العمليات المشتركة في سوريا

في تقريره الجديد “العمليات المشتركة في سوريا: الدروس المستفادة والطريق للأمام” يدرس كبير الباحثين في المركز آرون ستاين التحديات التي تواجه بناء وتشكيل قوات مشتركة في سوريا لهزيمة داعش وإعادة الاستقرار في المناطق المحررة، في ظل تحديات مرتبطة بعلاقة الولايات المتحدة مع لاعبين مهمين على الساحة السورية، خاصة تركيا التي تعتبر حليف استراتيجي للولايات المتحدة، ولكن لها مصالح قد تتعارض مع النهج الأمريكي في إدارة الصراع هناك.

فيما يلي الملخص التنفيذي للتقرير وأهم النتائج التي توصل إليها

في أكتوبر 2015، أعلن الرئيس باراك أوباما إرساله عشرات من قوات العمليات الخاصة لسوريا للبدء في الاستعدادات لاستعادة الأراضي من تنظيم داعش. جاء القرار بعد ما يقرب من عامين من طلب قدمته القيادة المركزية للقيادة المركزية للعمليات الخاصة فيما يتعلق بخيارات تنفيذ حملة عسكرية غير تقليدية في سوريا، للمساعدة في التأمين ضد المواقع المشتبه بأنها مواقع للأسلحة الكيماوية، ومواجهة عدم الاستقرار المتنامي. في الوقت الحالي، فإن الولايات المتحدة ملتزمة باستخدام نهج “عن طريق، مع، ومن خلال” لهزيمة تنظيم داعش. من أجل تحقيق ذلك، فإن قوات العمليات الخاصة قامت بمشاركة القوات المحلية لاستعادة الأراضي من الجماعات الإرهابية. جاءت نتائج الحملة العسكرية مبهرة. بدأ الهجوم على آخر معاقل داعش الكبرى في الرقة، في مايو/آيار الماضي، كما أن القوات الحليفة للولايات المتحدة متيقنة من السيطرة على المدينة في الوقت المحدد.

اختلفت خبرات الولايات المتحدة مع القوات الحليفة المحلية باختلاف الأماكن في سوريا؛ يحدد هذا التقرير بصورة تفصيلية مجموعتين من الجهود في سبيل تحقيق أهداف الولايات المتحدة – مع العناصر المتدربة في تركيا، كجزء من برنامج التدريب والإعداد، وعبر القوات سوريا الديمقراطية، وهي القوات المحلية المسيطرة في شمال شرق سوريا. بينما فشل برنامج التدريب والإعداد في تحقيق أهدافه، حققت القوات سوريا الديمقراطية نجاحا تكتيكيا. إلا أن النجاح العسكري خلق مشاكل سياسية أوسع مع تركيا، وهي حليف رئيسي للولايات المتحدة، ولاعب خارجي أساسي في شمال سوريا. إن النتائج المختلفة جعلت من البرنامجين محل دراسة عميقة. يتأسس هذا التقرير على سلسلة من المقابلات مع مسئولين أمريكيين، ويقدم عدد من الدروس المستفادة لصناع القرار في الولايات المتحدة.

  • الحرب الأهلية السورية معقدة وتركيز مهمة القوات الأمريكية على القتال ضد داعش، دون الإطاحة بالنظام السوري. شكلت هذه الآلية تحديا عقيديا لتعريف الحرب غير التقليدية، مما نتج عنه مصطلح التدريب والإعداد. في المقابل، فإن التركيز على داعش، أثر على نوع القوات المحلية التي يمكن للولايات المتحدة التشارك معها لتحقيق هدف إلحاق الهزيمة بالتنظيم.
  • تمت صياغة سلطات وصلاحيات الفعل العسكري بمعزل عن صياغة مفهوم للعمليات العسكرية، وبدون فهم للقوات المؤهلة للتدريب الأمريكي.
  • كانت النتيجة تحديد أهداف مبالغة في الطموحات فيما يتعلق بالقوات ذات الأغلبية العربية المتدربة في تركيا، على أساس مفهوم العمليات لم يكن قابلا للتنفيذ.
  • يعود نجاح الولايات المتحدة مع قوات سوريا الديمقراطية للدور الذي لعبته وحدات حماية الشعب، فهي ميليشيا ذات أغلبية كردية ومدربة على مستوى جيد، ولديها بنية قيادية متماسكة، ولديها قدرة على التفكير خارج الصندوق.
  • إلا أن القوات ذات الأغلبية الكردية، تتصل بجماعة صنفتها الولايات المتحدة على قائمة الإرهاب، وهي الآن متورطة في أعمال تمرد في تركيا حليفة في حلف شمال الأطلنطي.
  • الضرورة التكتيكية لمشاركة قوات سوريا الديمقراطية في قتال داعش تسببت في إضعاف العلاقات مع تركيا، مما أثر على عناصر أوسع فيما يتعلق بالسياسة الخارجية الأمريكية.

الخطوات القادمة والتحديات المستقبلية

إن نتائج معركة الرقة ليست موضع شك؛ لدى الولايات المتحدة هيمنة متصاعدة في قتال داعش، ومع وجود الوسائل لزيادة انخراطها في القتال فإن أهمية دور قوات سوريا الديمقراطية قد انخفضت. إلا أن التعارض الأساسي بين جهود الولايات المتحدة الحربية وتركيا سيستمر حتى بعد سقوط الرقة، حين يبدأ الجدل حول إحلال الاستقرار وإعادة البناء عقب انتهاء الصراع. ربما تجد الولايات المتحدة أن سقوط الرقة لن يقلل من اعتمادها على قوات شريكة مثيرة للجدل من أجل إزالة الحاجة لوجود الولايات المتحدة الدائم في المنطقة.

عمل تنظيم داعش وأسلافه، في وادي نهر الفرات على مدار عقد، حيث أداروا شبكات سرية للاحتفاظ بشبكات التهريب من وإلى العراق. ولاستمرار الضغط على التنظيم عقب هزيمته على الأرض، يمكن للولايات المتحدة مواجهة قرار مشابه مثل الذي اتخذته في منبج والرقة: وهو الاستمرار في التحالف مع شريك متواجد (قوات سوريا الديمقراطية) بالرغم من تأثير ذلك على العلاقات الأمريكية التركية. هذا الخيار قد يكون هو الأكثر ملائمة فيما يتعلق بهذا الهدف المحدود، فقوات سوريا الديمقراطية لديها امتياز في المجال اللوجيستي وفيما يتعلق بالقوة العسكرية أكثر من أي بديل محتمل في المنطقة. نظرياً، وبدعم من الولايات المتحدة، يمكن لقوات سوريا الديمقراطية وجهازها الأمني فرض النظام ومنع عودة داعش للمناطق المحررة. يمكن توسيع العلاقات لتشمل أنشطة إعادة البناء، مما ينتج عنه وجود دائم، أو بالأحرى قوي، للولايات المتحدة في شمال شرق سوريا. إلا أن السعي خلف هذا الهدف – وهو إعادة إعمار المناطق المتضررة من الصراع بما في ذلك المناطق المتواجد فيها وحدات حماية الشعب، قد يستفز تركيا في ردة فعل تدفعها لتقويض الجهود الأمريكية العسكرية.

هذا البرنامجان يوضحان التحديات الخاصة بالاعتماد على وبناء قوات مشاركة، سواء من وجهة النظر البيروقراطية أو في إطار صراع أهلي متعدد الأوجه. التحديات الدائمة في شمال شرق سوريا تفرض الحاجة لمزيد من الفهم النافذ لقدرات القوات المتشاركة المحتملة في مناطق الصراع، وهو فهم يجب أن يتحقق قبل تمكين القوات العسكرية من السلطة. تقع هذه المهمة على كاهل القادة المدنيين والعسكريين المسئولين عن دراسة الخيارات السياسية لتوظيف القوات العسكرية في الصراع مع المتمردين، ومن ثم تنسيق السلطات القانونية مع احتياجات التكتيكات العسكرية لتحقيق الهدف، والعمل ضمن استراتيجية مشتركة.

إن نهج “مع ومن خلال” قد غير طريقة الولايات المتحدة في القتال في حروب الاختيار المحدودة، لكن آثار هذا النهج يجب أن يتم تضمينها فيما يتعلق بصناع القرار السياسي. إن نهج “عبر، مع، ومن خلال” على سبيل المثال لا تعني بالضرورة “سهل ونظيف وكفء” أو أن الأمر خال من المخاطرة فيما يتعلق بالسياسات الخارجية الأمريكية الأوسع.

بالرغم من أن صناع القرار السياسي المدنيين يجب ألا يقوموا بوضع التكتيكات، إلا أن القادة المدنيين، الحذرين من توريط أنفسهم في حروب طويلة الأمد، يحتفظون بحماسهم لنهج التدخل السريع، وهو ميل يحتاج من صناع القرار السياسي أن يوفقوا التحركات مع الأهداف. من السهل التنبؤ بالتحركات: بناء القوة المشتركة واستخدام القوة الجوية مع أعداد صغيرة من قوات العمليات الخاصة. إلا أن تجاهل التداعيات السياسية في تحديد القوات الشريكة في سوريا أدى إلى فشل برنامج التدريب والإعداد، ومع نجاح الجهود لبناء قوات سوريا الديمقراطية فإن هذا النهج قد صعد التوتر مع تركيا. أثرت التحديات السياسية على القرارات السابقة حول استخدام قوات عسكرية كجزء هام من البيئة المحيطة، بدلا من الانتظار عقب بدء القيادات الأمريكية في مهمة الإعداد لميدان المعركة في الرقة في أكتوبر/تشرين الأول 2015.

إن المشكلة التي عرضت هنا ليست مقصورة على الولايات المتحدة. الحقيقة أن تركيا تمر بالعديد من المشاكل المشابهة في منطقة سيطرتها في شمال مقاطعة حلب. إلا أن الولايات المتحدة تقبع في منتصف شبكة من الحلفاء والتي، بشكل عام، تساهم في دعم قوة الولايات المتحدة في العالم. على صناع القرار السياسي الاستفادة من الدروس التي لقنها لهم الصراع السوري، وملاحظة التحديات المفروضة من قبل الطريقة الأمريكية للحرب في حروب الاختيار. يجب التركيز بشكل أكبر على تحديد وفهم الآثار السياسية الناتجة عن التعاون مع الجماعات المتحملة قبل التنفيذ. هذا لا يعني أن الولايات المتحدة عليها بتر خطة المعركة بسبب الصعوبات السياسية المحتملة مع أحد الحلفاء (في هذه الحالة تركيا). وعوضا عن ذلك، فإن هذه التحديات المتوقعة يجب أن تحظى باهتمام فيما يتعلق بالأهداف الأوسع للسياسات الأمريكية الخارجية، لتحديد ما إذا كانت الأولوية الآنية أكثر أهمية من الأهداف بعيدة المدى. وإذا كان الأمر كذلك، فإن الولايات المتحدة يمكن أن تتخذ خطوات للتخفيف من التوتر المتوقع، بدلاً من التصرف كرد فعل للأحداث.

اشترك في نشرتنا Read Full Report

مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط

بقيادة خبراء مقيمين، يقوم مركز رفيق الحريري بدراسة قضايا حل النزاعات وإعادة الإعمار/الإصلاح الاقتصادي، والتغيرات المجتمعية.

شاهد أيضاً

أزمة المياه: كيف تم تحويلها إلى سلاح في الصراع اليمني

يظل الموقف شديد الخطورة، خاصة بالنسبة لليمن، حيث أدى تحويل المياه لسلاح إلى وصول الصراع لحالة حرجة. تقدر الأمم المتحدة أن 14 مليون نسمة، نصف سكان اليمن، يواجهون حالة ما قبل المجاعة. تعد المياه واحدة من أوجه الصراع المعقد هناك، ويظل من الصعوبة تحديد إلى مدى قد أدت إلى مزيد من العنف.

الترحيل غير الشرعي للاجئين السوريين في تركيا

مع استمرار السلطات التركية في رفض إعادة فتح مراكز استقبال الحماية المؤقتة منذ أكثر من عام في معظم الولايات الحدودية، ووقف منح الفارين من الحرب بطاقة الحماية المؤقتة التي تخول صاحبها حق البقاء والحصول على الرعاية الطبية والدراسة والمساعدات الاجتماعية، يعيش آلاف اللاجئين السوريين في تركيا هاجس الترحيل القسري بشكل دائم.

إعادة احياء محادثات السلام في اليمن: ماذا بعد؟

مع ارتفاع عدد القتلى في الحرب الأهلية في اليمن، فإن الحاجة الماسة للسلام تتناقض مع الآمال المتفرقة في عملية سلام. بعد أشهر من التأخير، أعلنت قوات الحكومة والمتمردين في يوم 19 نوفمبر/تشرين الثاني نيتهم تجميد العمليات العسكرية بصورة مؤقتة