السوريون وقضية الطيار “الأسير” في تركيا

تسلط الأحداث التي أحاطت بـ محمد صوفان – وهو طيار سوري في قوات النظام، والذي يتلقى العلاج في أحد مشافي تركيا – على موقف تركيا المتغير من الصراع في سوريا. خرج صوفان من مشفى مدينة انطاكية بعد تلقيه العلاج لفترة أسبوع، ونقل إلى مكان لم تفصح عنه الحكومة التركية، خشية عمليات انتقامية، قد يقوم بها سوريون في الإقليم، حيث يقطنه قرابة أربعمائة ألف نسمة، غالبيتهم فروا من سوريا نتيجة القصف الذي شنته طائرات يقودها زملاء صوفان.

خفتت أصوات الناشطين المعارضين في الوقت الراهن، وتحولوا إلى مراقبين لما قد يجري ويحدث، سيما وأن هناك تقاربا كبيراً بين روسيا وتركيا، ويسود القلق والخوف الشارع السوري في تركيا نتيجة هذا التقارب، على الرغم من قيام الصحفي قتيبة حاج ياسين، ابن مدينة حلب، برفع دعوى قضائية (مفتوحة) على الطيار، واتهمه بتدمير منزله في حي الهلك في عام 2014، مضى على الادعاء 6 أيام، ولم يحدث أي جديد بعد بحسب الصحفي.

المحامي عروة سوسي قال في اتصال خاص قال أنه لا يرى أفق لمقاضاة الطيار في تركيا، بسبب قلة الأدلة التي تدينه، حيث استند الصحفي في الادعاء على الشبهة فقط، دون تقديم دليل واضح، سيما وأن القضاء التركي يطبق القاعدة التي تقول “البينة على من ادعى”. ليس من الواضح – طبقاً للقانون الدولي – ما إذا كانت تركيا قادرة على اثبات هذه الادعاء حول الأعمال في سوريا؛ وبحسب القوانين الدولية فان الدول تلاحق القضايا التي تحصل على أراضيها، أو التي تخص مواطنيها، وهذا غير متوفر في هذه الحالة، فالجريمة وقعت في سوريا وأطرافها سوريين، لكن المتخاصمين هم في تركيا. القانون التركي قريب من القانون السوري بحسب المحامي، من ناحية أخرى يحتاج الصحفي قتيبة إلى التسجيلات التي تثبت أن الطيار ذاته هو من شن الغارة في العام 2014، الصحفي يحاول البحث عن هذه التسجيلات، حيث يؤكد أن الطيار يحمل لقب “بحر1″، ويهبط بطائرته بشكل مستمر من مطار السين العسكري، الواقع في القلمون السوري بالقرب من العاصمة دمشق، بينما يرى المحامي السوري غزوان حاج محمود أن الظروف في الوقت الراهن غير مناسبة لمحاكمة الطيار، بسبب كثرة الضغوط على الجانب التركي.

من ناحية  أخرى هدأت الحملة التي أطلقها سوريون في تركيا على وسائل التواصل الاجتماعي، تطالب الحملة بمبادلة الطيار الأسير بالضابط حسين هرموش، وأشاروا الى أن الضابط خطف من الأراضي التركية، ويتوجب عليها البحث عن مصيره؛ أكد ابراهيم هرموش، أحد أشقاء الضابط المعتقل والمقيم في بلجيكا، إن المناشدات التي أطلقتها زوجة الضابط لم تلق إلى الآن أي استجابة من الحكومة التركية، وأشار إبراهيم إلى أن هناك أفراد آخرين من عائلة الضابط معتقلين مصيرهم مجهول، كما أشار إلى اعتقاده بأن الهرموش معتقل في سجن جزيرة أرواد في الوقت الراهن، وهو يستبعد فكرة أن يكون قد تمت تصفيته.

يتخوف الشارع السوري أيضا من تحويل قضية الطيار إلى قضية سياسية بحتة، يتحرك فيها ملف الدعوة وفق الأهواء السياسية التركية، فالآن هناك قبول ورضا بين تركيا وروسيا، ربما غداً يزداد الأمر تعقيداً، فقد تحتاج تركيا، مثلا، إلى أوراق ضغط على النظام السوري، لا سيما وأن هناك العديد من المقاتلين الأتراك قُتلوا في الأراضي السورية خلال عملية درع الفرات، منهم من قُتل بقصف للطيران السوري، ناهيك عن قضية اسقاط الطائرة التركية أواخر شهر يونيو/حزيران عام 2012 في البحر المتوسط، حيث اسقط النظام السوري المقاتلة التركية بنيران مدفعية، لم تتصرف حينها الحكومة التركية سوى برفع مستوى التعامل العسكري ضد النظام السوري وفق ما نشرته قناة العربية. 

من ناحية أخرى، يتعامل النظام السوري مع هذه القضايا بشكل مختلف تماماً، فالطيار لا يقل أهمية عن عشرات الأسرى العلويين، ممن وقعوا في قبضة المعارضة، منهم من يقبع في سجون جيش الإسلام في غوطة دمشق، ومنهم من يقبع في سجون هيئة تحرير الشام في غرب سوريا، الإعلام الرسمي لم يركز على قضية الطيار الأسير، حيث ركز فقط على مطالبة تركيا بالحفاظ على سلامته. وقائع الحرب السورية منذ اندلاعها في عام2011 تشير إلى حنكة كبيرة يتبعها النظام في مفاوضات التبادل مع جميع الأطراف، فهو في الوقت الراهن نسي قضية الطيار، لكن هذا النسيان مؤقت إلى حين بروز فرصة مناسبة، تجعله يدفع أقل الخسائر؛ وإلى حينها، فإن الحكومة التركية ملزمة أخلاقياً وقانونياً بحماية الطيار، وتأمين كل ما يطلبه،  لذلك عمد الاعلام الرسمي مؤخرا إلى جذب الأنظار إلى الانتصار الكبير الذي حققه على تنظيم داعش  في تدمر وريف حلب الشرقي، وكل ما يقلق سياسة النظام في دمشق حالياً هو منع تركيا من الانخراط في عملية السيطرة على مدينة الرقة، أبرز معاقل تنظيم داعش في سوريا.

قامت وسائل الاعلام المحلية بتغطية صفقة تبادل السجناء بين المعارضة والنظام في شهر فبراير/شباط الماضي، ادعت وسائل الاعلام الموالية للنظام السوري أن تنظيم القاعدة قام باحتجاز 58 سيدة لمدة ثلاث سنوات ونصف. على العكس، فإن صوفان – المحتجز في تركيا، والتي تلتزم بالقانون الدولي – قد ظهر على شاشات التلفزة، وهو بحالة جيدة، وتلقى العلاج على أكمل وجه. علاوة على ذلك، فإن النظام السوري يعول على الأوضاع الصعبة التي تمر بها تركيا حاليا، ومن ثم فإن إطلاق سراح الطيار لن يكون لصالحها، سيما وأنها تركز كل اهتمامها على الانتخابات في منتصف الشهر القادم، وباتت مؤخراً تنظر إلى قضية الطيار الأسير من باب مصالحها فقط، بالتالي من المستبعد أن يتم النظر إلى القضية خارج سياق الانتخابات الداخلية وعلاقتها مع سوريا. على الرغم من ذلك، قام أتراك في بلدية إسطنبول برفع دعاوي أخرى عامة تهتم الطيار السوري الأسير محمد صوفان بارتكاب جرائم حرب وبقتل مدنيين.

شقيق الهرموش غير متفائل بإطلاق سراح أخيه في القريب، فالمصالح التركية ليست مع مصالح المعارضين في كل الأحيان، ويرى في الطرف المقابل أن النظام هو من أعتى الأنظمة الديكتاتورية دهاء في مثل هذه الأمور، ولديه حلفاء أقوياء لا يوفرون أي مناسبة في تقديم الدعم اللازم له، ولن تكون قضية الطيار أكثر أهمية من باقي القضايا، جميع الآراء التي تتابع قضية الطيار تؤكد أن أي جديد لن يحدث قبل الانتهاء من الاستفتاء الدستوري في تركيا منتصف الشهر المقبل.

Read in English

سليم العمر

صحفي سوري مستقل يكتب للجزيرة والقدس العربي والعربية وعربي 21.

شاهد أيضاً

أزمة المياه: كيف تم تحويلها إلى سلاح في الصراع اليمني

يظل الموقف شديد الخطورة، خاصة بالنسبة لليمن، حيث أدى تحويل المياه لسلاح إلى وصول الصراع لحالة حرجة. تقدر الأمم المتحدة أن 14 مليون نسمة، نصف سكان اليمن، يواجهون حالة ما قبل المجاعة. تعد المياه واحدة من أوجه الصراع المعقد هناك، ويظل من الصعوبة تحديد إلى مدى قد أدت إلى مزيد من العنف.

الترحيل غير الشرعي للاجئين السوريين في تركيا

مع استمرار السلطات التركية في رفض إعادة فتح مراكز استقبال الحماية المؤقتة منذ أكثر من عام في معظم الولايات الحدودية، ووقف منح الفارين من الحرب بطاقة الحماية المؤقتة التي تخول صاحبها حق البقاء والحصول على الرعاية الطبية والدراسة والمساعدات الاجتماعية، يعيش آلاف اللاجئين السوريين في تركيا هاجس الترحيل القسري بشكل دائم.

إعادة احياء محادثات السلام في اليمن: ماذا بعد؟

مع ارتفاع عدد القتلى في الحرب الأهلية في اليمن، فإن الحاجة الماسة للسلام تتناقض مع الآمال المتفرقة في عملية سلام. بعد أشهر من التأخير، أعلنت قوات الحكومة والمتمردين في يوم 19 نوفمبر/تشرين الثاني نيتهم تجميد العمليات العسكرية بصورة مؤقتة

إشترك في النشرة البريدية

سيصلك أحدث مقالات مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط