حملة انفر: أطفال في ساحات القتال

أطلقت جبهة النصرة في نهاية أبريل/نيسان الماضي حملة انفر في شمال سوريا، والتي يقوم عليها 300 داعية من الجبهة، وتهدف الحملة – المستمرة حتى الآن، والتي كان من المقرّر أن تكون مدتها شهراً واحداً لا أكثر، واتخذت شعاراً لها “لا تكن من القاعدين” – تجنيد 5000 آلاف نافر لمحاربة الميليشيات الشيعية، حسب وصفهم.

ولم تشترط الحملة موافقة الأهل، لأن الدفاع عن الدين والأهل فرض عين، لكنها اشترطت في الراغب بالانتساب ترك مسائل التكفير لأهل العلم، والتحرز في دماء المسلمين، حيث اعتبرها القائمون عليها استجابة لأمر شرعي، وحاجة عسكرية في آن واحد، كما جاء في بيانها. وفي سبيل تحقيق أوسع انتشار لها، تم طباعة مليون منشور وتخصيص عدة حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي، وأوضحت الحملة أن كل من سينتسب إليها سيتم إخضاعه لدورة شرعية في البداية، ثم يتم الفرز حسب الحاجة، ليتلقى تدريباته العسكرية، داعية التجار لدعمها، كونها لا تستطيع تجهيز كل من سيلتحق بها.

في المقابل وبالتزامن مع حملة انفر، أطلق نشطاء حملة “أطفال لا جنود” في مدينة ادلب وريفها، وفي ريف حلب الغربي وريف حماه الشمالي، والهدف من هذه الحملة هو التوعية ضد التحاق الأطفال بالسلاح، وتحديداً بحملة انفر؛ يتحدّث مدير الحملة عاصم زيدان عن أهمية الحملة، التي ترتبط مدتها بمدة حملة انفر، حيث تسعى لإنقاذ ما يمكن من الاطفال الملتحقين بالحملة، والذين بلغ عددهم حتى شهر يونيو\حزيران الماضي 500  طفل، أعمارهم بين الثالثة عشر والسابعة عشر، وموزعين إلى 350 طفلاً ملتحقا من المخيمات الحدودية، خاصة مخيم أطمة، و150 طفلاً التحقوا من شمال سوريا وخاصة ادلب وريفها، بحسب توثيقات الحملة، والتي تضم سوريين من داخل سوريا أو يقيمون في تركيا.

“أبوأحمد” من جبل الزاوية في محافظة ادلب، والذي يعمل حالياً نجاراً في تركيا، يحكي قصة التحاق ابنه أحمد البالغ من العمر أربعة عشر عاماً بحملة انفر؛ أبو أحمد هو والد لثلاثة ذكور وبنت واحدة، ذهبت العائلة في زيارة إلى سوريا فعلقوا هناك، ولم يستطيعوا الدخول مجددًا إلى تركيا؛ في هذه الأثناء التحق أحمد بحملة انفر على أثر “مهرجان” قامت به النصرة في بلدتهم؛ لم تعرف الوالدة ذلك في البداية، لكن سرعان ما أدركت ذلك بعد غياب أحمد، تواصل أبو أحمد مع ابن عمّه المدرّس في مدرسة الضيعة، والذي استطاع بعد أسبوع من المحاولات الحثيثة الوصول إلى أحمد ومقابلته على انفراد، والتحدّث معه عن سوء الانخراط في العمل المسلّح، وفي اللقاء نفسه، تحدّث الوالد مع ابنه عبر الهاتف، الذي حاول اقناعه بالعدول عن قراره وترك جبهة النصرة؛ من حسن حظ العائلة، أنهم استطاعوا الوصول لابنهم والتحدّث معه في المدّة الأولى لالتحاقه بالحملة، فبعد لقاءين استطاع الأب وابن عمّه شق أحمد عن الحملة. أبو أحمد اليوم يأمل في إعادة عائلته وأحمد إلى تركيا، كي يكمل أحمد تحصيله العلمي، وبذلك يتجنبون التحاقه في العمل المسلّح مجددا، كما يقول.

 في هذا العالم الذي أصبح يشهد نزاعات على امتداده، خاصة الدول الأقل نمواً ومنطقة الشرق الأوسط بشكل أساسي، فإن الأطفال دائما هم ضحايا هذه النزاعات، وفي حالات عديدة يكونون المستهدفين الرئيسيين، وبالتبعية يعانون من آثار هذه النزاعات المسلحة، والتي تؤثر عليهم بنسبة أكبر، بسبب طبيعتهم البدنية والنفسية؛ ويتخذ اشراك الأطفال في المعارك أشكالاً مختلفة، إذ يتم استخدام بعضهم مباشرة في القتال، وبعضهم في أدوار داعمة لتوزيع الأسلحة، وكطباخين وجواسيس ورسل، أو حتى لأغراض الاستغلال الجنسي، وخاصة الفتيات.

استخدمت كل الأطراف المقاتلة بدون استثناء – النظام والجيش الحر والإسلاميين في المعارضة والمليليشيات الكردية وتنظيم داعش الأطفال. وقد عُرفت جبهة النصرة في أوائل الحرب لاستخدامها الاطفال، حسب تقرير منظمة هيومان رايتس ووتش، وقد ذكر أكثر من جندي طفل سابق تفاصيل عملية تجنيدهم من جانب الجبهة؛ تعتمد النصرة على التعليم وحاجة الاطفال وعائلاتهم للمال والأكل، وأحيانا يكون الطريق أخذ الأطفال من الشوارع. ووصف ماجد طريقة تجنيده وسنه 15 عاماً، بأن عناصر النصرة كانت تمر ببيوت الناس لتأخذ الأطفال، ثم تضعهم في نوع من المعهد، حيث يتعلمون قراءة القرآن واستعمال الأسلحة الخفيفة. وقال لهيومان رايتس ووتش “علموا الأطفال قراءة القرآن، ثم دربوهم على الأسلحة، علمونا كيف نفك السلاح ونجمعه، ثم جعلوا هدفنا تعلم إطلاق النار، أمام المسجد. أي شخص يصيب الهدف يحصل على مكافأة، إذا كانت الأسرة تحتاج إلى إمدادات إضافية على سبيل المثال، تكون هذه هي المكافأة.”

أحيانًا تسّهل العائلة تجنيد أطفالهم، لأسباب مالية أو غيرها، كما حصل لعمر، الذي بدأ يتدرب لدى جبهة النصرة وعمره 14 سنةً، فقد هددته عناصر شبيحة (مليشيات موالية للنظام السوري) بسكين، بعد أن انضم لمظاهرة في سلقين في محافظة ادلب. بعد ذلك، أخذه والده، الذي كان مقاتلا لدى جبهة النصرة حينذاك، للمقر كي يلتحق بالتنظيم ويتدرب في معسكر.

تنمو لدى الجنود الأطفال مشاكل نفسية وبدنية، مثل حالات انطواء شديد، واضطرابات وجدانية وجمود وقصور في النشاط الحركي وتخلف في اللغة والمهارات الشخصية إضافة إلى صعوبات التعلم ومشاكل سلوكية مثل السرقة والكذب وعدوانية نحو الآخرين. وتشير الدراسات إلى أن هؤلاء الأطفال تبدو عليهم نظرة خوف وترقب لمن يقترب منهم من الكبار وخاصة ذويهم، وعدم الرغبة في الحديث معهم، مما يسهل على الجماعات المؤدلجة دينيا كالنصرة، السيطرة عليهم، خاصة وأنّها تستخدم وسائل من شأنها خلق شعور بفائض قوّة وسيطرة عند الطفل.

توضح هذه الأمثلة التفاعل بين جبهة النصرة، التي تحتاج إلى جنود وتريد تكريس أفكارها ومبادئها في المجتمع السوري والمدنيين، الذين يجدون أنفسهم بحاجة إلى مال ودعم اقتصادي، وإلى الحماية حين لا يكون هناك بديل عن النصرة. بدون علاج هذه الدوافع لن ننجح في إيقاف التجنيد، ما يعني أنه بدون فعل حقيقي من المجتمع الدولي لإيقاف الصراع في سوريا، لن تكون بقدرتنا حماية الأطفال والحفاظ على المستقبل.

Read in English

سارة الشيخ علي

أحد المؤسسين ومديرة منظمة Humena لحقوق الانسان والتنمية. عملت شيخ علي في منظمات دولية ومحلية في لبنان وتركيا لأكثر من ثمانية أعوام، وهى حاصلة على ماجستير في المنظمات الدولية والمنظمات غير الحكومية، وعلى شهادة في حقوق الانسان من المعهد الدولي لحقوق الانسان في ستراسبورج.

شاهد أيضاً

أزمة المياه: كيف تم تحويلها إلى سلاح في الصراع اليمني

يظل الموقف شديد الخطورة، خاصة بالنسبة لليمن، حيث أدى تحويل المياه لسلاح إلى وصول الصراع لحالة حرجة. تقدر الأمم المتحدة أن 14 مليون نسمة، نصف سكان اليمن، يواجهون حالة ما قبل المجاعة. تعد المياه واحدة من أوجه الصراع المعقد هناك، ويظل من الصعوبة تحديد إلى مدى قد أدت إلى مزيد من العنف.

الترحيل غير الشرعي للاجئين السوريين في تركيا

مع استمرار السلطات التركية في رفض إعادة فتح مراكز استقبال الحماية المؤقتة منذ أكثر من عام في معظم الولايات الحدودية، ووقف منح الفارين من الحرب بطاقة الحماية المؤقتة التي تخول صاحبها حق البقاء والحصول على الرعاية الطبية والدراسة والمساعدات الاجتماعية، يعيش آلاف اللاجئين السوريين في تركيا هاجس الترحيل القسري بشكل دائم.

إعادة احياء محادثات السلام في اليمن: ماذا بعد؟

مع ارتفاع عدد القتلى في الحرب الأهلية في اليمن، فإن الحاجة الماسة للسلام تتناقض مع الآمال المتفرقة في عملية سلام. بعد أشهر من التأخير، أعلنت قوات الحكومة والمتمردين في يوم 19 نوفمبر/تشرين الثاني نيتهم تجميد العمليات العسكرية بصورة مؤقتة

إشترك في النشرة البريدية

سيصلك أحدث مقالات مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط