العيش على حافة الحياة: اللاجئون السوريون في دول الجوار العربي

تفاقمت أزمة اللجوء والنزوح في المنطقة العربية، وخاصة اللجوء السوري مع دخول الأزمة عامها السادس. تختلف أرقام اللاجئين والنازحين نتيجة تغير خريطة الصراع بصفة شبه يومية. ولذا فالأرقام التي تعبر عن وجودهم ومناطق انتشارهم والمناطق التي وفدوا منها ما هي إلا أرقام تقريبية. لجأ نحو 4.5 مليون سوري الي دول الجوار، منهم حوالي مليونان ونصف في تركيا وحوالي مليون في لبنان ونحو 635 ألفا في الأردن، فيما لجأ حوالي 118 ألفا في مصر، أما العراق فقد لجأ إليها نحو 245 ألف سوري. وعلى إثر موجات الهجرة غير الشرعية الي أوروبا عبر البحر، انخفض مجمل عدد اللاجئين خاصة من السوريين في كل من لبنان ومصر والاردن، لكي يزيد بتركيا إما رغبة بالعبور الي أوروبا عبر الجزر اليونانية، وإما بسبب تجدد الصراع والقصف الجوي على الحدود التركية السورية مما أدى لتنامي موجة اللجوء.

رحلة البحث عن إقامة

وبخلاف تضارب الأرقام أو تطورها، فإن الوضع الذي يعايشه اللاجئون والنازحون يبقى كما هو، حيث يعاني اللاجئون السوريون من هشاشة وضعهم القانوني بالبلدان العربية، بسبب عدم توقيع هذا البلدان، باستثناء مصر على الاتفاقية الضامنة لحقوق اللاجئين لعام 1951. ومن ثم يصبح وضعهم محل اتفاق بين المفوضية السامية لشؤون اللاجئين وبين حكومات الدول المضيفة. 

وقد تطور وضع اللاجئين بحسب تتطور مواقف الحكومات اللبنانية والاردنية والمصرية والعراقية. ففي بداية تعقيد الأزمة السورية في 2012، كان دخول السوريين الي هذه البلدان سلسا للغاية، ولا يستدعي أية تأشيرات أو اشتراطات. لكن مع تصاعد الصراع وتزايد معدل تدفق اللاجئين، بدأت دول الجوار العربي في وضع اشتراطات تخفف من قدوم السوريين إليها. ففي لبنان مثلا مُنع السوريون من دخول لبنان إلا لأغراض الدراسة أو العلاج أو السفر للخارج أو عقد مقابلات السفارات أو باشتراط ما يثبت حيازتهم لمبالغ مالية تكفي مدة إقامتهم، وإلا اضطروا الي اللجوء الي كفيل لبناني ليكفلهم. أما اللاجئين الفعليين في لبنان، فلابد لهم من تجديد إقامتهم بدفع رسوم سنوية تصل الي 200 دولار عن كل من تخطي عمر الخامسة عشر. وفي مصر لابد للسوريين من استخراج إقامات لمدة ثلاثة أو ستة أشهر قابلة للتجديد، فيما تمتع الأسر التي ألحقت أبنائها بالمدارس المصرية بإقامة سنوية. ورغم عدم فرض تكاليف باهظة لاستخراج الإقامات النظامية، يعاني السوريون في مصر من صعوبة وتأخر استخراج الاقامات، ومن ثم اضطرارهم لدفع غرامات تأخير. فاستخراج الإقامة قد يستغرق شهرين، وهي بالأساس سارية لثلاثة أشهر، ومن ثم يضطر اللاجئ حال استلامها إلى البدء في إجراءات تجديدها.

pic 3ولعل مشكلة الإقامات هي أبرز ما يؤرق السوري في الدول العربية، حيث تتوقف أغلب سبل الحياة دون أوراق إقامة نظامية. فالسوري في لبنان لا يملك 200 دولار لتجديد اقامته وإن حاذها لن ينفقها كرسوم بل سينفقها في توفير الغذاء أو إيجار السكن. كما أنه مضطر للبحث عن كفيل لبناني لن يتوانى هو الآخر عن طلب المال لإثباته ككفيل للاجئ السوري. ويتفاقم الأمر بالنسبة للنساء، فالرجل دون إقامة سارية في لبنان لن يخرج للعمل خوفا من اعتقاله، فتخرج المرأة بدلا منه للعمل والانفاق على الأسرة، مما يضاعف من فرص تعرضها للاستغلال. فيما يقع السوريون باستمرار تحت تهديد المداهمات الأمنية التي تستهدف فاقدي أوراق الإقامة النظامية. 

أما الأردن فقد منع دخول السوريين عبر الحدود منذ مطلع 2016، مما أدى لتكدس الآلاف على الحدود المشتركة. حيث سمحت حكومة الاردن بمرور من 50 الي 100 سوري فقط يوميا، مع إعطاء الأولوية للأطفال غير المصحوبين بذويهم والنساء والمرضى وكبار السن، فيما منعت دخول الرجال فرادى أو القادمين من مناطق سيطرة داعش أو الفاقدين للأوراق الثبوتية أو من كانوا لاجئين سابقا بالأردن ثم عادوا الي سوريا طواعية. وهكذا فقد خلـّف حاجز تأشيرات دخول السوريين الي دول الجوار العربي مشكلة الأسر المشتتة بين أكثر من بلد وحرم مئات الآلاف من السوريين من حق لم الشمل.   

السكن في العراء أو الاستغلال

أما السكن فيعد معضلة اللجوء الحقيقية، فبعض البلدان اختارت إقامة مخيمات نظامية مثل الأردن والعراق، فيما اختارت دول أخرى كلبنان ومصر عدم إقامة مخيمات نظامية وتركت الأمر للاجئين لتدبير سكنهم. ولكلا الاختيارين مساوئ وايجابيات، فالمخيم يقع تحت إدارة الدولة المضيفة بالتعاون مع مفوضية اللاجئين ويُقيد دخول وخروج اللاجئين منه، مما يعزلهم عن المجتمع المضيف ويجعلهم شبه مسجونين. وبالتالي لا يتمكنون من العمل خارج المخيم لتحسين وضعهم أو تعويض ما يفقدونه من خدمات داخله. كما أن حجم المخيم وكثافته السكانية العالية قد يخلق مشكلة التكدس على الخدمات ويجعلها غير كافية للجميع. وهو ما ينطبق مثلا على مخيم الزعتري الذي يضم حاليا حوالي 84 ألف نسمة، وبالتالي يعتبر مدينة صغيرة ولكنه يعاني من غياب المواصلات الداخلية والانقطاع المستمر للكهرباء، باستثناء ست ساعات يوميا فقط. كما أن السكن داخل المخيم سواء داخل خيام قماشية أو كرافانات معدنية أو نصف بناء يظل مؤرقا للاجئين لأنه لا يحميهم بشكل كاف من تغيرات الطقس سواء كان حارا أو صقيعا. ومن ثم يقيم نحو 10% من السوريين بالأردن في المخيمات، فيما يرتفع هذا العدد الي 40% في مخيمات العراق، وتفضل الأغلبية العظمى الإقامة خارج المخيمات، باستئجار مسكن ضمن المدن، وإن كان مشتركا مع عائلات أخرى.

pic 5وعلى العكس من ذلك، في لبنان ومصر، يتدبر السوريون أمر مسكنهم بأنفسهم، ففي لبنان قد يُقيم السوريون مخيمات غير نظامية فيفترشون العراء وينصبون خيام من قماش أو خشب، ويدفعون لمالك الأرض إيجار لقطعة الأرض التي نُصبت عليها الخيمة. وهنا يقع السوريون في دوامة الديون، فحوالي 80% من السوريون بلبنان مدينون بسبب الايجارات المرتفعة، مما يوقعهم في دائرة الاستغلال من المؤجر، فيجبرهم على العمل لديه بالسخرة مقابل عدم الطرد من السكن. وتعاني النساء بصورة كبيرة من هذه الوضعية، حيث يتعرضون لمحاولات التحرش أو الاستغلال الجنسي. أما في مصر فيلجا السوريون للسكن بالضواحي والأحياء النائية، مما يهدد أمنهم وسلامتهم، بسبب غياب الأمن عن هذه المناطق ووقوعها تحت سيطرة البلطجية.

الغذاء غير متوفر 

يُضاف الي ذلك تناقص المساعدات الغذائية التي كان يعتمد عليها السوريون بصفة أساسية، ويتم صرفها من مفوضية اللاجئين. ولكن مع تفاقم أزمة اللجوء وتناقص المساعدات الدولية المخصصة لها، اضطرت المفوضية لشطب الآلاف من الأسر من بطاقات الغذاء. مما أضاف الي أسباب الفقر والحرمان لدى هذه الأسر، ودفع الكثيرين منهم لإرسال أطفالهم الذكور للعمل، فضلا عن التزويج المبكر لأطفالهم الإناث. وهو ما حرم هؤلاء الأطفال من فرص التعليم، بما يهدد مستقبل الجيل القادم بالجهل، ومن ثم السقوط في المزيد من الصراعات، بينما يعرض ذلك الأطفال للعنف والاستغلال بكافة صوره وأشكاله. ولعل مشكلة شطب البطاقات الغذائية التي تم التوسع في تنفيذها منذ صيف 2015 كانت من أهم الأسباب التي دفعت باللاجئين للإقبال على الهجرة غير الشرعية إلى أوروبا، نظراً لانعدام كافة أسباب الرزق عنهم في الدول العربية. خاصة أن سوق العمل ليس مفتوحا أمامهم، فاللاجئ لا يحق له قانونا العمل في الدول العربية المضيفة، وإذا ما اتضح أنه يعمل قد يفقد المساعدات التي يحصل عليها من المفوضية.

ومن جهة ثانية، تخضع أغلب المهن بالدول المضيفة للحماية، وبالتالي فالسوري لا يستطيع العمل في نفس مجال تخصصه. ولذا قد نجد الطبيب الذي يعمل كنادل، أو المهندس الذي يعمل كعامل وهكذا. ولذا فالمتوفر هو العمل المرهق ذي الأجر الزهيد، الذي لا يتناسب مع الخبرات السابقة أو الشهادات العلمية.

جيل غير متعلم بلا مستقبل

pic 2أما انقطاع أطفال السوريين عن التعليم فيعد من أهم المخاطر على مستقبل الجيل القادم، حيث انقطع العديد منهم عن التعليم لثلاث سنوات أو أكثر. في مصر يتم تسجيل الأطفال السوريين بالمدارس المصرية بحسب طاقة استيعاب كل مدرسة، ومن ثم كانت مصر من أعلى نسب الانخراط في التعليم للسوريين. ولكن هذه النسب قد تكون خادعة لسببين، الأول هو حاجة الأسر لتسجيل ابنائهم بالمدارس للحصول على الإقامة. وثانيا بسبب عدم مداومة الأطفال ضمن المدارس المصرية وإنما يذهبون للدوام بمركز تعليمي سوري يتلقون فيه المناهج المصرية ولكن عبر معلمين سوريين، ثم يتقدمون للامتحانات ضمن المدارس المصرية المسجلين بها. ورغم أهمية هذه التجربة في انقاذ الأطفال من التسرب من التعليم، إلا أن المراكز التعليمية السورية ليست مرخصة وقد يقع عليها تهديد الغلق بأي وقت. 

أما في لبنان، فمشكلة التعليم أكبر، نظراً لضعف قدرات المدارس الحكومية عن استيعاب الأعداد الكبيرة للسوريين، وحتى عندما تم قبول بعضهم بدوام مسائي، ظهرت مشكلة اختلاف المناهج كعقبة لإكمال تعليمهم. فالمناهج اللبنانية يتم تدريسها باللغة الفرنسية، والسوريين لم يدرسوا الفرنسية من قبل. وهنا تطوعت بعض المدارس بالتعاون مع منظمات الدعم الدولي لتعريب المناهج وتدريسها للأطفال. مما انعكس ايجابيا على انخراط الأطفال في المدارس التي أخذت بهذه المبادرة، ولكن وزارة التربية اللبنانية لا تعترف بهذه المناهج، ولا تمنح شهادات اجتياز المراحل التعليمية الا لمن درس وخاض الامتحانات بالفرنسية.

أما المدارس التي تديرها اليونيسيف بالمخيمات كما في الأردن والعراق، فيقبل عليها الأطفال في المرحلة الأساسية، بينما ينصرف الأكبر عمرا عن التعليم، إما للعمل أو الزواج خاصة بالنسبة للإناث أو لعدم يقينهم بالاستمرار بالتعليم لانعدام فرص التعليم الجامعي بالنسبة لهم.

اقرأ أيضاً

اقرأ أيضاً

مشكلات اللاجئين السوريين متعددة، وحلها لن يكون فقط عن طريق وقف الصراع وتوفير الأمان لهم للعودة الي ديارهم. وإنما تتحقق أيضا بمقاربة مشكلة اللجوء بنظرة مختلفة، فهي ليست عبئا خالصا على الدول العربية المضيفة، وإنما قد تحمل من الفرص

ما لا يتم النظر إليه بإيجابية. مبدأياً لابد من السماح للسوريين بالعمل ضمن تخصصاتهم، وإن كان ذلك فقط لخدمة مجتمعهم اللاجئ بالبلد المضيف. فالطبيب السوري الذي يعمل نادلا يهدر طاقته التي يحتاجها المريض السوري غير القادر على دفع تكاليف العلاج الباهظة بالمجتمع المضيف. وكذلك الحال بالنسبة للمعلمين السوريين خاصة مع تفاقم مشكلة التعليم للأطفال السوريين.

من جهة ثانية، فإن العمل ضروري ليس فقط لتعويض تناقص المساعدات الدولية مع طول أمد الأزمة، وإنما للاستثمار في الطاقات البشرية المعطلة للسوريين، والتي لابد أن تعود لتستغل يوما في إعمار سوريا عقب وقف الصراع. وهنا تأتي أهمية الاستثمار في تعليم أطفال السوريين وتوجيه الدعم المضاعف لهذه المسألة، والاقتراب منها بطرق غير تقليدية، كالتعليم عن بعد وتوجيه المنح الجامعية لهم أو صرف مساعدات إضافية للأسر التي ترسل أبنائها وبناتها للمدارس. وأخيرا يجب النظر الي التعليم باعتباره الصخرة التي ستنكسر عندها دورة العنف والتطرف، ودون تعليم قد تغرق الأجيال القادمة في صراعات ممتدة لا تضاهي الصراع الحالي بل تتخطاه. 

يستند هذا المقال على تقرير أعدته الكاتبة لمنظمة المرأة العربية بعنوان “أوضاع اللاجئات والنازحات بالمنطقة العربية: المرأة في خضم الصراع 2016” وقد استند التقرير إلى عمل ميداني شمل زيارات لمخيمات وتجمعات اللجوء في كل من لبنان والأردن والعراق ومصر، وقد تم عقد مقابلات مع نحو 300 لاجئة منهن 188 سورية. يمكن التواصل مع الكاتبة عبر البريد الاليكتروني:  rabha_allam@aucegypt.edu  

اقرأ التقرير كاملاً

رابحة سيف علام

باحثة في مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية.

إشترك في النشرة البريدية

سيصلك أحدث مقالات مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط