نحو مؤتمر وطني حول مستقبل ليبيا

نحو مؤتمر وطني حول مستقبل ليبيا

كريم ميزران وإيرين نيل

اشترك في نشرتنا 

في إطار الجهود المبذولة من قبل الفاعلين الدوليين والمحليين لحل المأزق السياسي في ليبيا، يتم تسليط الضوء على المبعوث الخاص للأمم المتحدة غسان سلامة. منذ الذكرى الثانية لتوقيع الاتفاق السياسي الليبي في مدينة الصخيرات المغربية في ديسمبر/كنون الأول 2015، تحولت خطة عمل سلامة المحددة والمدروسة إلى نهج مرتبك يعتمد على رد الفعل. حين يشرح خطته للإعلام، فإن سلامة يتأرجح بين ثلاثة أولويات: تأمين اتفاق بين حكومتي ليبيا المتنازعتين من أجل تعديل الاتفاق السياسي، وعقد مؤتمر وطني في يونيو/حزيران، وإجراء انتخابات تشريعية ورئاسية في نهاية العام الحالي.

انتهت المفاوضات بين مجلس النواب الكائن في طبرق والمجلس الأعلى للدولة – وهو المؤسسة الاستشارية لحكومة الوفاق الوطني المعترف بها دولياً – بشكل غير مكتمل وغير ناجح في أكتوبر/ تشرين الأول. فمجلس النواب، والذي يرأسه عقيلة صالح منذ عام 2014، يعرقل الوصول إلى نتائج في مفاوضاته مع المجلس الأعلى للدولة، ويرجع ذلك جزئياً إلى قرار صالح وأتباعه أن يبقى في السلطة.

كما أن الجنرال خليفة حفتر، والذي يقوم جيشه بحماية ودعم مجلس النواب، معارض عنيد للمصالحة بسبب طلبه أن يترأس جيشاً جديداً موحداً بدون أي إشراف مدني. كما صرح حفتر أكثر من مرة عن رغبته في السيطرة على كامل ليبيا من خلال حملة عسكرية. وحتى الآن، فإن حفتر فشل في الوفاء بهذه الوعود. فقدرته على القيام بذلك بدت مؤخراً محل تساؤل في ظل تقارير غير واضحة أو مؤكدة فيما يتعلق بصحته المتدهورة.

بينما يبدو أن هذه الاحتمالية قد تبددت بعودته إلى ليبيا بعد تلقيه الرعاية الصحية في ليبيا، إلا أن هذه القضية مازالت بعيدة عن الحل. فإذا تخلى حفتر عن قيادة الجيش الوطني الليبي بسبب مرضه، فإن تولي قيادة جديدة للجيش قد تكون بناءة. إن حفتر شخصية متطرفة: إما يعشقه البعض أو يحتقره البعض الآخر. لذا، فإن شخصية أكثر دبلوماسية وملائمة لاحتياجات البلاد قد تحقق تقدماً على مستوى المفاوضات السياسية.

بينما يتحمل شرق ليبيا الكثير من اللوم في إفساد أي اتفاق سياسي، فإن الأفراد من كافة أطياف النزاع يستمروا في استفادتهم من أوضاعهم الحالية ومن استمرار غياب الاستقرار، ومن ثم فإنهم راضون عن الوضع القائم.

وبالنظر إلى الانهيار الجزئي لمحاولات سلامة حتى الآن –  ومحاولات سابقيه الثلاث – فإن مؤتمراً وطنياً يبدو هو الطريق الأفضل لدفع ليبيا إلى الأمام. إنها خطوة ضرورية في طريق نجاح ليبيا، وعلى البلاد القيام بجهد صادق وطويل المدى لتنظيمه.

التحديات الأساسية

في بداية هذا العام، أعلنت الأمم المتحدة أن تحضيرات لمؤتمر وطني تجري على قدم وساق، وإذا تم أنجاز ذلك، فإن مؤتمراً ناجحاً سيكون بمثابة إنجاز رائع للبلاد. تظهر المحاولات السابقة لعقد منتدى مشابه مدى صعوبة هذه المهمة.

أجريت مبادرة حوار وطني تحت رعاية رئيس الوزراء الليبي آنذاك علي زيداني في عام 2013. كان الغرض من هذه المبادرة – في تشابه كبير مع هدف سلامة لعقد مؤتمر وطني – هو عقد اجتماع بين أصحاب المصلحة في البلاد لإعادة تأسيس الدولة والبدء في وضع أسس لإعادة بناء – أو بناء بالأحرى – مؤسسات الدولة.

واجه منظمو مبادرة الحوار الوطني العديد من الصعوبات منها كيفية ضمان أمن كل المشاركين، وأي هيئة ستعقد المؤتمر، وكيفية الوقاية من مضايقات وابتزازات الجماعات المسلحة أو رشوة المشاركين. وبينما توقفت التجربة للأسف بسبب سقوط حكومة زيدان، إلا أن هذه الصعوبات الكثيرة التي واجهت منظمو الحوار الوطني مازالت قائمة. بالرغم من أن هذه العوائق ستكون مرهقة في ظل تدهور الأمن وانتشار الفساد، فإن تفاوض وتخطيط عقلاني من شأنهما أن يحلا هذه القضية. يمكن لجهود أمنية كبيرة أن تنجز من خلال تمويل خارجي، ويمكن وضع قواعد أساسية وتطبيقها بصرامة، كما يمكن لمجموعات المراقبة أن تجلس في الصفوف الأولى.

إلا أن العقبة الأكبر هي تحديد المدعوين للمشاركة. إن تمحيص الميليشيات والفاعلين الآخرين قد تكون عملية مكلفة وتستغرق وقتا كبيراً. كما أن قرار تضمين الساسة، على الجانب الآخر، قد يدعم شرعية نتائج المؤتمر. على جانب آخر، هذه العملية يمكن أن تجعل من أولئك الذين تم استثناؤهم من حضور المؤتمر قوة مفسدة للعملية برمتها.

كيف يجب أن يبدو المؤتمر؟

من شأن المؤتمر الوطني أن يسمح لليبيين تحديد أركان الدولة المستقبلية. يمكن لاجتماع أو سلسلة من الاجتماعات أن تكون مكان لضمان التوافق على القضايا الأساسية حتى يتم تجاوز النزاع. يحتاج المشاركون إلى اتفاق بالإجماع على نبذ العنف كوسيلة لحل الصراع، إلى جانب قضايا أخرى، وإطار عمل اقتصادي فعال، ونموذج لنظام سياسي يتم تبنيه من قبل الدولة الليبية الحديثة.  

يمكن كتابة عقد اقتصادي جديد بين الشعب الليبي وحكومته، يتضمن ملكية الموارد الطبيعية الليبية لجميع الليبيين. بقول آخر، تتعهد الحكومة أن تعيد، على النحو الذي يتم مناقشته والموافقة عليه، الناتج من مبيعات النفط إلى المواطنين من الأفراد و/أو البلديات.

يمكن لليبيين في المؤتمر أيضا أن يقرروا شكل نظام الدولة – لامركزي أو مركزي أو فيدرالي – ويتم دعوتهم للتعبير عن رأيهم في دعائم الدولة الضرورية.

البدائل

أما الخيارات المتبقية لتأسيس حكومة شاملة وجهاز أمني في ظل الظروف الحالية لن تكون فعالة مثل فاعلية المؤتمر. لم تثمر المحاولة في أكتوبر/تشرين الأول للذهاب إلى المفاوضات مباشرة لتعديل الاتفاق السياسي الليبي إلا في مزيد من تعقيد الأزمة السياسية. يحتاج التوتر السياسي إلى أن يتم التعامل معه تحت مظلة مختلفة قبل وصول الأطراف المتنازعة إلى اتفاق على تغييرات في اتفاق 2015.  

ما تبقى من الخيارات الأخرى هو التصويت على الدستور والانتخابات الوطنية. يبدو أن إجراء استفتاء حول الدستور فكرة غير مغرية للكثير، لأن المسودة الحالية لا تكفي، وتعديل المسودة سيحتاج وقتا طويلاً، وهو وقت سيستمر فيه تدهور الوضع الأمني لغياب هيئة وطنية تحتكر السلطة أمام الميليشيات على الأرض.

إن الذهاب مباشرة إلى الانتخابات – مع تجنب المؤتمر الوطني والاستفتاء الدستوري – قد لا يبدو منطقياً على الصعيد الأكاديمي أو الواقعي. الأمر الأكثر منطقية هو الانتظار حتى يتم تبني الدستور ثم الذهاب بعدها إلى الانتخابات. إلا أن إجراء الانتخابات يمكن أن يكون علاجا للامبالاة السياسية التي يعيشها الليبيون. لقد فقد الكثير من الليبيين الإيمان بالعملية السياسية، وبسبب الانهيار الأمني – يركز الليبيون على سلامتهم أكثر من الانخراط في السياسة الوطنية.

هذا الانفصال الشعبي عن النخبة السياسية هو قضية تحتاج إلى أن تُعالج. تعتبر الانتخابات أحد الأدوات القليلة لجذب مزيد من المشاركة، في ضوء الحماس الذي شهدته البلاد عند تسجيل الناخبين. ارتفع تسجيل الناخبين إلى 2.5 مليون في الدورة الأخيرة والتي انتهت في منتصف مارس، مقارنة بـ 1.5 مليون في الانتخابات التشريعية عام 2014.

للأسف، إن تنظيم المؤتمر الوطني سيؤجل الانتخابات، وهذه النتيجة قد يراها الشعب سلبية، حيث أن ارتفاع تسجيل الناخبين يعد مؤشرا واضحا على أن الشعب الليبي يفضل الانتخابات.

من ناحية أخرى، فإن المؤتمر كما هو مبين أعلاه يحمل إمكانية إدماج المواطنين. علاوة على ذلك، يمكن للمؤتمر أن يرفع معنويات الشعب حتى يتحسن الوضع ويصبح مؤهلاً لإجراء الانتخابات، وبناء على ذلك فإن العملية ستصبح أكثر نجاحا.

إذا أراد الليبيون عكس اتجاه زخم الصراع، والذي سيأخذ منحى يؤدي إلى مزيد من الفوضى في ظل العقلية الأنانية المسيطرة، فإن عليهم تجاوز المعرقلين والمفسدين الذين لديهم اليد العليا الآن. إن تعبئة التأييد الشعبي حول مؤتمر قد يشجع على الروح التشاركية أكثر من روح البقاء السائدة الآن، ويمنح الليبيين أداة للبدء في تغيير التوجهات السلبية. لن تكون العملية بلا أخطاء ولن ترضي كل شخص، لكن الليبيين لا يملكون رفاهية عدم استغلال الفرصة.

اشترك في نشرتنا English

مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط

بقيادة خبراء مقيمين، يقوم مركز رفيق الحريري بدراسة قضايا حل النزاعات وإعادة الإعمار/الإصلاح الاقتصادي، والتغيرات المجتمعية.

شاهد أيضاً

التجنيد في المغرب: عملية غير منتهية

النص النهائي للقانون لم يتم تمريره بعد، لكنه بالفعل خلق حالة من التخبط والنقاش فيما يتعلق بمستقبل السكان المغاربة، الذين يتساءلون عن كيف ستؤدي الخدمة العسكرية الإلزامية إلى مواجهة المشاكل الاقتصادية والاجتماعية المتفاقمة

خيارات مصر في تنمية السد الأثيوبي

في عام 2013، اعتراف الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بأن نهر النيل أصبح بصورة سريعة أكبر تهديد لأمن مصر. على الرغم من جهودها الدبلوماسية في مختلف الدول في الإقليم

بعد ثلاث سنوات: تطور التدخل العسكري الروسي في سوريا

اليوم منذ ثلاث سنوات بدأ التدخل الروسي في سوريا، هذا التدخل الآن يشير إلى استمرار زيادة النفوذ الروسي في سوريا، خاصة في سياق مناطق خفض التصعيد وعملية الاستانة للسلام، ومؤخرا المناطق منزوعة السلاح في محافظة إدلب.