الانتقال الديمقراطي في شمال أفريقيا في 2014

إقليم شمال أفريقيا والساحل. صورة من ويكي ميديا.

إن أحداث 2013 كان لها تأثيرات مختلفة بصورة كبيرة على دول شمال أفريقيا – الجزائر وليبيا وتونس والمغرب، نتج عنها اختلافات كبيرة بالتزامن مع انفتاح المجال السياسي، تغيير الحكومة في النظام شبة السلطوي في الجزائر أدى الى زيادة التوقعات حول لعبة القوة في مؤسسة الحكم، إلا أن ذلك لم يكن له تأثير على الشعب من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن الملكية الدستورية في المغرب قد اتخذت مجموعة من الخطوات الجدية للسيطرة على الغضب الاجتماعي، ولكن ليس بالضرورة يمكن النظر إلى المغرب باعتبارها نموذجا للإقليم الذي يشهد انتشاراً واسعاً لاضطرابات اجتماعية وسياسية، أما ليبيا والمغرب اللذين شهدا ثورات فإنهما يواجها على نطاق واسع احتمالات مختلفة للنجاح في عملية التحول نحو الديمقراطية، هذه الدول الموجودة في هذا الإقليم الفرعي في منطقة الشرق الأوسط الأوسع تٌظهِر بجلاء كيف أن قصتين لما يتم تسميته بالربيع العربي ليسا متشابهين، وفي ضوء التطورات التي شهدها 2013 ما هي الأمور التي يمكن توقعها بصورة معقولة في 2014؟

المغرب

خلال عام 2013 اتخذت المملكة المغربية بصورة ثابتة مجموعة من الخطوات نحو اصلاحات اقتصادية تقدمية، وقد هدفت هذه الاصلاحات إلى تدعيم القطاع الخاص الصاعد، وخلق بيئة جاذبة للاستثمار الأجنبي والتجارة، وبالرغم من أن هذه الاجراءات جديرة بالثناء، إلا أنها بصورة عامة كانت خطوة سهلة بالنسبة للمملكة، التي تتمتع حتى الآن بميزة مُعتبرة مقارنة بجيرانها، حيث تتمتع المغرب بعلاقات اقتصادية قوية مع أوروبا، ولكن بالنظر إلى العلاقات المشحونة بين المغرب والجزائر حول اقليم الصحراء الغربية المتنازع عليه، فإن آفاق الوحدة الاقتصادية الاقليمية ضيق جداً، هذا الأمر يدفع المغرب إلى النظر جنوبا من أجل فرص أكثر ربحية، ومن ثم فإن المملكة المغربية سوف تستمر في التوسع في استثماراتها في دول جنوب الصحراء الأفريقية، وفتح مزيد من الأسواق لشركاتها هناك. 

ومن الناحية السياسية فإن الاصلاحات التي تمت صياغتها في الدستور الجديد سوف يتم وضعها موضع الاختبار، في تحديد إلى أي مدى يمكن أن تسهم في تطوير النظام السياسي، حتى يكون أكثر استجابة لتوقعات المواطنين المغربيين، فالمهمة الحقيقة بالنسبة للأحزاب المغربية الضعيفة هى أن تستغل الانفتاح السياسي – بالرغم من كونه ما يزل صغيرا ً – في النظام السياسي من أجل تقوية تنظيماتها القاعدية، ومن ثم تكون أكثر تأثيراً في عملية تمثيل قواعدها الانتخابية.

أما فيما يتعلق بالسياسة الخارجية المغربية فليس من المرجح بالنسبة لها أن تتغير في عام 2014، فسوف تستمر المغرب في التمتع بعلاقات قوية مع أوروبا، كما أنها سوف تسعى أكثر لتعزيز شراكتها القوية مع الولايات المتحدة الأمريكية، أما فيما يتعلق باستمرار برود جبهة العلاقات مع الجزائر، فإنه سوف يمنع المغرب من لعب دور في اقليم المغرب، هذا الاقليم الذي يعتبر مجالا حيوياً للنفوذ السياسي والاقتصادي للمملكة المغربية بصورة عامة.

الجزائر

قضى الرئيس عبد العزيز بوتفليقة عدة أشهر في عام 2013 في فرنسا، من أجل التعافي من السكتة الدماغية التي أٌصيب بها، تاركاً خلفة الجميع يتساءل حول مغزى ودلالة هذا الأمر بالنسبة للانتخابات الرئاسية المقررة عقدها في أبريل/نيسان 2014، فإن كل العيون الآن تركز على صراع القوة الدائر على قمة الحكومة القائمة، فقد توقعت وسائل الاعلام التي تتابع الأوضاع في الجزائر حدوث التغيير الوزاري الذي قام به بوتفليقة عندما عاد إلى الجزائر، وما تزال هناك العديد من الأسئلة المطروحة، هل سيقدم بوتفليقة على الترشح لفترة رئاسية أخرى؟ وإذا قرر ذلك، فإنه في ضوء ظروفه الصحية هل سيكون قادراً على الحكم؟ أم أنه سيدعم مرشحاً أخر ويظل هو يحكم من خلف الستار؟ وكيف سيكون رد فعل المعارضين لحكم بوتفليقة؟ وكيف سيؤثر صراع القوة هذا على استقرار البلاد؟  

بالنظر إلى عوامل غياب الشفافية الموجود بصورة كبيرة في النظام السياسي الجزائري، فإن هذه الاسئلة تظل بدون اجابات، وهي كذلك بالرغم من ما لها من تأثيرات، فهذا الغموض الذي تسببه هذه الأسئلة بين أوساط نخبة البلاد لا يبشر بأي خير بالنسبة لمستقبل الاصلاحات السياسية والاقتصادية، والتي تحتاج إليها الجزائر بصورة ملحة، من أجل مواجهة التأثيرات السلبية، فالبيانات الاقتصادية تشير إلى تحسن محدود جداً – إن لم يكن حتى تراجعاً – في البطالة والدين والتضخم، فالاقتصاد الجزائري المعتمد بصورة كبيرة على الدعم يصل بسرعة كبيرة إلى مرحلة الأزمة، وهى حالة شبيهة لتلك التي وصلت إليها الأوضاع في أواخر حقبة الثمانينيات. 

إن سياسيات الدولة عبارة عن لعبة محجوزة لأقلية صغيرة فقط، وتتسم هذه السياسات بوجود صراعات قوة داخلية مشتعلة، وبصفة عامة فإن عمل النظام مصاب بخلل كبير، ومن ثم لا يوفر أي فرصة للنمو من أجل المواطنين، هذا النظام يديم من حالة الاعتماد السياسي على عوائد النفط المتدفقة من أجل جلب الهدوء والاستقرار، كما أن استحضار الذكريات المرتبطة بمدى دموية الحرب الأهلية الجزائرية في حقبة التسعينيات باستمرار يساهم في تقويض أي أفكار حول انتفاضة شعبية، وعلى الرغم من ذلك فإن التقديرات تشير إلى أن 88% من الجزائريين ولدوا بعد الاستقلال، فالتركيبة السكانية الجزائرية شبابية بصورة لا تصدق، وهذه الفئة ليس لديها أي ذكريات مرتبطة بالعنف يمكن أن تهدئ من الميول الثورية لديها، فبدون شك هناك فجوة تتسع باستمرار بين الدولة القانونية (التأسيس السياسي) والدولة الحقيقية (الشعب).

من خلال أجهزتها الأمنية القوية استطاعت الجزائر بنجاح التغلب على حالة عدم الأمن التي سادت خلال عام 2013، إلا أن انخفاض درجة كثافة الارهاب المتطرف غير مضمونة الاستمرار، بسبب تحديات عدم الاستقرار التي تواجه جيران الجزائر، وهو أمر يسبب هواجس فيما يتعلق بمستقبل الاستقرار في الجزائر، ففي حين تعمل كل من ليبيا وتونس على التغلب على العقبات في طريق عملية انتقالهم إلى الديمقراطية، فإنهما قد يعتمدا أكثر على الجزائر لتلعب دور أكبر في السيطرة على الخارجين عن القانون على طول الحدود بينهم، فعلى سبيل المثال يمثل تهريب الأسلحة من ليبيا إلى الجزائر حقيقة يومية، وفي استجابة لهذا الأمر أسست الجزائر ترتيبات أمنية مشتركة مع كل من تونس وليبيا، وفي تونس موضعت الجزائر نفسها باعتبارها وسيط محتمل في المحادثات السياسية وسوف تستمر في مراقبة التطورات هناك، ومن الأمور الغريبة أن أقل دول شمال أفريقيا انفتاحا تجد نفسها في موضع تسهيل المفاوضات السياسية في دولة مهد الربيع العربي.  

 تونس  

عندما قامت المعارضة العلمانية بدعم من نقابات العمال القوية بمظاهرات حاشدة جماهيرياً في محاولة للإطاحة بحكومة حركة النهضة الاسلامية في صيف 2013، توقع الكثير من المحللين أن تتكرر نفس التطورات التي حدثت في مصر في تونس، إطاحة بالحكومة يمكن أن ينهي عملية الانتقال الديمقراطي في تونس بصورة فجائية، إلا أن الظروف في تونس تختلف عن مثيلاتها في مصر، فحتى الآن القوات المسلحة التونسية لم تنخرط في السياسة وليس لها أي تطلعات، ومع وقوف الأجهزة الأمنية على الهامش، فإن الممسكين بالقوة أدركوا أن المفاوضات السياسية هى الاجابة الوحيدة الفعالة، للتغلب على حالة المأزق القائم الذي تعيشه البلاد، وبالرغم من سيادة عدم الثقة بصورة كبيرة – والتي تم تعميقها باغتيال اثنين من السياسيين العلمانيين – فإن الأطراف في النهاية اتفقوا على تعيين رئيساً للوزراء، وبمساعدة حكومة تكنوقراطية فإن رئيس الوزراء مهدي جمعة سوف يشرف على عملية الانتقال، من خلال انتخابات جديدة في عام 2014، في الوقت الذي تنهي فيه الجمعية التأسيسية الوطنية أعمال كتابة الدستور الجديد.

     

 حققت تونس تقدماً كبيراً مع اندلاع ثورة الياسمين، ودائما ما ينظر إليها على أنها أمل الاقليم الأفضل من أجل انتقال ديمقراطي ناجح، وخلافاً للأوضاع في الجزائر، فإن تونس تمتلك نظاما أكثر تماسكاً وشفافية، والنخبة السياسية أكثر اندماجا في الجسد الاجتماعي، ويعكسوا بصورة أكبر طموحات القواعد الشعبية التي يمثلوها، وعلى الرغم من تجاوز المواعيد المحددة والتي تم الاتفاق عليها في خارطة الطريق، فإن الجمعية التأسيسية الوطنية بدأت مع بداية يناير 2014 في عملية التصويت على النصوص الدستورية، كما سيقوم رئيس الوزراء بتعيين حكومته في أقرب وقت ممكن.

وبالرغم من هذه التطورات الايجابية، فإن الطرف الأبرز في المعارضة العلمانية – حركة نداء تونس – لم يوافق على اختيار جمعة كرئيس للوزراء، الأمر الذي يهدد استدامة هذه الترتيبات، كمان أن الاقتصاد ما يزال يصارع من أجل التعافي، حيث ما تزال الفوارق بين المناطق الساحلية والمناطق الداخلية في الدولة مستمرة، كما أن معدل البطالة بين الشباب ما تزال تدور حول نسبة مرتفعة للغاية 30%، وارتفع التضخم إلي 6% في ديسمبر/كانون الأول 2013، بعد أن كان ثابتاً حول نسبة 5.8% في أخر ثلاثة أشهر، ويعود هذا بصورة كبيرة إلى ارتفاع أسعار الطعام، وفي حين تظل قوات الأمن التونسية موالية للدولة، وتبذل جهوداً كبيرة في مواجهة المتطرفين، إلا أن تدهور الأوضاع الأمنية ما يزال منتشراً بصورة كبيرة، كما أن الاشتباكات مع الارهابيين على الحدود الجزائرية يمثل هاجساً للدولة التي عايشت تاريخا إلى حد ما سلميا مقارنة بجيرانها.    

خريطة طريق عام 2014 التي تم وضعها من خلال الحوار الوطني يمكن أن تستمر، إن هناك سبب للتفاؤل، فبالرغم من عدم الثقة العميق والمأزق السياسي اللذين ميزا كثيراً السياسة التونسية في عام 2013، فالأحزاب لم تتخلى عن المفاوضات، الأمر الذي يعكس الالتزام باللعب طبقا للقواعد، حتى لو تطلب هذا الأمر مساومات.  

ليبيا

إن ليبيا هى أكثر دول الشمال الأفريقي اتساماً بأكثر درجات الغموض وعدم الاستقرار، فحكومة رئيس الوزراء علي زيدان ينقصها بصورة جلية القدرة على الفعل، الأمر الذي يؤدي إلى زيادة التحديات التي تواجهها سلطتها والشائعات حول الاطاحة بها، كما أن نقص الشفافية وزيادة درجة المشاحنات والخلافات في المؤتمر الوطني العام ينزع الشرعية عن تلك السلطة التي من المفترض أنها أكثر السلطات تمتعاً بالشرعية في البلاد، أيضا النظام العام يتسم بالفوضى، حيث  يقوم شيوخ القبائل وكبار السن بحل الخلافات في المناطق المحلية في ظل غياب أمن الدولة، كما أن عملية الحكم والإدارة تتم إعاقتها بتراث العقلية البيروقراطية وغياب إطار تنظيمي شامل. 

عقب الهجوم على القنصلية الأمريكية في بني غازي في سبتمبر/أيلول 2012، تدهور الوضع الأمني بصورة خطيرة، ومن أهم سمات هذا التدهور هو الاغتيالات المستمرة التي تستهدف الشخصيات الأمنية، وزيادة الاعتداءات على المؤسسات الأجنبية – خاصة التهديدات ضد الأمم المتحدة والهجوم على السفارة الروسية – واختطاف زيدان، إن غياب الأمن يٌبقي المستثمرين الأجانب بعيداً، ويعيق إعادة بناء البنية التحتية التي تحتاجها البلاد كثيراً.   

إضافة الى ذلك فإن غلق ميناء تصدير البترول بواسطة المليشيات المارقة أدى في الأشهر الأخيرة إلى تناقص صادرات البلاد النفطية إلى معدلات هزيلة جداً، ونتيجة لذلك حٌرمت الحكومة الليبية من العائدات التي كانت تستخدمها لشراء الرضاء والتوافق، في محاولاتها الهزيلة لتعويض عدم قدرتها على توفير البضائع والخدمات التي يجب أن توفرها الدولة لمواطنيها.

إن ليبيا يبدو أنها على الطريق إلى دولة فاشلة، هذا يمكن أن يحدث بمجرد الدخول في ربيع 2014، ما لم تستطيع القوى السياسية السعي إلى اتفاق على برنامج سياسي، يمهد الطريق لحكومة جديدة ومؤسسات شرعية للدولة، مثل هذا البرنامج يمكن أن يشمل تطورين مهمين جداً لعملية الانتقال في ليبيا: (1) تأسيس مفوضية تتولي الاعداد لمؤتمر الحوار الوطني، (2) وضع الاستعدادات من أجل انتخاب لجنة تتولي عملية كتابة دستور جديد، وبالرغم من صعوبة تحقق هذه الأمور، فإن النجاح في هذه المناطق يعد أمراً حيويا، إذا كانت هناك رغبة لإبعاد ليبيا عن الحافة، ووضعها على مسار ديمقراطي.

Read it in English

كريم ميزران

هو كبير باحثين في مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط، حيث تركز اهتماماته البحثية على عمليات التغير في منطقة شمال افريقيا.