العمليات في جيب منبج: البحث عن تقدم في الحرب ضد داعش

زاد تهديد تنظيم الدولة (داعش) لتركيا بشكل كبير في الأشهر الأخيرة، بعد زيادة في الهجمات الصاروخية على مدينة كيليس، والاستهداف المتعمد للدبابات والمدفعية التركية بالقرب من كاركاميس. وقد دفع تصاعد تهديد داعش بوزير الخارجية التركي مولود تشاووش أوغلو للتأكيد على الحاجة لإزاحة داعش من الشريط الأخير، من الأراضي التي تسيطر عليها على طول الحدود التركية والمسمى جيب منبج، غير أن الولايات المتحدة وتركيا تختلفان حول كيفية تحقيق هذا الهدف. وينبع هذا الاختلاف من تباين رأييهما بشأن استراتيجية وتركيبة القوات البرية المحلية لمحاربة داعش في هذه المنطقة.

تفضل تركيا سياسة استخدام القوات العربية المحلية، بينما تعمل الولايات المتحدة بشكل وثيق مع وحدات حماية الشعب من ميليشيا حزب الاتحاد الديمقراطي. ولكي نفهم العمل العسكري الجاري في سوريا بشكل أفضل، يجب على المرء أولاً فهم المفاهيم العملياتية التي تقوم عليها الاستراتيجية العسكرية الأمريكية الحالية. فتلك العمليات تساعد في تأطير أسباب عمل الولايات المتحدة بشكل وثيق مع حزب الاتحاد الديمقراطي ذي الأغلبية الكردية أكثر من غيره، بالرغم من التوترات التي سببتها هذه الشراكة مع تركيا حليفتها من الناتو. كما أن ذلك يساعد على توضيح أن أي إجراء لطرد داعش من جيب منبج باستخدام مقاتلين من غير وحدات حماية الشعب سيكون صعباً للغاية، إلا إذا حدث تغير في حسابات تركيا، أو أنها التزمت بتصعيد تدخلها العسكري في شمال سوريا.

النموذج الأفغاني والعراقي: جذور حملة مكافحة داعش

بدأت الولايات المتحدة ضرباتها الجوية ضد داعش بعد قطع رأس الصحفي الأمريكي ستيفن سوتلوف، واستيلاء المجموعة على مدينة الموصل العراقية، وبعد الانتصارات العسكرية اللاحقة بالقرب من اربيل وحول سامراء. في تلك العمليات القتالية يبدو أن الولايات المتحدة تستخدم تكتيكات عسكرية، كانت قد استخدمتها سابقاً لأول مرة خلال عملية الحرية الدائمة في أفغانستان في عام 2001-2002، وعملية مطرقة الفايكنج في الجبهة الشمالية للحرب التي قادتها أمريكا ضد العراق في عهد صدام حسين في عام 2003.

وقد شهدت تلك العمليات استخداماً كثيفاً لقوات العمليات الخاصة الأميركية، والتي عملت بشكل وثيق مع الميليشيات المحلية معتمدة على القوة الجوية الأمريكية، لاسترداد وامتلاك الأرض من أيدي العدو. وقد اشتمل كل فريق من فرق قوات العمليات الخاصة التي انتشرت في أفغانستان وشمال العراق على مدقّقِين قتاليين من القوات الجوية الامريكية، مكلفين بإيصال المعلومات عن الأهداف للطائرات الأميركية المكدسة في سماء ميدان المعركة على ارتفاعات مختلفة، والمستعدة لإطلاق مختلف أنواع الذخائر الموجهة بدقة. وبعملهما معا، هزم هذا المفهوم الجديد فرق الجيش العراقي وطالبان المسلحين، بشكل أفضل من المقاتلين، وهو ما يثبت قيمة قوات العمليات الخاصة وسلاح الطيران في الحروب الحديثة.

تطبق الولايات المتحدة نفس المفهوم في سوريا، وذلك باستخدام قوات العمليات الخاصة، ونشرها جنبا إلى جنب مع وحدات حماية الشعب والطائرات المتمركزة في تركيا والخليج الفارسي. معا، تمكنت قوات البشمرجة ووحدات حماية الشعب من استعادة الأراضي من داعش، وفي ذات الحين عطل القصف الأمريكي حرية حركة داعش.

اضطرابات في الجيب

هذه الاستراتيجية تعمل بشكل جيد في المناطق التي يسيطر عليها الأكراد، ولكن الوضع على الأرض في جيب منبج يستبعد إدخال قوات برية أمريكية، بسبب عداء المجموعات الناشطة في المنطقة. وقد تجلى ذلك في المشاكل المتعلقة ببرنامج التدريب والتجهيز، والذي توقف عندما هاجمت جبهة النصرة -التابعة لتنظيم القاعدة في سوريا- الفرقة 30 التي دربتها القوات الأمريكية، بعد دخول المقاتلين إلى سوريا. ورغم صمود مقاتلي الفرقة 30 وقتالهم – وهو نجاح تم تجاهله – وتمكنهم من استدعاء الضربات الجوية الأمريكية، فإن استيلاء جبهة النصرة على الأسلحة قوض الدعم السياسي للمهمة.

20160505ManbijPocket

وقد تركت جبهة النصرة تلك المنطقة من تلقاء نفسها، ولكن حليفتها مجموعة أحرار الشام لا تزال هي القوة المهيمنة في المنطقة. ترتبط أحرار الشام وتركيا بعلاقات وثيقة، وعلاوة على ذلك فإن أحرار الشام معادية لوحدات حماية الشعب من ميليشيا حزب الاتحاد الديمقراطي (والعكس بالعكس)، مما يقوض الجهود الرامية للتوصل لوقف إطلاق النار في جيب منبج، لتسهيل العمليات المشتركة لمكافحة داعش. وعلى نطاق أوسع، فإن وجود جماعات متشددة هو أحد الأسباب التي أضرت وعطلت برنامج التدريب والتجهيز. كما أن مهمة الفرقة 30 اختلفت بشكل كبير عن بقية مجموعات المتمردين العربية الفاعلة في المنطقة، حيث كانت الولايات المتحدة تدفع المجموعة إلى التركيز فقط على داعش، في حين أن الغالبية العظمى من المتمردين يرون النظام باعتباره تهديدا أكبر. هذا الاختلاف قوض المهمة منذ البداية، وأضر بمصداقية القوات التي دربتها الولايات المتحدة داخل سوريا.

المضي قدما في جيب منبج: مماهاة أهداف الولايات المتحدة مع أهداف القوات البرية

تبقى المرحلة التالية من العمليات القتالية الأمريكية في سوريا معتمدة على مماهاة الأهداف الأمريكية لأهداف البشمرجة ووحدات حماية الشعب. في حالة وحدات حماية الشعب تبرز مشكلتان للعمليات في جيب منبج، فوحدات حماية الشعب لديها مصلحة ثابتة في هزيمة داعش في مدينتي منبج وجرابلس، من أجل التحرك غرباً والربط مع منطقة عفرين الكردية المعزولة. غير أن تركيا أعلنت أن خطوة من هذا القبيل من شأنها أن تنتهك “خطاً أحمر” وبالتالي تستدعي رداً عسكرياً، لمنع وحدات حماية الشعب من توحيد سيطرتها على طول حدودها البرية تقريباً. هاتان المشكلتان المترابطتان تمثلان قضية أوسع بكثير للمرحلة المقبلة من الحرب ضد داعش في سوريا.

وقد أولت الولايات المتحدة أسبقية لقطع خطوط إمداد داعش، عبر الحدود بين العراق وسوريا. ففي شمال سوريا قطعت وحدات حماية الشعب أحد هذه الخطوط في الشدادي، في حين أحكمت مجموعة الجيش السوري الجديد العربية المدعومة من الولايات المتحدة والأردن السيطرة على الطريق السريع الذي يربط بغداد مع دمشق. ومع ذلك لا تزال داعش تحتفظ بالسيطرة على وادي نهر الفرات – وهى منطقة استعصى تاريخيا على الجيش الامريكي أن يسيطر عليها في الجانب العراقي من الحدود. وفي الوقت نفسه فإن الولايات المتحدة حريصة على طرد داعش من الرقة. تعتمد هذه العملية على إغلاق جيب منبج، وحرمان داعش من القدرة على تطويق القوات الصديقة من الشرق.

يمكن للعمليات المستقبلية قرب الرقة وبمحاذاة الحدود السورية العراقية أن تستغل قوات العمليات الخاصة العربية التي تعمل بنفس الطريقة التي يعمل بها نظرائهم في الولايات المتحدة. هذه القوات يمكن أن تساعد في استمالة مشاركة أكبر من القبائل العربية، والسماح لوحدات حماية الشعب لتكون بمثابة قوة حجب شمال الرقة ومن معاقلهم في الجزيرة. كما يمكن لقوات العمليات الخاصة العربية تحديد مجموعات تشاطر الولايات المتحدة أهدافها وبالتالي تعظيم فوائد القوة الجوية الأمريكية.

غير أن هذا لا ينطبق على جيب منبج. فالمجموعات العربية المهيمنة في المنطقة غير متوحدة، ولديها هيكل قيادة مشروخ – وبالتالي فإنها تعاني في تنسيق الهجمات على أرض المعركة. علاوة على ذلك فلا يمكن تصور أن تعمل الولايات المتحدة مع المجموعة الأكثر هيمنة في المنطقة، وهى أحرار الشام، بسبب صلاتها بجبهة النصرة. وقد استخدم النظام السوري وحلفائه الروس أيضا القوة الجوية لعرقلة عمليات المتمردين في مناطق أخرى في سوريا، مما اضطر هذه المجموعات لنقل قواتها للدفاع عن جبهات أخرى في إدلب.

هناك حافز فوري للولايات المتحدة وتركيا لدعم وقف النيران، وذلك للحد من العمليات الجوية للنظام في جميع أنحاء البلاد ولتمكين العمليات الهجومية في جيب منبج. هذا من شأنه أن يسمح للمجموعات في جيب منبج بالتركيز على داعش بدلا من تحريك القوات والعتاد للدفاع عن جبهات مختلفة مع النظام. ولمعالجة مسألة القيادة والسيطرة يمكن لتركيا نشر قوات العمليات الخاصة بها مع حلفائها من الجماعات المتمردة، بحيث يمكن لقوات العمليات الخاصة التركية تمرير المعلومات إلى التحالف للمساعدة في الحملة الجوية في المنطقة، خاصة أن قوات العمليات الخاصة التركية ينظر إليها بإكبار من قبل نظرائهم الأميركيين، كما أن الجيشين عملا معا لاستهداف حزب العمال الكردستاني، وذلك باستخدام الطائرات بدون طيار، حيث تم تشاطر المعلومات في خلية استخبارية أمريكية تركية في أنقرة.

يمكن في المقابل تعزيز هذه القوات من خلال تنشيط جزئي لبرنامج التدريب والتجهيز، والذي يهدف لتدريب عدد صغير من المقاتلين، للقيام بنقل هذه الإحداثيات إلى فرق الاستهداف الأمريكية، بحيث يطابق هذا البرنامج جهود الولايات المتحدة مع وحدات حماية الشعب، وبالتالي يساعد على جعل القوات غير الكردية في جيب منبج أكثر فعالية.

ويتطلب هذا النهج تواجداً أكبر لقوات العمليات الخاصة للتحالف في منبج، بالتوازي مع حملة منسقة لمنع اندلاع القتال بين وحدات حماية الشعب من ميليشيا حزب الاتحاد الديمقراطي والمتمردين المدعومين من تركيا في المنطقة. إذ أن التوتر بين هاتين المجموعتين يعيق الحملة ضد داعش، وبالتالي لابد من معالجته كجزء من الجهود الرامية إلى استرجاع الرقة. يمكن لتركيا والولايات المتحدة أن تتفقا على لائحة مشتركة من الجماعات لدعمها، غير أنه ينبغي على تركيا أن تفكر أيضا في تجاوز تسليح هذه المجموعات فقط، والبحث في تضمين قوات العمليات الخاصة معهم. في هذا السيناريو لن يتوجب على وحدات حماية الشعب والجماعات العربية المعادية الانضمام لبعضهما البعض، ولكن ببساطة أن تحافظا على وقف بارد لإطلاق النار. وعلى المدى الطويل يمكن للجماعات العربية أن تتنازل وتمنح وحدات حماية الشعب حرية الحركة من خلال ممر مخصص إلى عفرين بما يقلل حافز وحدات حماية الشعب للقتال من أجل كسب الأرض.

تمنع التفاعلات في جيب منبج نوعية الحملات العسكرية المشابهة لما تقوم به الولايات المتحدة حاليا بالتنسيق مع وحدات حماية الشعب والبشمرجة. يمكن لتركيا أن تلعب دورا أكبر مستقبلاً، ولكن يجب أن تكون مستعدة لاستخدام قواتها البرية لتحقيق مصالحها في سوريا. وبدون هذا النوع من التغيير، فإن الأحداث في سوريا ستتطلب في نهاية المطاف إغلاق جيب منبج. وحدات حماية الشعب مستعدة للقيام بذلك، وبالتالي يمكن الاعتماد عليها لمحاربة داعش. غير أنه لا يزال هناك مجال للحلول الوسط والعمل المشترك، ولكن الخيارات تضيق – وربما يتوجب على تركيا التصعيد لتحقيق أهدافها العسكرية.

Read in English

آرون ستاين

كبير باحثين مع مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط، حيث تركز اهتماماته البحثية على العلاقات الأمريكية-التركية.