معوقات أمام حملة قوات سوريا الديمقراطية لتحرير الرقة

أعلنت قوات سوريا الديمقراطية عن حملة عسكرية ضد تنظيم داعش أواخر شهر مايو/أيار المنصرم بهدف السيطرة على الريف الشمالي للرقة، وطُرح السؤال عن نية هذه القوات وإمكانياتها في الاتجاه إلى الرقة والقضاء على التنظيم فيها. وقد برزت معارضة واضحة لهذه الخطوة صدرت عن المعارضة السورية بشقيها العربي والكردي على السواء، كل طرف حسب رؤيته التي تختلف عن رؤية الطرف الآخر. ورغم أن مسألة قتال داعش ليست شيئاً خلافياً بحد ذاته بين معظم القوى المعترضة على هذه الخطوة، إلا أنّ حساسيّة الخطوة التي تقدم عليها قوات سوريا الديمقراطية أثارت مخاوف كثيرة لدى هذه الأطراف.

أولى هذه المخاوف، أن الجزء الأكبر من قوات سوريا الديمقراطية يتشكل من أغلبية كردية، ومن ثم هناك خشية من تصوير الجماعات المتطرفة لهذه الحملة وهدفها بإسقاط داعش كحرب ضد الإسلام لاجتذاب المزيد من الأنصار لرايتها، خصوصا اذا كان من قام بهذه الخطوة هم الأكراد متمثلين في قوات سوريا الديمقراطية، وبدعم دولي. على سبيل المثال ما تزال تعتبر بعض التنظيمات، مثل القاعدة، إسقاط الدولة العثمانية حربا ضد إسلام، وما زالت تشير إليها في خطاباتها، كما فعل أيمن الظواهري في خطابه “صنم الوحدة والوطنية” عندما شبه تعاون الجيش الباكستاني مع الأمريكان بالخدمة “التي قدمتها قوات الشريف حسين صاحب الثورة العربية الذي طعن الدولة العثمانية في ظهرها من أجل انتصار بريطانيا الصليبية.”

وفي هذا السياق، سيكون موقف بعض الفصائل معقدا بشأن هذه الحملة العسكرية ضد تنظيم داعش، مثل حركات احرار الشام، التي قالت عن داعش، “تبين أن إقدام المجاهد على قتال تلك الفئة ما هو إلا واجب شرعي،” ولكن في نفس الوقت في فيلم وثائقي بعنوان أحرار الشام أذاعته  قناة الجزيرة، يقول محمود طيبة، المفتي العام للحركة، أن بعض عناصرهم لا يستطيعون القتال ضدّ من يرفع الراية الإسلاميّة، ممّن يسميهم الإسلاميون “إخوة المنهج”، ويضيف هاشم الشيخ، القائد العام السابق للحركة أنّ “جُلّ الإخوان ترك سلاحه وذهب تبرّعاً عن الخوض في دماء المسلمين.” 

وفي سياق متصل، فإن المغامرة بالتوجه نحو الرقة بقوات تتشكل في معظمها (في شرق الفرات خصوصاً) من عناصر كردية، ربما تكون مخاطرة غير مدروسة الجوانب من حيث مراعاة الحساسيات العرقية، لا سيما بعد التقارير التي نشرتها منظمات حقوقية عن انتهاكات القوات الكردية ضد سكان مدينة تل أبيض وريفها. وبعد عدة أيام من نشر أخبار أن قوات سوريا الديمقراطية تريد تحرير ريف الرقة الشمالي (ولكن بدون توضيح نية لتحرير المدينة ذاتها)، نشر الإئتلاف الوطني لقوى المعارضة بياناً، بدون ذكر اسم قوات سوريا الديمقراطية بشكل مباشر، يتحدث فيه عن “استغلال شعار محاربة الإرهاب من أجل تحقيق أهداف خاصة غير تحقيق إرادة الشعب السوري” ويصفه بأنه “مشروع احتلالي.” في نفس الوقت الذي أثار فيه ناشطون قوميون كرد تساؤلات عديدة حول جدوى توجه قوات أغلبها كردية إلى مدينة كبيرة وذات أكثرية عربية ساحقة.

ومما لا شك فيه أن مسألة تحرير الرقة تشكل مسألة عالية الرمزية في الحرب على داعش، فقد كانت أولى المدن الكبرى التي يسيطر عليها التنظيم لتصبح فيما بعد عاصمته، كما أنها كانت المحافظة الأولى التي خرجت بالكامل من سيطرة النظام لفترة وجيزة قبل أن يسيطر التنظيم عليها، وفيها حصلت أبشع المجازر بحق القوى الثورية والمدنية العاملة في المنطقة، وكذلك تعتبر جائزة مهمة بعد جهد بذلته إدارة الرئيس أوباما ضمن التحالف الدولي-العربي في سبيل تقليم أظافر داعش ووقف تمدّدها في سوريا والعراق، إلا أن هذه الرمزية المكثفة لا تعني بأي حال من الأحوال أن التنظيم سيندحر في سوريا حالما تتحرر الرقة، فداعش تملك جيبَيْن رئيسيين شمال وجنوب الرقة يمكن أن تنطلق منهما هجمات على المدينة، ويمكن أن يستخدمها التنظيم لحصارها لاحقاً، والحال أن تنظيماً بهذه الحيوية والمرونة لا يمكن القضاء عليه بإجراء رمزي مثل إسقاط الرقة.

يبقى هناك خطر احتمال قيام حروب فرعيّة بين القوات المختلفة التي تتجه إلى الرقة، فيما يسمي في الأخبار بـ “سباقا للرقة،” تجري كلها تحت شعار محاربة الإرهاب وإسقاط داعش، ويشترك في هذا السباق النظام السوري وحلفاؤه الذين تقدموا تجاه مدينة الطبقة في بداية شهر يونيو/حزيران، وقد تُضاف إليها فصائل المعارضة وجماعات متطرفة مثل جبهة النصرة التي اشتبكت مع القوات الكردية منذ بداية الحرب الأهلية. حيث تعتبر بعض عناصر جبهة النصرة والمعارضة القومية مشروع الإدارة الذاتية الكردية تهديدا لوحدة سوريا الوطنية.

إذا اندلعت تلك الحروب الفرعيّة بعد تحرير الرقّة فمن المحتمل جداً أن تكون قوات سوريا الديمقراطية صاحبة موقف ضعيف، لأنها ستكون قد استنفذت طاقتها ومواردها بشكل كبير في سبيل تحرير المدينة، خاصة وأنها تفتقر للأسلحة الثقيلة والنوعيّة التي تمكّنها من مواجهة المدرّعات والطائرات التي تملكها بعض أطراف النزاع في سوريا، بل تعتمد بشكل شبه كلّي على التحالف الدولي الذي يقتصر دوره على الحرب ضدّ داعش وقصف جبهة النصرة عدة مرات، إضافة إلى تجنب قوات التحالف استهداف النظام السوري. كل هذه الأمور سوف تترك قوات سوريا الدمقراطية منكشفة ومنغمسة في حروب فرعية. 

إضافة إلى ما سبق، لا يجب أن نتجاهل الحاجة الملحة أولاً لتحرير مناطق الشمال السوري التي يسيطر عليها تنظيم داعش، حيث أن تلك المناطق تعتبر خزاناً بشريّاً يغذّي عمليّات التجنيد التي يقوم بها التنظيم، إضافة إلى أنّ عدداً لا بأس به من عناصر وقيادات قوات سوريا الديمقراطية تنحدر من هذه المنطقة، فالناطق الرسمي باسمها، العقيد طلال سلو، كان قائداً عسكريّاً لفصيل من فصائل المعارضة في قرية الراعي، كذلك أبو ليلى (فيصل سعدون) قائد كتائب شمس الشمال، والذي يقاتل من أجل تحرير منبج مسقط رأسه، كما أنّ قسماً رئيسيّاً من العناصر العربيّة في قوات سوريا الديمقراطية يتمركز في مناطق عفرين وشمال حلب، وتفصله مناطق الشمال السوري الخاضعة لتنظيم داعش عن المساهمة الفعّالة في تحرير الرقّة.

إذاً، ما يفيد في معركة تحرير الرقّة هي مشاركة أكثر كثافة للقوات العربيّة في تلك المعركة، وصياغة خطة لحكم المدينة بعد استعادتها، لضمان حقوق السكان وتهدئة المخاوف من التطهير العرقي، إضافة إلى تقديم أسلحة ثقيلة لتطمين هذه القوات على مصيرها بعد تحرير الرقة، وتحديد خطة للدفاع عن المدينة من داعش والنظام وأي جهة متطرفة أخرى.

Read in English

داريوس الدرويش

مدني وصحفي مستقل.

إشترك في النشرة البريدية

سيصلك أحدث مقالات مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط