هل يمكن تحقيق سلام دائم في اليمن؟

إن التطورين اللذين حدثا في اليمن على مدى الأسابيع الماضية يبشران بالخير ويدعيان إلى القلق في الوقت نفسه، فيما يتعلق بمحادثات السلام اليمنية.  لقد تسبب تصاعد القتال في إقليمي مأرب وشبوة في إزهاق ما يزيد عن مائة روح، ولكن تبادل السجناء الأخير بين مؤيدي هادى والمقاتلين الحوثيين يوضح أن عملية السلام لم تتداع. مع تزايد الضغوط الذي تمارسها الولايات المتحدة على المملكة العربية السعودية، يبدو أن الرئيس اليمنى عبد ربه منصور هادى قد يضطر إلى النظر في خيار قد رفضه تماماً من قبل: خيار يتضمن ما هو أقل الاستسلام الكامل للحوثيين الذي طالب به مجلس الأمن في قراره رقم 2216.

لم قد يتراجع هادى وأنصاره من السعوديين عن طلبهم بإعادة تنصيب حكومة هادى بشكل كامل، بالإضافة إلى الاستسلام الغير مشروط من قِبَل الحوثيين؟ لأن هذا الخيار ليس متاحاً. إن المشكلة لا تتمثل في كون اليمنيين يدينون بالولاء أكثر للحوثيين وحلفائهم – مثل الرئيس المخلوع على عبد الله صالح – أكثر من ولائهم لهادى، الواقع أن كل من الجانبين يحصل على بعض الدعم المحلى. تتمثل المشكلة في عدم ولاء اليمنيون لأي من الأحزاب المتناحرة.

لقد هدد السعوديون بصورة متكررة بالسيطرة على صنعاء عسكرياً إذا ما فشلت المحادثات، ولكن حتى الآن – سواء كان ذلك بدافع الحاجة او بدافع الاختيار الحر – تبقى السعودية جالسة إلى طاولة المفاوضات. حتى إذا ما استطاع هادى وأنصاره هزيمة التحالف – المكون من الحوثيين وصالح – عسكرياً، فلن يكون باستطاعته توحيد الأمة، حتى إذا ما وفر لبلده تعهد طويل الأمد بالدعم المادي والعسكري من قِبَل حلفائه من الخليجيين.

عندما يتوقف الصراع، ستكون هناك حاجة في البدء في العمل الكبير المتعلق بالمساعدات الإنسانية وإعادة البناء. ولكن كل ذلك لن يكون ممكناً إذا لم تقتنع شريحة كبيرة من السكان بهذه العملية – وهو ما لن يفعلونه إذا لم تكن العملية نفسها شاملة لجميع فئات المجتمع اليمني. إن اليمن في فترة ما بعد الحرب قد تشهد فترة انتقامية طويلة الأمد، حافلة بمطالب القصاص، مما سيحصر الدولة في إطار من تدهور الأوضاع الأمينة وفترات من العنف المتكرر، بدلاً من الاستقرار والأمن. 

على مدى عدة عقود، تلاعبت الأطراف الفاعلة القوية ذو النفوذ بالأمور في اليمن، عن طريق تحريض الفصائل ضد بعضهم البعض. لقد كان صالح بارعاً في استغلال وتفريق وخيانة شعبه. فقد قام صالح بتشبيه نظام حكمه بالرقص على رؤوس الأفاعي. الجدير بالذكر أن السعودية قد شجعت أيضاً انقسام اليمن، وقامت، في فترات مختلفة وبصورة متزامنة، بدعم صالح والاشتراكيين في الجنوب والإسلاميين المعتدلين والجهاديين المتطرفين والعديد من النخب القبلية وآخرين من الفاعلين في اليمن. وعلى مدار أعوام، قامت السعودية بتمويل ”المؤسسات العلمية” المتأثرة بالفكر الوهابي في اليمن، مما ساهم في نشر الأيديولوجية الجهادية. وعلى مدار ما يزيد عن عقد من الزمن شجعت السعودية – وصالح على حد سواء – اليمنيين على المحاربة إلى جانب المجاهدين بأفغانستان. وقد تسبب هذا المشروع في خلق تعارض واختلاف فيما يتعلق بالأصوليات في اليمن، مما نتج عنه انشقاقات في العديد من المجتمعات المحلية في اليمن، وأثار غضب الجنوبيين الأكثر تقدمية. وقد تسببت هذه الأفعال في تفاقم الانقسامات داخل مجتمع متنوع أصلاً.

ستخلق موروثات المحسوبية وعدم الثقة عوائق أمام تحقيق السلام في اليمن، كما أنها ستسبب في إطالة عملية إعادة البناء. من أكثر الأمور المثيرة للقلق في هذا السياق، هو ما يتعرض له الأطفال في الوقت الحالي. تشير حصيلة الحرب إلى مقتل أكثر من 6200 شخصاً حتى الآن، وتشير منظمة اليونيسيف في تقاريرها إلى مقتل 900 طفل عل الأقل واصابة 1300 آخرين. ومما يثير المزيد من القلق هو أن منظمة هيومن رايتس واتش قدرت – في تقرير حديث لها – أن ثلث المقاتلين في اليمن من الأطفال. إن الوضع القاسي الذي يعيش فيه الأطفال اليمنيين سيكون له عواقبه الوخيمة على مستقبل اليمن، حيث سيترعرع الأطفال، ليس فقط بدون ما هو مناسب من المأكل والرعاية الصحية والتعليم، ولكنهم سينشؤون أيضاً على رؤية النزاعات والاختلافات من منظور المقاتل. وبالتالي سيكونون قد تعلموا عدم الثقة في الآخرين، والاعتماد على العنف لتسوية النزاعات.

إن اليمن في فترة ما بعد الحرب الذي ستقوده حكومة لا يراها اليمنيون شرعية وممثلة للشعب، سيعاني من أجل مجابهة هذه الانشقاقات الخطيرة داخل مجتمع مسلح بصورة كبيرة. ولكن لا ينبغي السماح لهذه الرؤية – ليمن يعاني لمدة عقود – من التحقق على أرض الواقع. مازال من الممكن التوصل إلى حل بديل، إذا ما تم استدعاء الأطراف الأخرى المتسببة بالنزاع إلى طاولة المفاوضات. في حين أن هذا النزاع يتم تصويره غالباً على أساس كونه نزاع مزدوج ما بين ”المتمردين الحوثيين الذين تدعمهم إيران” ”وحكومة هادى التي تدعمها السعودية”، فإن هذا التمثيل المبسط للوضع يخرس كافة الأصوات الأخرى التي يجب تضمينها.

من أكبر الأصوات التي لم يتم دعوتها إلى طاولة المفاوضات هي تلك الخاصة بالجنوبيين. يفكر المزيد والمزيد من الجنوبيين في الانفصال، في ظل عملية سلام أسكتتهم حتى الآن. في أحاديثي المتبادلة مع مواطني اليمن، المقيمين داخل دولتهم وخارجها، فإن الأشخاص الذين كانوا يعارضون فكرة الانفصال منذ شهور قليلة، بدأوا يرددون أنهم لا يرون خياراً آخر. تجادل قلة منهم قائلة أن قاطني الشمال من البلاد سيكونون جاهزين للإذعان لحكومة يقودها هادى، ولكن عدد أقل يقر بعمق عدم الثقة التي يشعر بها الجنوبيون حيال هادى.

من غير المرجح أن يتنازل الجنوبيون المحبطون – الذين تتزايد أعدادهم – عن مطالبتهم بالانفصال، إلا إذا شاركوا في المحادثات، وإذا ما عُرض عليهم، على الأقل، ما يشبه الحكم الذاتي. وقد صرح المبعوث الخاص للأمم المتحدة جمال بن عمر في شهر أبريل قائلاً إن إمكانية تشكيل فيدرالية في اليمن قد تمت مناقشتها جدياً، قبل أن تبدأ الغارات الجوية التي قادتها السعودية يوم 26 مارس 2015. ومع تضمين المزيد من الأصوات في المحادثات، والأخذ في الاعتبار أن هادى لا يتحدث بالنيابة عن كل اليمنيين من قاطني الجنوب. يبقى الرجوع لمثل لهذه الرؤية الخيار الأفضل لسلام طويل الأمد. قد يقبل الحوثيون بتقليص دورهم إذا لم تكون فكرة مشاركة السلطة مباراة صفرية، وإذا لم يكونوا الطرف الوحيد الذي يسعى بشدة إلى تشكيل حكومة ائتلافية. سيكون على هادى (وأية حكومة تتبعه) الحرص على إرضاء قاعدة عريضة من اليمنيين، ولكن تحقيق انتقال حقيقي سيكون ممكناً إذا ما تم تمثيل المجموعات المختلفة في اليمن قبل اعتماد شروط الفترة الانتقالية.  إن هذا المنطق لطالما كان موجوداً عند الأطراف المختلفة في اليمن، ولكن في ظل وجود دعم أجنبي كبير لهذه الأطراف، فإن الدوافع للتوصل إلى تسوية عند حده الأدنى. ولكن هذا من الممكن أن يتغير، خاصة بالنسبة إلى هادى، حيث تتعرض الحملة العسكرية التي تقودها السعودية لمزيد من الانتقادات الدولية. 

ينادي السيناتور الأمريكي كريس ميرفى، بلا كلل، الكونجرس ليعيد النظر في الدور الذي يلعبه في الحرب القائمة، بما في ذلك تزويد قاذفات القنابل السعودية بالوقود يومياً عن طريق الجو، بالإضافة إلى توفير المعلومات الاستخباراتية للتحالف الذي تقوده السعودية. وفى حين أن الولايات المتحدة قد وفرت للمملكة العربية السعودية دعم هائل، فقد أثارت مبيعاتها للأسلحة الانتباه بشكل سلبي. وورد أن واشنطن قد أوقفت مؤخراً مبيعاتها من القنابل العنقودية للسعودية، وذلك في اعقاب تصريح أحد المسئولين – الذي لم يتم ذكر اسمه – بانه قد تم استخدام الذخائر في مناطق مدنية. ولكن ليس واضحاً ما إذا كان سيتم تلبية الطلبات الحالية. وفي أوائل شهر يونيو، أضافت الأمم المتحدة – لفترة قصيرة – المملكة العربية السعودية للائحتها السوداء التي تصدرها سنوياً والتي تحتوي على النظم الحاكمة والمجموعات المسلحة التي تنتهك حقوق الأطفال. ولكنها قامت بإزالتها من القائمة بعد ذلك بأيام، وذلك في انتظار نتيجة تحقيق مشترك للحالات.

إن الضغط على المملكة العربية السعودية لن يؤدى إلى انتهاء الحرب، ولكنه سيخلق حافزاً لهادى وأنصاره لمراجعة خيار الاستسلام الكامل من قِبَل الحوثيين. من الممكن تقليص الصوت الحوثي إذا ما تم تضمين الآخرين في العملية، ولكن سينبغي على الكل العودة إلى نظام تشارك السلطة، ربما استناداً على ما أشار إليه مبعوث الأمم المتحدة قبل الحرب.

في استطاعة هادى أن يقود اليمن للخروج من هذه الحرب، عن طريق خلق عملية تمثل نسبة أكبر من مصالح ومصادر قلق اليمنيين، أكثر مما هو الحال في المحادثات الجارية.

Read in English

جليان شويدلر

هي كبير باحثين غير مقيم مع مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط، حيث تركز اهتماماتها البحثية عملية التحول في العالم العربي.