السوق الجديد على الحدود التركية السورية

شهر مايو/آيار من العام المنصرم، دخلت امرأة فرنسية بصحبة طفلَيْها الى الاراضي السورية قادمة من الأراضي التركية عبرت من منطقة خربة الجوز، وهذه المرأة موجودة لدى الكتيبة الفرنسية بحسب أخر المتابعات لما جرى حينها. تمت عملية العبور هذه بتنسيق مع ضباط أتراك مقابل مبالغ مالية تُقَدَّر بأكثر من ألفي دولار (حسب مقابلاتنا على الأرض)، كما أن هناك جهاديين أخرين من بينهم شيشانيين وأوزبك وقوقازيين دخلوا بعلم الاتراك إلى الداخل التركي إما لتلقي العلاج أو لاستلام أموال أو تحويلها.

بينما استمرت تركيا في غلق الحدود المشتركة مع إدلب وحلب تدريجيا، أدى الطلب العالي للعبور إلى أسواق جديدة تسهل الذهاب والإياب. ولدى هذا الطلب أشكال كثيرة، بما فيها النازحون من الحرب والمقاتلون الأجانب والسوريون الذين يحتاجون إلى العلاج الطبي، واستلام الحوالات المالية في تركيا.

لكي تستفيد من هذا الطلب، أسست هيئة تحرير الشام مكاتب في كل من سلقين وحارم ودركوش وسرمدا، بهدف نقلهم الى القرى التركية. والكثير من هؤلاء السوريين فقراء وقد نُزحوا بسبب الحرب والعنف وليس لديهم الكثير من الموارد للسفر إلى تركيا ودخولها. لذا، بيعون أخر ما تبقى مما أدخروه للانتقال مع أهاليهم إلى تركيا (بطريقة غير شرعية). وقد لقيت الهيئة طريق للاستفادة من الوضع: تدبير سماسرة للذين يريدون السفر، وفرض رسوم عالية على من يود الذهاب إلى تركيا. كما تدبر وسيطاً لتسليم وإدخال مبالغ حولها أقارب المقاتلين الأجانب إلى تركيا، ولا تتم أي من هذه العمليات دون رشوة الضباط الأتراك على الحدود.

في حين أن من يستطِع الدفع يدخل تركيا بسهولة، ومن لا يملك مالاً كافيا يخاطر بحياته في طرقات صعبة خطيرة، وهناك قصص لا بأس بعددها عن إطلاق الجندرما (قوات الأمن الحدودية) النار على العابرين، وعن أطفال يفقدون أهلهم خلال عملية العبور غير الشرعية، ولكن المقاتل الاجنبي لا يجد أي صعوبة في عبور هذا الجدار، بما أنه يمكنه بيع عدة بنادق آلية (كلاشنكوف مثلا) في السوق السوداء، بما يكفيهم ليدفعوا للضباط الاتراك روسم عبور (رشوة)، وينفقون الباقي في تركيا إما بهدف التسوق أو السياحة العلاجية. وقد اشتهر مشفى الأمل في الريحانية بذلك، حيث تقوم المخابرات التركية بإعطاء المصابين من المقاتلين الأجانب هويات خاصة كالتي تمنحها للسوريين (الكملك) على الرغم من شكلهم غير السوري، عدا عن أنهم لا يتكلمون العربية، يمضون بعض الوقت في المشافى التركية، ثم يتوجهون مرة أخرى إلى الأراضي السورية، وهنا تزداد متانة العلاقات مع الجنرالات العاملين على الحدود.

شابة عشرينية، رفضت الكشف عن اسمها خشية تعرض من بقي من أهلها في تركيا للضرر، استطاعت أن تصل إلى هولندا مؤخراً، وأكدت أنها كانت تعمل في مشفى الأمل، مشيرة إلى قيام المخابرات التركية بمساعدة المقاتلين الأجانب في حين أنها لم تسمح بعبور مصابي غاز السارين مؤخراً من مدينة خان شيخون، إلا بعد مضي ساعات على اصابتهم. وقالت في نفس الوقت، أن التعامل في تركيا كان في بداية الثورة السورية مبنياً على العامل الانساني الأخلاقي، ولكن في العامين الماضيين انقلبت الأحوال وأصبح كل شيء مرهون بالدفع أو وفق ما يسميه الاتراك “البارا”.

وقد أصبحت المناطق الحدودية خطيرة بسبب التوترات بين السوريين العابرين والجندرما؛ قرية خربة الجوز هي الأخرى احدى أبرز محطات العبور من سوريا إلى تركيا لازالت تتعرض بشكل شبه يومي إلى رشقات من الرصاص يطلقها عناصر الجندرما. بات رجل فقير، كان يعيش من المردود المادي لبقرته الحلوب، الآن يعيش على سلة الغذاء التي تقدمها منظمات محلية، لأن احدى هذه الرصاصات قتلت بقرته.

زار الدكتور محمد الشيخ مدير التربية الحرة في مدينة إدلب القرية ووجه دعوة إلى الاعلاميين والصحفيين لزيارة القرية التي وصفها بأنها شبه منكوبة وتتحول الحياة فيها إلى جحيم، وقال إن السوريين يخافون من رفع الصوت عاليا في وجه الضباط، لأن أدنى ردة فعل قد تؤد إلى غلق المعبر الانساني في القرية، حيث يعتبر هذا المعبر احدى المصادر الحيوية لبلدات الشمال السوري. وقام السوريون بالاحتجاج عند الحدود في إدلب على وضع الحدود، وأيضا على دخول جرافات الجيش التركي لتطهير الأراضي السورية لتأمين الحدود، وأحيانا دمرت بساتين ومزارع سورية. وحسب الناشطين السوريين، عدة مظاهرات جرت في ريف إدلب المتاخم للشريط الحدودي قوبلت بالرصاص الحي.

لا توجد احصائية رسمية لعدد السوريين الذي يموتون خلال العبور، إما بسبب طرقات غير آمنة أو نتيجة إطلاق القوات التركية النار عليهم، بينما عمليات التهريب مستمرة أمام أعين الجنود والضباط، بيد أنه ليس من الواضح ما إذا كانت الحكومة المركزية على علم ما يحصل. ولكن النتيجة هي نفسها: يعبر مئات المقاتلين، بعضهم مع عائلاتهم، إلى سوريا. وليسوا الناس فقط يعبرون، فهناك أسلحة ومساعدة ومعدات أيضا تدخل سوريا. ويبدو أن المقاتلين الأجانب تمتلك امتياز على نظرائهم السوريين، لأنهم يستلمون حوالات من أقاربهم في تركيا، ويشير المقاتلون السوريين إلى التباين في معداتهم ومعدات المقاتلين الأجانب، حيث أن ثمن الحذاء الشتوي الذي يلبسه المقاتل الاوزبكي يبلغ 80 دولاراً، بينما لا يزال حتى بعض مقاتلي المعارضة يرتدون احذية بسيطة. وقد وُثِّق استخدام ناطقو اللغات التركية علاقاتهم بتركيا للدخول إلى سوريا.

مؤخرا، اتخذت بعض المشافي قرارا بالسماح فقط بدخول 4 جرحى يوميا، حتى إذا كان هناك جريح بحالة حرجة، في حين أن مشافيها كانت تستقبل المقاتلين الأجانب بهويات سورية وفق ما أكدته الشابة العشرينية.

ما يحدث على الحدود الجنوبية التركية هي نتيجة مشاكل تركيا الاقتصادية، وعدم قدرتها على استيعاب هذه الأعداد الكبيرة من اللاجئين، وجهود تركيا لإنشاء صلات قوية بمقاتلين داخل سوريا لضمان وجودها وتأثيرها في سوريا خلال الحرب وما بعدها، وصلات ناطقو اللغات التركية بتركيا. بعبارة أخرى، تريد تركيا الآن إيصال رسالة، عن طريق إغلاق الحدود، أنها لم تعد قادرة على استيعاب السوريين النازحين، والمبدأ هو من يستطع يدفع فليدفع، ومن لا يستطع فليحاول بأي وسيلة ممكنة.

اشترك في نشرتنا Read in English

أحمد عبد الحق

صحفي سوري.

شاهد أيضاً

أزمة المياه: كيف تم تحويلها إلى سلاح في الصراع اليمني

يظل الموقف شديد الخطورة، خاصة بالنسبة لليمن، حيث أدى تحويل المياه لسلاح إلى وصول الصراع لحالة حرجة. تقدر الأمم المتحدة أن 14 مليون نسمة، نصف سكان اليمن، يواجهون حالة ما قبل المجاعة. تعد المياه واحدة من أوجه الصراع المعقد هناك، ويظل من الصعوبة تحديد إلى مدى قد أدت إلى مزيد من العنف.

الترحيل غير الشرعي للاجئين السوريين في تركيا

مع استمرار السلطات التركية في رفض إعادة فتح مراكز استقبال الحماية المؤقتة منذ أكثر من عام في معظم الولايات الحدودية، ووقف منح الفارين من الحرب بطاقة الحماية المؤقتة التي تخول صاحبها حق البقاء والحصول على الرعاية الطبية والدراسة والمساعدات الاجتماعية، يعيش آلاف اللاجئين السوريين في تركيا هاجس الترحيل القسري بشكل دائم.

إعادة احياء محادثات السلام في اليمن: ماذا بعد؟

مع ارتفاع عدد القتلى في الحرب الأهلية في اليمن، فإن الحاجة الماسة للسلام تتناقض مع الآمال المتفرقة في عملية سلام. بعد أشهر من التأخير، أعلنت قوات الحكومة والمتمردين في يوم 19 نوفمبر/تشرين الثاني نيتهم تجميد العمليات العسكرية بصورة مؤقتة