها البعض.” أخت أسماء الصغيرة، اسراء والبالغ عمرها أحد عشر عاماً، والتي تقوم بمساعدة العائلة أيضا، تقول “بدأت العمل منذ عامين”.

يشرح السيد أن هناك فقط حوالي 15 فدان من البردي مقارنة بحوالي 500 فدان كانت في وقت من الأوقات مزروعة عبر القرية كلها. “المشكلة مع السياحة. الآن لدينا الكثير من ورق البردي ولا نعرف ماذا نفعل به.”

صاحب ارتفاع الأسعار انخفاض حاد في عدد السياح الذين يزورون مصر، هؤلاء السياح كانوا يشترون هدايا البردي، ولكن هذا الانخفاض في عدد السياح وضع سكان القرية في موضع ضعيف. “الآن هناك 90% من الأفراد الذين كانوا ينتجون في السابق البردي يفضلون العمل في المصانع التي تنتج الملابس والأدوات المنزلية وغيرها من البضائع” كما يقول السيد.

ويضيف السيد “هذه الوظائف أكثر استقراراً، الأفراد يعرفون أنهم سوف يحصلون على 2000 جنيهاً مصرياً (حوالي 112 دولار أمريكي) في نهاية كل شهر. ولكن مع صناعة البردي، في بعض الأحيان العمل منتظم وفي أحيان أخرى ليس كذلك.”

وعلى الرغم من ذلك، ما يزال هناك العديد من العائلات التي قررت عدم ترك صناعة البردي على الرغم من الصعوبات. بالنسبة للسيد “هذا العمل (صناعة البردي) أكثر راحة لي من العمل لثمان ساعات يومياً في مصنع وقضاء أربع ساعات للوصول إلى المصنع”.

يقول السيد “لو أن الأمور سارت على ما يرام، يمكنك أن تكسب أكثر من المرتب في المصنع”. يقوم السيد ببيع ورق بردي كبير للتجار في القاهرة القديمة وشرم الشيخ بسعر 100 جنيه (حوالي 5.58 دولار أمريكي) للورقة، بينما يتم بيع ورقة البردي الصغيرة بسعر عشرين جنيهاً (حوالي 1.12 دولار أمريكي) للقطعة. “هناك يتم بيع الورقة الكبيرة بـ 300-500 جنيهاً مصريا (حوالي 16.80-28 دولار أمريكي) للقطعة.

بالنسبة لأبو عوف “البقاء في المنزل أفضل من الذهاب للمصنع، لا يوجد هنا من يملي عليك ما يجب أن تفعله، نعم إن الأمور صعبة والأشياء باهظة الثمن، ولكن البقاء في المنزل أفضل.”

راجية، أم لخمسة أولاد تقول لمدونة مصدر الشرق الأوسط، وكانت قد تزوجت منذ سبعة عشر عاماً، ومنذ ذلك الحين وهى تعمل مع أبو عوف في صناعة ورق البردي، أنها لا تريد أن يعمل أولادها معها. تضيف “هذا قد يكون تشتيت ليهم، أنا أريدهم أن يركزوا على المدرسة.”

يعود العمل تدريجيا منذ العام الماضي، يقول أبو عوف “يبدو أنه كان هناك سياح أكثر قبل رمضان، وهذا قد ساعد كثيراً.” يضيف أبو عوف “في نفس الوقت، سعر الكلور (الذي يستخدم لإعطاء البردي اللون الأصفر) زاد من ثلاثين جنيهاً (حوالي 1.67 دولار أمريكي) للجالون إلى 180 جنيهاً (حوالي عشرة دولارات أمريكية).”

بالنسبة للسيد، فإن التمسك بإنتاج البردي له جانب أخر، حماية تراثه.” ذهبت إلى دبي العام الماضي لحضور عرض لمنتجاتنا كجزء من حملة للترويج للسياحة في مصر. أحب الناس البردي.” طبقاً له، هناك العديد من الفنانين الذين لديهم معارض لصناعة البردي في الخارج، والتجار الذين يصدرون ورق البردي لبعض دول الخليج والدول الأوربية، الأمر الذي يعني أن بعض المنتجين ما يزالوا متمسكين بالإنتاج.

إن زراعة البردي وإنتاجه في مصر ما يزال غير واضح، خصوصاً أن الأزمات السياسية والاقتصادية في الإقليم كانت سبباً أيضا في الحفاظ على التراث. ولكن السيد متأكد أنه في حين أن انتاج البردي يتناقص، ويمكن أن ينخفض بصورة أكثر دراماتيكية من الآن، فإنه لن ينقرض.”

يقول السيد “بعد يناير 2011، كنا تقريبا نتسول، وبدلاً من بيع الورقة بسعر خمسة جنيهات كنا نبيعها بسعر جنيهاً واحداً. وبدلاً من كسب 1000 جنيهاً في الأسبوع، كنا نكسب حوالي 200 جنيهاً فقط. ولكن إنتاج البردي لن ينقرض.” مضيفاً “هذا تراثنا وأصبحنا مرتبطين به.”

يضيف السيد “هناك بعد السياح الذين يحبون الحصول على البردي من مصدره، فهم يفضلون الحصول عليه من القاهرة القديمة وليس من أوروبا. ولو يستطيعوا يمكن أن يحصلوا عليه مباشرة من قريتنا وليس من القاهرة.”

اشترك في نشرتنا English

جهاد أباظة

صحفية مصرية مستقلة ومتخصصة في الأنثروبولوجي.

شاهد أيضاً

انقسامات في انتظار هيئة تحرير الشام بعد إتفاق سوتشي

في منتصف شهر سبتمبر/أيلول، وفي محاولة لتجنب احتمالات الهجوم عليها من جانب النظام السوري وحلفائه وقعت كلا من روسيا وتركيا اتفاق سوتشي بشأن الأوضاع الميدانية في إدلب.

الوضع الطبي في إدلب والمعركة المحتملة هناك

يعد القطاع الطبي أحد أهم مقومات الحياة في أي منطقة، وفي حال انهياره، يمكن أن تنهار المنطقة بكاملها. وهو ما جرى خلال السنوات الأخيرة في سوريا، حيث كان سقوط القطاع الطبي في منطقة معينة يعني سقوط المنطقة المُستهدفة بيد النظام السوري وقواته.

قضية في السياق: من الحرب الأهلية اللبنانية إلى المحكمة الخاصة بـ لبنان

في 21 سبتمبر/أيلول، استمعت المحكمة الخاصة بـ لبنان إلى الحجج الختامية: في القضية الذي اتهم فيها المدعون أربعة أعضاء أو منتسبين لحزب الله باغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري. بعد ثلاثة عشر عاماً من الاغتيال، فإن القضاة في طريقهم لإصدار حكمهم النهائي.