معضلة جبهة النصرة في معرة النعمان

تستمر مدينة معرة النعمان بريف ادلب في ثورتها ضد النظام السوري والمجموعات المتطرفة، كجبهة النصرة ذراع تنظيم القاعدة في سوريا وفصيل جند الأقصى، وباقي المجموعات المماثلة. ويعطي الحراك في معرة النعمان ضد جبهة النصرة فكرةً عن تعقيدات موقف الجبهة في المدينة، فمن ناحية تحظى النصرة بشعبية قوية بسبب نجاحها العسكري، ومن ناحية أخرى يرفضها السكان المحليون، بسبب أيديولوجيتها المتطرفة، التي تحاول فرضها على المدينة.

تشهد معرة النعمان مظاهرات متواصلة منذ بدايات شهر مارس/آذار، فلم تهدأ التظاهرات منذ يوم الجمعة 3 مايو/آذار الماضي، حيث خرج المئات إلى الشوارع، هاتفين بالشعارات الأولى للثورة السورية، كـ “الشعب يريد إسقاط النظام،” “سوريا بدها حرية” “الله سوريا حرية وبس” وغيرها من الشعارات التي كانت سائدة في البدايات الأولى للثورة السورية. وقد شهد ذلك اليوم أحداثاً جديدة، فلم تكن قوات النظام هي من اعتدت على المتظاهرين هذه المرة، بل عناصر تابعة لجبهة النصرة، حيث قاموا بمهاجمة المتظاهرين المعارضين لنظام الأسد، وأطلقوا شعارات ضد الجيش الحر. 

ولم تردع تلك الأحداث المتظاهرين عن الاستمرار في حراكهم، ففي يوم الجمعة 11 مارس/آذار عادوا للساحات من جديد، فاقتحم مناصرون لجبهة النصرة تلك المظاهرة، وأطلقوا شعارات من قبيل، “الجيش الحر حرامي، بدنا جيش إسلامي” وغيره من الهتافات المضادة للجيش الحر في معرة النعمان، وتحديداً ضد الفرقة 13 التابعة له والمسيطرة على المدينة، والذي تدعمها الولايات المتحدة وأطراف دولية أخرى.

ولا تبدو تلك الأحداث غريبة أو جديدة في ادلب وريفها، فبعد نحو عام على خروج قوات نظام الأسد منها وسيطرة تحالف فصائل يسمى جيش الفتح عليها، لم يتغير الحال كثيرا، حيث ما يزال القمع مستمر، وإن اختلفت الجهات التي تقوم به. حيث تتدخل جبهة النصرة في الكثير من أمور وشؤون الناس في معرة النعمان وريف ادلب، حتى أنها مدت تطبيق قوانينها لطلبة المدارس، وفرضت ما تدعي أنه لباساً شرعياً للطالبات في المدراس الابتدائية، ببعض مناطق ريف ادلب.

في بداية الحراك الجديد في معرة النعمان، لم تكن غايات جبهة النصرة من اعتداءاتها ظاهرة، بيد أنها كانت تضمر قرار اقتحام المعرة وسلب معدات الفرقة 13 لإضعافها. حيث أن معرة النعمان هى عاصمة الجيش الحر في ريف ادلب، وذروة قوة الفرقة 13 المتواجدة فيها. وهكذا، اقتحمت النصرة المدينة، يوم 13 مارس/آذار، وصادرت معدات عسكرية للفرقة 13، وأسرت عناصرها، ثم انسحبت بعد يومين، ولم تعد أي من المعدات حتى اللحظة. وسبق هذا الاقتحام اجتماعاً بين النصرة ولواء جند الأقصى، استلم فيه أحد أمراء جند الأقصى قيادة حملة النصرة واللواء، ودعا الأمير إلى قتل كل من يحمل السلاح بوجه الفصيلين المتطرفين، وهو ما يعني استباحة دم أي منضم للجيش الحر.

وتزايدت وتيرة المظاهرات اليومية ضد جبهة النصرة ولواء جند الأقصى والنظام السوري أيضاً بعد هذا الاقتحام، وذلك رداً على ادعاء جبهة النصرة إن اقتحامها لمعرة النعمان سببه اعتداءات عناصر الفرقة 13 على مؤيدي جبهة النصرة، وإن الفرقة قتلت أبي يحيى الأنصاري أحد قادة الجبهة، والذي قُتل خلال اقتحام الجبهة لمقرات الفرقة 13 في الغدقة التابعة لمعرة النعمان. فيما نفت الفرقة كل تلك الاتهامات. 

وبسبب الاعتداءات على الفرقة 13 ومحاولات فرض قوانين جديدة على السكان، بدأت تفقد جبهة النصرة شعبيتها في الأوساط المحلية في معرة النعمان، حيث ضغط الأهالي والمتظاهرون على جبهة النصرة، حتى رضخت وأطلقت سراح بعض عناصر الفرقة 13. ولكن الحراك لم يهدأ، فشهدت إحدى المظاهرات يوم 18 مارس/آذار، شعاراً جديداً يدعو لإسقاط “أبو محمد الجولاني” زعيم جبهة النصرة. ثم نزلت المرأة السورية إلى الشارع أيضاً، تأييداً لحراك المتظاهرين في المدينة ضد المتطرفين.

تهدف جبهة النصرة، بحسب ناشطين من أبناء المدينة إلى السيطرة بشكلٍ كامل على معرة النعمان، وأخذ الذخائر والعتاد الخاص بالفرقة 13، والسيطرة على المشاريع الخدمية. وهو ما حدث بالفعل، فخلال شهر مارس/آذار أسرت جبهة النصرة 50 شخصاً من معرة النعمان، بينهم ناشطين وعناصر تابعين للفرقة 13، وأفرجت عن الجميع فيما بعد جراء الضغط الشعبي، الذي مارسته مجموعات محلية مثل نشطاء الحراك السوري المدني والتجمع الشعبي للحراك الثوري واللقاء التشاوري لقوى وحراك الثورة، ولجان المتابعة الشعبية. حيث قامت هذه الجهات بإدانة قيام جبهة النصرة وفصيل جند الأقصى المُتهم بولائه لتنظيم داعش باعتقال واختطاف ناشطين، منهم حسن الشهاب وأحمد عابدين وحسن معترماوي. ورغم إذعان الجبهة للمطالب نوعاً ما، ظل الخلاف مستمراً بنيها وبين الفرقة 13، ولم تتنازل النصرة عن أهدافها بالسيطرة على المدينة، ذات الأهمية الاستراتيجية في ريف ادلب.

وفي ظل استمرار الحراك بمعرة النعمان، لم تخلُ سماء المدينة من تحليق طيران النظام وحليفه الروسي، فتعرضت المدينة للقصف عدة مرات، لا سيّما في شهر ابريل/نيسان الماضي، وهو الشهر الذي شهد إعلان المجلس المحلي لمعرة النعمان أن المدينة منكوبة صحياً.

وعلى الرغم من المشكلات العديدة التي تعاني منها مدينة معرة النعمان، مثل تلوث المياه واختلاط مياه الشرب بالصرف الصحي وانتشار العديد من الامراض، استمرت المظاهرات اليومية، وفي يوم الأحد 5 يونيو/حزيران رفع أبناء المدينة لافتات فارغة، كتعبير عن أن الكلام انتهى أمام جرائم كل الأطراف في سوريا. ويؤكد أبناء المدينة أنهم لن يتراجعوا ويتركوا شوارع المدينة قبل تنفيذ طلباتهم. المتمثلة بخروج جبهة النصرة وجند الأقصى من ديارهم بشكلٍ كامل، وتركهم يديرون أمورهم بأنفسهم وعلى طريقتهم السورية.

مئة يوم من التظاهرات مروا، وما زالت جبهة النصرة تسعى للتغلغل وفرض أفكارها على المجتمع السوري، إلا أنها تجد نفسها في موقف صعب، حيث أن فرض أيديولوجيتها يقوض شعبيتها، ويحث السكان على النزول في مظاهرات جديدة.

Read in English

حسن عارفه

صحفي سوري مقيم في تركيا.

إشترك في النشرة البريدية

سيصلك أحدث مقالات مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط