خمس سنوات من النزوح: موت مُحتمل في البحر

لاجئون سوريون في انتظار بداية رحلتهم نحو اليونان. 4 نوفمبر 2015، صورة من رويترز.

بمناسبة الذكرى الخامسة للثورة السورية، ينشر مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط في سلسلة من المقابلات مع المحامي أيمن جلوان، وهو أحد السوريون الذين نزحوا نتيجة اندلاع الصراع المسلح في سوريا. تلقي هذه السلسلة الضوء على الخيارات الصعبة التي يواجهها السوريون بين الموت في سوريا التي أضحت منطقة حرب، أو الهرب من الأرض التي يحبونها. في العام الماضي ودع أيمن جلوان وزوجته أسرتيهما، والتحقوا بموجات المواطنين الذين غادروا البلاد، حيث تمكنوا من الوصول لتركيا أولا، ثم احتاجوا لعبور البحر المتوسط البارد وصولاً إلى اليونان. بعد ذلك كان عليهم التعامل مع المتاجرين بالبشر في أوروبا الشرقية، وصولاً إلى واحدة من قلائل الدول التي ترحب بهم وهي ألمانيا. ويشرح أيمن جلوان في سلسلة التدوينات هذه قراره بالمغادرة، والمصاعب التي واجهها هو وزوجته خلال الرحلة، والنتائج التي ترتبت على قراره. في هذه الحلقة يحكي أيمن جلوان رحلته إلى من غازي عينتاب إلى مدينة أزمير، حيت التعامل مع العصابات التي تقوم بتهريب اللاجئين السوريون إلى اليونان عبر البحر، لتبدأ مغامرة عبور البحر وصولا لأوروبا، هذه الرحلة التي قد تفضي إلى الموت في أي لحظة.

استغرقت الرحلة من غازي عينتاب لأزمير حوالي ١٠ ساعات، وكان لدي فكرة عما سأقوم به في أزمير فقد أخبرني أحد أصدقائي، ممن استطاعوا الوصول لألمانيا عن طريق البحر من قبل، عن كيفية التوصل لبعض ممن يعملون في الخفاء لمساعدة الراغبين في السفر من أزمير لليونان بحراً، بالطبع بشكل غير قانوني، ولذا لا يمكنني طلب المساعدة، إلا من أولئك الذين “يعملون في الخفاء” كما نسميهم في سوريا.

أخبرني أصدقاء بأن علي التواصل فور وصولي لأزمير مع رجل سوري قد سبق لهم التعامل معه، وقالوا أن بإمكاني الوثوق به فهو رجل أمين. كثيراً ممن يأخذون اللاجئين من تركيا لليونان سوريون، وتتمثل وظيفتهم ببساطة في كونهم نقاط اتصال مع اللاجئين السوريين، لكن من يقومون حقيقة بعملية نقل اللاجئين أتراك. عملية نقل اللاجئين من أزمير لليونان عملية مركبة، تقوم بها شبكة واسعة من الأفراد، حيث يقوم كل فرد بدوره، حتى تتم المهمة. ينخرط كثير من الأتراك في هذه الشبكة، سائقي الحافلات، ومن يقوموا بتوجيه اللاجئين، والقائد. هي أشبه بمافيا تركية تدير عملية الهجرة غير الشرعية.

يضطلع السوريون بمهمة التواصل مع راغبي السفر أو الزبائن – إذا جاز التعبير، فنحن أشبه ما نكون بالزبائن، ندفع 1200 يورو، تكلفة عبور شخص واحد من أزمير لليونان. في الشتاء تنخفض التكلفة لـ 300 يورو فقط للشخص الواحد، نظراً لسوء الاحوال الجوية، وما ينتج عنها من مخاطر. تخيل، إنه بمثابة عرض خاص، تحصل على خصم لزيادة المخاطر، فيمكنك أن تستغل هذا التخفيض وتخاطر بحياتك. للأسف هذه هي الحقيقة.

استغرق الجزْء الأول من الرحلة 10 ساعات، من غازي عينتاب لأزمير، حيث وصلنا في تمام الرابعة صباحاً. في ميدان باسماني، يمكنك أن تجد من يساعدك، ويدلك على فنادق تستقبل النزلاء، دون السؤال عن أوراقهم الرسمية. للأسف اضطررت للبقاء في أحد هذه الفنادق غير الآمنة رغم أنفي، فليس لدي بديل، يجب على أن أتحلي بالصبر، خاصة أن هذه هي الليلة السابقة لعبور البحر في الطريق لأوروبا، ولابد أن نأخذ قسط من الراحة، لنستعد لهذا اليوم الحافل. سألت سائق تاكسي عن فندق جيد وفي متناول اليد، ودلني على أحد الفنادق، وقضينا هناك يومنا وليلتنا.

كنت قد تواصلت بالفعل مع الرجل السوري، الذي سيساعدنا لعبور البحر، وتقابلنا اليوم التالي في الحادية عشر صباحاً، وعندما سألته عن تعليمات السفر وكيفية الدفع، أخبرنا بأننا سنغادر في الواحدة صباحاً، وبالنسبة لكيفية دفع الأموال، أخبرنا بأن هناك مكتب خاص في أزمير، يمكننا إيداع الاموال عن طريقه إذا كنا لا نثق فيه. قولت له أنني أثق فيه، وأن أصدقائي قد تعاملوا معه من قبل، فأخبرنا الرجل بأن تكلفة العبور ١٢٠٠ للفرد، وقال إنه عرض خاص لنا، لأن السعر الحقيقي ١٥٠٠ للفرد.

طلب مني شراء سترة نجاة لعبور البحر، فاشتريت ٣ سترات، واحدة لي وواحدة لزوجتي، وواحدة تربطنا ببعضنا البعض. فزوجتي لا تجيد السباحة، ولا أريد أن ننفصل عن بعضنا البعض، إذا انتهي الحال بنا في البحر. حذرني البعض من هذه الفكرة وخطورتها، ولكني أخبرتهم أنني أفضل الموت مع زوجتي عن فقدانها. اكتشفت بعد وصولي لأوروبا أن هذه السترات التي تباع في إزمير لا تصلح للاستخدام، فهي تجارة تعتمد علي بيع المنتجات المقلدة، غير صالحة الاستخدام. في أزمير تدفع ٥٠ يورو مقابل سترة نجاة، لن تنقذك من الغرق، ولهذا نسمع عن كثير من اللاجئين يموتون غرقاً في البحر، أثناء العبور من أزمير لليونان. يمكن لسترة نجاة جيدة أن تساعد إنسان على النجاة من الغرق، لكن ليست هذه السترات. الحمد لله لم يحدث ما يضطرنا لتجربة هذه السترات. 

أخذنا أمتعتنا وذهبنا لشراء بعض الاحتياجات، مثل حافظات من البلاستيك، لحماية أوراقنا وتليفوناتنا المحمولة. وعندما حان موعد اللقاء في تلك الليلة وهو لقاء سري، شعرت بأنني أقوم بعمل غير قانوني. هل تفهم ما أقصد؟ علي أن أثق في أناس لا أعرفهم، ولا أعرف إلي أين سنذهب، ولا كم من الوقت ستستغرق الرحلة. معظم من يقتادوننا يتحدثون التركية، وقليل هم من يتحدثون العربية. حينما تمر بجانبنا سيارة شرطة، يقول الرجل السوري للجميع اخفضوا رؤوسكم. تحدثني نفسي “ماذا أفعل هنا؟” هذه مخاطرة جسيمة، وينتابني شعور سيء. كل ما أريده هو الخروج من هذا الموقف، ولكن ليس لدي خيار أخر، علينا الوثوق بهم. هذا هو الشعور الذي كان ينتابني وكل اللاجئين ممن كانوا معنا.

اقرأ أيضاً

اقرأ أيضاً

الحلقة الأولي: كيف بدأت رحلتنا

الحلقة الثانية: قطع الصلات مع الماضي

الحلقة الثالثة: لن اقاتل في جيش بشار

الحلقة الرابعة: كيف عبرنا الحدود؟

الحلقة الخامسة: ليلة في غازي عينتاب

Read it in English

قامت كلودين فيبر-هوف بإجراء هذه السلسة من المقابلات.

أيمن جلوان

هو اسم مستعار لحماية هوية الكاتب، وهو محامٍ سوري يعيش الآن في ألمانيا كلاجئ مع زوجته.