ليبيا: أزمة مستمرة أم أمل محتمل؟

ليبيا: أزمة مستمرة أم أمل محتمل؟

كريم ميزران وإيرين نيل

اشترك في نشرتنا 

يبدو أن الوضع في ليبيا متعثراً بشكل لا رجعة فيه. فالحكومة المعترف بها دولياً برئاسة فايز السراج في طرابلس وحكومة عبد الله الثني في مدينة البيضاء – والمدعومة من قبل البرلمان المنتخب في عام 2014 في مدينة طبرق – تعانيان من التباعد في المواقف كما كانوا من قبل. كما أن الاتفاق السياسي الليبي لن يجدي نفعاً طالما لا يبذل في سبيله الجهد الكافي. في الخريف الماضي، كان التعثر بين الجماعات التي تركت مبكراً المفاوضات التي كانت تهدف لتعديل الاتفاق السياسي الليبي، ومن ثم انقطعت أي فرصة لاتفاق سياسي بين الفصيلين المتنافسين. كما أن المحادثات حول إجراء انتخابات وطنية تجري بصورة مجردة. بدون دستور، فإن الانتخابات لا يمكنها أن تهزم عقلية صراع القوى على الأرض في ليبيا.

بالرغم من ذلك، فإن إجراء استفتاء على الدستور هو ما تفضله بعض الأطراف غير الراغبة في التوصل لحل. فالاستفتاء سيؤخر الانتخابات على الأقل لمدة ستة أشهر، حيث يمكن لهؤلاء – الميليشيات والمهربون وحتى الساسة – أن يستفيدوا من الوضع القائم والإفلات من العقاب. لدى المبعوث الخاص للأمم المتحدة، غسان سلامة، رؤية لمؤتمر مصالحة وطنية يشمل الجميع، ولكن هذا الاقتراح فقد زخمه بسبب لامبالاة الفاعلين السياسيين في ليبيا. وبدلاً من أن يكون تجمعا كبيراً للفاعلين الرئيسيين، تلخص المؤتمر في عرض رجل واحد: سلامة يسافر من مدينة إلى مدينة، يقوم بوساطة بشكل فردي. وكسابقيه، فإن سلامة دخل منصبه بطموحات عالية وخطط كبرى، لكن للأسف، فإن الوضعين السياسي والأمني في ليبيا يعطيا انطباعاً بأن الأمل في إحلال الاستقرار من أجل سياسة انتقالية أمر محال. الأمل في خلق حكومة وحدة وطنية في ليبيا تراجع بشدة.

هذا الادراك الواقعي لفشل وساطة الأمم المتحدة يترك خيارات ضئيلة أمام ليبيا. إن الذهاب مباشرة إلى الانتخابات بدون دستور قد يكون أفضل من عدم اتخاذ أي إجراء على الإطلاق. إلا أن الوضع الأمني يجعل من أي نظام للتصويت العادل محفوفاً بالمخاطر. هناك اقتراحات أخرى للحد من المصاعب التي تواجه عملية اجراء انتخابات حرة ونزيهة، طرحت من قبل فاعلين سياسيين كثر. أحد الاقتراحات هو “التصويت المتدرج، وهو بمثابة أداة جذب لتحفيز البلديات بصورة فردية لتحسين الوضع الأمني بما يضمن تصويتاً آمناً، ومن ثم تتمكن من الحصول على منافع التصويت. كما أن المشاركة بشكل كبير هي هدف مرجو من أجل الوصول إلى نتائج معقولة ومقبولة من هذه الاستراتيجية. إذا وضعنا في الاعتبار الانقسامات الليبية، فإنه من غير المنتظر تحقيق هذه المشاركة، بالرغم من أن هذه البدائل تضمن بعض المنافع، إلا أنها وغيرها غير كافية لإيجاد حل حقيقي داخل ليبيا.

لذلك، وفي هذه الفترة الحساسة، فإن النصر المفاجئ لخالد المشري كرئيس جديد لـ المجلس الأعلى للدولة – وذلك بخلاف النجاح المتوقع لسابقه عبد الرحمن السويحلي – ربما يكون تطورا إيجابياً.  ينوب المشري عن حزب العدالة والبناء، وهو الذراع السياسي لجماعة الاخوان المسلمين.

بوصفه الحزب السياسي الأكبر، فإن حزب العدالة والبناء كان داعماً لجهود الأمم المتحدة في ليبيا لإيجاد حل وحدوي سلمي للأزمة الكبيرة التي خلقها الجنرال خليفة حفتر بعد العملية العسكرية المسماة “الكرامة” في عام 2014 التي أطلقها ضد الإسلاميين في بنغازي وردة فعل القوات الإسلامية في طرابلس عليها. في يوليو/تموز 2017، حين توسط الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في اتفاقية وقف إطلاق النار بين حكومة الوحدة الوطنية برئاسة فايز السراج والجنرال حفتر في باريس، قام حزب العدالة والبناء برفض النتائج لأنها لم تتم تحت إشراف الأمم المتحدة. كما كانت انتقادات الحزب مبعثها أن التدخل الأجنبي الفردي في شؤون ليبيا سيؤثر سلباً على العملية الانتقالية السياسية. يدعم محمد صوان، رئيس حزب العدالة والبناء، الاتفاق السياسي الليبي بوصفه الخيار الوحيد لليبيا. يقف صوان داعماً للاتفاق الذي تم بإشراف الأمم المتحدة بدرجة تدفعه إلى انتقاد أفراد مقربين من حزبه لأنهم يعارضون هذه الاتفاقية. إن تركيز حزب العدالة والبناء على الهوية الليبية في سياق عملية الانتقال السياسي، والالتزام الكامل بالاتفاق السياسي الليبي سيحشد الدعم للمشري. بالإضافة إلى ذلك،  أعلن رئيس حزب العدالة والبناء دعم حزبه الكامل للعملية السياسية للانتخابات، الأمر الذي سيجعل القوى الغربية مهتمة.

العلاقة بين المشري وقائد الجيش الوطني الليبي في الشرق خليفة حفتر ستكون معقدة. في مناسبات عدة، أعلن حفتر أن جماعة الاخوان المسلمين هي جماعة إرهابية، ورفض التفاوض معها في الماضي. فحقيقة أن أحد المكونات الهامة في الجيش الليبي الوطني التابع لحفتر هي العناصر السلفية التي تعادي بشدة جماعة الاخوان المسلمين ولأشكال أخرى من الإسلام السياسي يزيد من عداء حفتر لجماعة الاخوان المسلمين. إلا أن اليوم حفتر قد يحتاج إلى التعاون مع رئيس المجلس الأعلى للدولة الجديد من أجل الاحتفاظ بخيارات مفتوحة في طرابلس، وهي مقاطعة سابقة في ليبيا. إضافة إلى ذلك، فمن الممكن أن يكون خطاب حفتر المعقد ضد جماعة الاخوان المسلمين يرجع إلى رغبته في إرضاء داعمه الرئيسي: مصر.

كانت تصريحات حفتر حول جماعة الاخوان المسلمين غالباً ما تماثل تصريحات النظام المصري الحالي. في السابق، ظهر نهج حفتر المتعاون بشكل كامل مع مصر حين تعهد بتسليم أعضاء جماعة الاخوان إلى مصر. كان الرئيس عبد الفتاح السيسي جنرالاً رفيعاً المستوى، وقاد الجيش في للإطاحة بالرئيس وقتها بـ محمد مرسي، المنتمي لحزب الاخوان المسلمين في عام 2013. في نفس العام لاحقا، أعلنت مصر الجماعة بوصفها جماعة إرهابية. بالرغم من عدم وجود تخطيط لمفاوضات بين حفتر والمجلس الأعلى للدولة ، إلا أن الطرفين مجبران على الجلوس على الطاولة. هناك صعوبة إضافية، ألا وهي النفوذ المصري القوي على حفتر. لن تقبل حكومة السيسي بعلاقة متقاربة بين حفتر والاخوان المسلمين. لكن مصر لديها مشاكلها الداخلية، وقد نفد كل من صبرها وحماسها للانخراط في ليبيا. لذا، فإن احتمالية عقد اتفاقية بين حفتر والسراج تحت رعاية الرئيس الجديد للمجلس الأعلى للدولة ربما في النهاية تراها القاهرة نتيجة إيجابية.

في الوقت ذاته، فإن جماعة الاخوان المسلمين التزمت بتغيير في خطابها فيما يتعلق بموقف حفتر. فقد صرح رئيس حزب العدالة والبناء، محمد صوان، أن أعضاء الجيش الوطني الليبي التابع لحفتر، قتلوا وهم يحاربون الإرهاب، وأنهم يعتبروا شهداء. بالرغم من أن الخطاب يبدو سياسياً في توقيته، إلا أن الجهود المبذولة للبدء في خطاب أقل عدائية يعتبر تحسناً بالنسبة للوضع الحالي في ليبيا. وقد أشار حفتر في السابق إلى استعداده للعمل مع الأعضاء المعتدلين من جماعة الاخوان المسلمين.

يمكن للتغير الجذري الذي حدث في بنية المجلس الأعلى للدولة أن يدفع أعضاء مجلس النواب إلى التحول عن نهجهم غير المرن، إلا أن ذلك لن يحل مشكلة التعثر. فقد كان مجلس النواب أول من انسحب من المفاوضات السياسية في أكتوبر/تشرين الأول حول تعديلات الاتفاق السياسي الليبي. وبناء على ذلك، فإن ليبيا ستستفيد من عملية تغيير مماثلة لقيادات مجلس النواب، وتواجد أفراد أكثر انفتاحاً على التغيير والتقدم، بدلا من التركيز الضيق على تصحيح أخطاء الماضي.

من المرجح أن أي تحذير حول صعود الاخوان المسلمين في ليبيا أمر مبالغ فيه. لا يوجد فاعل واحد، حتى الحكومة الرسمية، لديه السيطرة الكاملة على البلاد. ما زالت الإمكانية قائمة بأن انتخاب المشري لرئاسة المجلس الأعلى للدولة يمكن أن يصبح انقساماً آخر في السياسة الليبية المتغيرة بصورة مستمرة. تتعلق المفاوضات السياسية بالأفراد كما تتعلق بالجماعات، والاعتماد بصورة كبيرة على فرد واحد بوصفه الحصان الرابح هو ثغرة تؤدي لتضييع فرصة استخدام أفكار جديدة وحوار جديد ولاعبين جدد لإصلاح الأحوال في ليبيا.

اشترك في نشرتنا English

مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط

بقيادة خبراء مقيمين، يقوم مركز رفيق الحريري بدراسة قضايا حل النزاعات وإعادة الإعمار/الإصلاح الاقتصادي، والتغيرات المجتمعية.

شاهد أيضاً

السعودية: ضرورة مراجعة الروابط الآن

التقارير التي أعلنت أن وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية قد خلصت إلى أن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان قد أمر بقتل الصحفي السعودي جمال خاشجقي أضاف المزيد من الثقل والإلحاح لشيء كان قد أوصى به كاتب المقال منذ أسابيع مضت.

تطبيق الراصد: كيف يتم تطويع التكنولوجيا لإنقاذ الأرواح

يعتمد نورس إضافة إلى تعقب حركة الطيران في سماء مدينة إدلب بعينيه، على تطبيق الكتروني يحمل اسم الراصد لتعقب إشارة الطيران للاحتماء بمكان آمن، والنجاة من القصف بأقل الخسائر قدر الإمكان.

الحياة في الحديقة: معاناة اللاجئات السودانيات اليومية في القاهرة

هذ المقال المصور يركز على الحياة اليومية لمجموعة من اللاجئات السودانيات الذين عاشوا، أو ما يزلن يعيشن، أمام مبنى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. هذه الصور تتبع حياتهم اليومية خلال العمل ورعايتهم لأطفالهم والتجول في القاهرة.