شراكة مطلوبة بين العام الخاص في تونس من أجل محاربة الإرهاب

أفراد من قوات مكافحة الارهاب التونسية. صورة من رويترز.

في يوم 27 مايو/آيار هاجمت مجموعة من المعتدين المسلحين – مكونة من خمسة عشر رجلاَ مقنعا – بيت وزير الداخلية التونسي لطفي بن جدو، وقع ذلك الحادث على بعد أمتار من مقر مركز الحرس الوطني الاقليمي، والمتهمون هم أعضاء في كتيبة عقبة بن نافع المتمركزة في جبال القصرين، وهذه المجموعة مرتبطة بالجماعة الجزائرية وتنظيم القاعدة في المغرب الاسلامي، هذا الهجوم يشير إلى خلل بنيوي في هيكل جهاز المخابرات، وهو الخلل الذي تحتاج تونس أن تستثمر فيه وقتاً كافياً من أجل معالجته، إذا كانت الدولة تريد ضمان السلامة العامة والإبقاء على العملية السياسية على مسارها. 

لم تصب عائلة الوزير بأي مكروه – حيث اختبأت داخل المنزل – بينما استهدف المسلحون خمسة رجال شرطة كانوا مكلفين بتأمين المنزل، حيث تم قتل أربعة جنود وأُصيب الخامس، وقد أستمر الهجوم لمدة 30 دقيقة، دون وصول أي دعم من قوات الأمن، والمقاومة الوحيدة التي حاولت صد هذا الهجوم جاءت من الأهالي المقيمين في المنطقة، الذين كانوا يصرخون ويلقون عليهم بالحجارة، حاول الأهالي بصورة متكررة الاتصال بالشرطة، من أجل طلب المساعدة والطمأنينة، ولكن محاولاتهم لم تنجح في خلق رد فعل في الوقت المناسب.

 عمقّ هذا الهجوم من الفجوة بين الجمهور وقوات الأمن، ودعّم أيضاً من الاعتقاد بأن قوات الشرطة لا تستطيع حماية المواطنين من الخطر، كما أثار هذا الهجوم الشكوك حول مدى امتلاك الأمن التونسي للقدرة على مواجهة خطر الإرهابيين، هذه الشكوك بدأت في الظهور بعد سقوط نظام بن علي، عندما اكتشف العامة أن كفاءة وفاعلية قوات الأمن التونسية كانت عبارة عن مغالطة كبيرة،  ساهمت في اذكائها الإشاعات والدعاية (حيث يقف عدد قوات الأمن التونسية عند رقم الـ 50 ألف عنصر بينما كان الرقم السابق يُعتقد أنه كان يزيد عن الـ 120 ألف عنصر)، بالإضافة إلى ذلك فإن كفاءة هذه القوات قد أصبحت محلل شكوك منذ أن صار خداع هذه المؤسسة واضحاً للعيان.

قبل اندلاع الثورة اعتمدت وزارة الداخلية بصورة مكثفة على البوليس السياسي في حربها ضد الإرهاب، وكان البوليس السياسي يتكون من شبكة مختلطة من الضباط والجواسيس داخل وخارج الحكومة، وكانت تعمل هذه الشبكة على جمع المعلومات عن أي خطر محتمل ضد النظام، وقد كانت هذه الشبكة تعمل بمساعدة مجموعة منتشرة على نطاق واسع من المخبرين وأعضاء الحزب السياسي لـ بن علي – حزب التجمع الدستوري الديمقراطي، بعد الثورة وحل حزب التجمع الدستوري الديمقراطي فقدت وزارة الداخلية مصدرها الأساسي في جمع المعلومات. 

في شهر فبراير/شباط من عام 2011 أعلن وزير الخارجية التونسي – المعين بعد سقوط نظام بن علي – عن حل البوليس السياسي، من خلال وقف نشاط مديرية أمن الدولة، وهذا القرار لم يحلو للكثير من الخبراء الأمنيين الذين رأوه بمثابة خطأ، حيث ضمنت مديرية أمن الدولة وجود منظومة مخابراتية متكاملة ومبسطة، والتي بدونها تصبح المنظومة بأكملها بلا فائدة، ونتيجة لهذا الأمر فشلت شبكة المخابرات الضعيفة في وقف عدد من الهجمات الارهابية الخطيرة وعالية المستوى، وكان أكثرها يتضمن الاغتيال السياسي للنائب محمد البراهمي في يوم 25 يوليو/تموز 2013، على الرغم من تحذيرات وكالة المخابرات المركزية في 14 يوليو/تموز من احتمال وقوع محاولة اغتيال.

يمكن اعتبار الذين هاجموا الوزير – وهم يحملون الجنسية التونسية والجزائرية واستخدموا أسلحة مهربة من ليبيا – بمثابة تذكير أخر بالطبيعة العابرة للحدود لتهديد الإرهاب، ويعتقد الخبراء الأمنيون أن قادة المجموعة الإرهابية تقابلوا ونسقوا مع بعضهم البعض في مدينة درنه في ليبيا، وقاموا باتباع توجيهات قائد تنظيم القاعدة أيمن الظواهري، ومما لا شك فيه أن المجموعات الإرهابية في المنطقة تتعاون وتتواصل مع بعضها البعض، وتعمل بطريقة عابرة للحدود، مما يجعل الأمر صعباً بالنسبة للحكومات فيما يتعلق بمحاربة هذا الخطر، فقد تنامى هذا الخطر نتيجة لتصاعد التوتر بين دول الشمال الافريقي المتجاورة بعد اندلاع الربيع العربي، الأمر الذي أدى إلى تعاون عند حده الأدنى بين هذه الحكومات المتجاورة، ومشاركة ضعيفة للمعلومات الأمنية فيما بينها. 

وبوضع عدم قدرة الحكومة التونسية على محاربة الإرهاب بمفردها في الاعتبار، فإن الشركاء الدوليين – مثل الولايات المتحدة الأمريكية – تدخلوا من أجل تنفيذ مشروعات تهدف إلى تعزيز قدرة قطاع الأمن التونسي، ويمكن ملاحظة أن هناك  تفضيلاً قوياً بين المانحين الدوليين لبرامج التدريب والتزويد بالمعدات، والتركيز على قضايا ضبط الحدود والاستخبارات وتزويد الدولة بالمعدات المطلوبة لوحدات مكافحة الإرهاب التابعة لوزارة الداخلية، إلا أنه حتى الآن لم يقم أياً من المانحين بالتركيز على تحسين منظومة الحكم داخل قطاع الأمن، خاصة هيكله وطريقة الإدارة داخل القطاع وطريقة عمله.

إن طريقة إدارة مناسبة داخل قطاع الأمن وقوات أمن قادرة على العمل لصالح الشعب وليس لصالح النظام، يمكن أن تكون أكثر فاعلية في مواجهة الإرهاب، وبدون تعاون متقدم على المستوى الإقليمي، وتوفير المعدات الحديثة والتدريب المتكامل لكل مكونات القطاع الأمني، سوف تستمر معاناة تونس من هفوات قاتلة يمكن أن تهز ثقة العامة في الدولة كمؤسسة، وعلى العكس من الاعتقاد في أن إصلاح القطاع الأمني هو عبارة عن مباراة صفرية – حيث تأتي الإصلاحات الديمقراطية على حساب فاعلية المنظومة في مواجهة الإرهاب – فإن الإصلاح المتزامن مع المحاسبة يمكن في الحقيقة أن يعزز من علاقة المواطن بالدولة، ويصبح كل منهما رصيداً للأخر، إن هذه المنظومة يمكن أن تجنب الدولة حدوث ردود أفعال مباشرة محتملة من جانب المتطرفين ضد الدولة القمعية، كما ستتمكن هذه المنظومة من تحسين عملية الحصول على المعلومات، التي يمكن أن يقدمها العامة من أجل تحسين قدران المنظومة الاستخباراتية. 

يجب على المانحين الدوليين أن يوفروا أي دعم مادي مطلوب، من أجل مواجهة خطر الإرهاب في شمال أفريقيا، ولكن عليهم ألا ينسوا الحاجة الماسة للمساعدة في بناء الروابط بين مجموعات المجتمع المدني ووزارة الداخلية، ولكي تستطيع الإصلاحات الرئيسية في قطاع الأمن من تحقيق فاعلية في المؤسسات الأمنية، وفي الشراكة مع العامة ومحاربة الجريمة وغيرها من التهديدات العابرة للحدود، فإن إعادة تعريف هذه العلاقة بين المواطنين والدولة هو حاجة ملحة.

Read it in English

باسم بوقره

هو باحث غير مقيم مع مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط، حيث تركز اهتماماته البحثية على المجتمع المدني وإصلاح القطاع الأمني.