رغم الضربات المتلاحقة… الأخوات المسلمات يحفظن بقاء الجماعة

قوات مكافحة الشغب أثناء تفريق مظاهرة من طالبات جامعة الازهر المؤديات لجماعة الاخوان المسلمين، 19 مارس 2017.

استمراراً للمواجهة مع جماعة الاخوان المسلمين، اعتقلت السلطات المصرية اثنين من نساء الإخوان أو ما يعرف بالاخوات المسلمات، الدكتورة حنان بدر الدين وسارة عبد المنعم، أثناء زيارتهما لسجن القناطر مع أسرة أحد المحبوسين، فيما قامت لجنة حصر أموال الإخوان والتحفظ عليها مؤخراً بإدراج أسماء العديد من السيدات والفتيات من ذوي أقارب قيادات وكوادر إخوانية. منذ فض اعتصامي رابعة والنهضة تغير نمط تعامل السلطات الأمنية مع الأخوات المسلمات، عما استقرت عليه الأنظمة السابقة منذ عهد السادات بعدم التعرض للنساء أو اعتقالهن.

لم يكن الأمر عائداً فقط لرغبة النظام في استئصال جماعة الإخوان كلية بكل مكوناتها، بل كان ثمة عنصر إضافي يعود إلى ما أظهرته الأخوات من قدرة على الاشتراك في المواجهة بين النظام والإخوان. لم تكن هذه القدرة متمثلة في الأدوار الجانبية التي اعتادت الأخوات أن تلعبها في السابق، بل أدوار تتمحور بشكل رئيسي في التعبئة والحشد والإقناع. طبيعة المرحلة دفعت الأخوات للخروج من هذه الدوائر إلى دوائر عمل أخرى، من أجل حفظ وجود جماعة الإخوان، هذا على الرغم من الانقسامات الإدارية والسياسية التي تشهدها الجماعة، منذ عام 2014، وهو الأمر الذي لم تكن الأخوات طرفاً واضحاً فيه.

يسعى هذا التحليل لتسليط الضوء على هذه الأدوار في سبيل الإجابة على السؤال الرئيسي كيف ساهمت هذه الأدوار في حفظ وجود الجماعة، وذلك من خلال أصوات الأخوات أنفسهن اللاتي ساهم بعضهن في هذا الدور.

ميدانياً في المظاهرات

كان ثمة أمر ملحوظ حول نسبة الأخوات المشاركات في المظاهرات التي أعقبت فض اعتصامي رابعة والنهضة، فجميع المظاهرات كانت نسبة الأخوات فيها كبيرة، وصلت إلى حد تشكيل كيانات خاصة بهم تختص بتنظيم المظاهرات، على رأس هذه الكيانات “نساء ضد الانقلاب” الذي اختص بمتابعة شؤون النساء العامة في المظاهرات، و”أولتراس بنات أزهري” الذي كان يقود حراك الطالبات في جامعة الأزهر “وحركة فتيات سبعة الصبح“.

السيدة منى (اسم مستعار) أحد أبرز الكوادر الفاعلة في العمل النسائي الاخواني داخل مصر، أوضحت أن “الدور الرئيسي في المظاهرات كانت تلعبه سيدات متنوعات بعضهن ممن لها شهيد أو معتقل أو مطارد، وبعضهن لم تتعرض لهذا الأذى”. إن حالة التهديد الوجودي لكيانات الأسر والعائلات الإخوانية، إضافة إلى ارتفاع الشق العاطفي الذي يتأثر بخطابات المظلومية والمحنة دفع الأخوات إلي لعب هذا الدور، الذي حفظ شكل وتواجد الحراك الاخواني لمدد طويلة في الشارع، تقول السيدة منى “المرأة عندما تخلص لقضية ما تضحي من أجلها بكل شيء، ويكون لديها من الحيل الكثيرة لإتمام ما ترغب فيه”.

دوراً تكافلياً

“إذا كانت المشاركة في الحراك هو الدور الأول الذي لعبته الأخوات بقوة داخل الجماعة، فالدور الأكبر والمحوري في الحفاظ على وجود الجماعة هو الدور التكافلي والاقتصادي” هكذا أشارت تغريد (اسم مستعار)، وهي إحدى ناشطات الإخوان في الإسكندرية، وأضافت “الضربة الأمنية كانت كفيلة بإبعاد الناس كلها عن الجماعة” لاسيما أن أصحاب أكبر مصادر تمويل للجماعة إما صودرت أموالهم أو تم اعتقالهم”، مضيفة أن “أكبر دعم اقتصادي حصلت عليه لجان المضارين التي تكفلت بإعاشة والإنفاق على أسر المعتقلين وأبناء الشهداء كان عبر النساء”.

تشرح السيدة سناء (اسم مستعار) هذا الأمر قائلة “كان الأمر في بدايته يسير وفق الطرق التقليدية من جمع تبرعات من الأعضاء العاملين أو المتعاطفين مع المعتقلين وأبناء الذين ماتوا، وتوزيعها عليهم، وهو ما كان يطبق في نظام لجان البر، لكن مع مرور الوقت واتساع دائرة الضرر تحولت لجان البر إلي لجنة تسمى المضارين، وكان لابد من البحث عن طرق غير تقليدية تكفل مصدر رئيسي للدخل للأسرة والمعتقلين، من هنا جاءت الفكرة باستثمار الأموال التي تجمع في مشروعات صغيرة، يعمل فيها أبناء وبنات المعتقلين والشهداء، وتدر دخلاً ثابتاً يمكن الاعتماد عليه، مثل مشروعات الحضانات للأطفال والأتيليهات للملابس النسائية ومشاريع النقل للشباب وغيرها،” وأضافت “أن ذلك يجعل الأموال في حالة حركة، ويستفيد بها المكلومين والمضطهدين، سواء بخدمات معنوية كالعمل أو عائد مادي بسيط يمكّن الأسر والعائلات من الاستغناء عن سؤال الناس ويكفل لهم الاستعفاف”.

وأوضحت السيدة سناء أن هذه الأدوار لم تكن تمارس بهذا النمط من جانب الأخوات، مشيرة إلى اتساع هذا النشاط بعد استهداف واعتقال الرجال المسؤولين عن لجنة المضارين في عام 2015، يضاف إلى ذلك خروج كل النساء للعمل وكذلك أبناءهم من الفتيات، وبعضهن بدأ في إدارة مشاريع أزواجهن الخاصة، كالطبيبات في العيادات والمحاميات في مكاتب المحاماة وغيرها من المهن الخاصة. ولم تعد كثير من الأخوات تجلس في البيت فقط للتربية، بل أصبحن يُعلن أسر بأكملها.

اجتماعياً تربوياً

لعل المطلع على جماعة الإخوان طوال تاريخها يعلم أن النواة الصلبة والجانب الأقوى في الجماعة هو الشق الاجتماعي، لذلك فإن التماسك الاجتماعي كان هو الشاغل الأكبر للأخوات؛ حيث شرعت الأخوات بحسب السيدة منى في “إنشاء لجنة كاملة من النساء مسؤولة عن أبناء المعتقلين والشهداء، تضع لهم برامج تربوية وتثقيفية، فالأمر ليس مقصور على الدور العاطفي، بل نحن نربي أجيال جديدة من الإخوان تحمل راية الدعوة بعد ذلك” مبينة أن هذا أحد أشكال المحافظة على كيان الجماعة، فالمهم برأيها هو “استمرار الفكرة وبناء أجيال تحملها، وهو ما يحدث حالياً، حتى لو اهتز الصف وتشتت الصفوف الأولى أو الأجيال القديمة”.

وتعطي السيدة منى مثالاً عملياً عبر أحد الأفكار الرئيسية التي تنفذها الأخوات مع الأطفال، وهي “إعادة دمج أبناء الشهداء والمعتقلين في المجتمع من خلال تنظيم رحلات أو أنشطة في الأماكن العامة وجمعيات عامة، بحيث لا يشعروا أنهم بمفردهم أو أنهم ليسوا جزء من المجتمع” ورغم صعوبة هذا الأمر إلا أنها تؤكد على أن “فكرة الإخوان قائمة على الدعوة والانخراط في المجتمع لا الانعزال عنه” مشيرة أن هناك حرص شديد على ألا يكره الأطفال والأجيال الناشئة مجتمعهم المحيط، حتى لو ظلمهم في وقت من الأوقات أو صمت نحو ما يجري لهم”.

أحد معايير تماسك الجماعة هو استمرار نظام الأسر، وتشير السيدة منى إلي أن كثير من أسر الرجال توقفت لأسباب كثيرة إلا أن أسر النساء مازالت مستمرة ولها منهجها التربوي والدعوي الذي يدرس فيها، قائلة إن “التكليفات والرسائل أصبحت واحدة ومتشابهة بين الرجال والنساء منذ أصبحن في الميدان”.

اعلامياً وحقوقياً

كانت الصورة الذهنية السلبية عن جماعة الإخوان هي من أكبر الخسائر التي لحقت بها منذ الإطاحة بالرئيس السابق محمد مرسي، في ظل غياب كوادر قادرة على لعب هذا الدور نتيجة مطاردة شباب اللجان الإعلامية أو ممن هم على دراية بمهارات الإعلام، وكانت هناك حاجة للتعريف بتأثيرات الأزمة إنسانياً على أفراد جماعة الاخوان المسلمين.

هبة زكريا الباحثة في المجال الإعلامي والمهتمة بمتابعة نشاط الإسلاميات، ترى أن أكثر من ساهم في “أنسنة قضية الإخوان مرة أخرى هن الأخوات” قائلةً إن “تركيز إعلام الأخوات على ما يجري لهن ولذويهم وقصص حياتهن اليومية ومعانتهن ساهم في إضافة بعد إنساني للقضية”.

فيما تشير تغريد أن الأخوات “عملن بشكل واعي على رفع كفاءة الأخوات في مجال الإعلام، حتى صنعن كوادر تدير صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي، ولديها قدرة على التصوير والتوثيق، ومن ثم فالجانب الإعلامي التوثيقي بالإضافة للجانب الحقوقي اضطلعت به فتيات، فكل من كانت لديها لغة أجنبية تواصلت مع الإعلام الخارجي والمنظمات الحقوقية، فيما سعت كل فتاة تخرجت في كلية الحقوق إلي العمل في مجال المحاماة، وكلها أدوار لم يكن معروف عن الأخوات لعبها من قبل بهذه الكثافة داخل الجماعة، وهي أدوار خففت كثيراً من على كاهل الأهالي سواء في استخراج تصاريح الزيارات أو توثيق الانتهاكات لذويهم”.

وتشير تغريد إلى أعمال الدعوة الفردية والدعم النفسي والطبي الذي تقدمه الأخوات خلال ممارستهن أدوارهن في المجتمع أو زيارات السجون لا يقتصر على أبناء وأهالي الإخوان فقط، فمهمة “التثبيت وزرع اليقين في النفوس تمتد للدوائر المحيطة بها”.

إدارياً تنظيمياً

ربما يعد هذا الجانب من الناحية العملية هو الحلقة الأضعف في دور الأخوات نظراً لغياب أي خبرة لهن به، لأن لوائح الجماعة لم تكن تشرك المرأة في المراكز القيادية الموكل لها اتخاذ القرارات.

لكن وفقاً لمصادر متعددة داخل الإخوان فإن بعض المحافظات لم يعد بها أي نشاط تنظيمي إخواني أو هياكل إدارية، وهو الأمر الذي سمح للأخوات بتولي مهام إدارية خاصة بإدارة تسيير الحياة اليومية لأفراد الجماعة، تشير السيدة منى إلى أن “كافة القرارات وأمور الجماعة تشارك فيها المرأة بشكل رئيسي، فالمرأة شريكة في صناعه سياسة الجماعة ورؤيتها”.

بعد انقسام الجماعة رسمياً في ديسمبر/كانون الأول الماضي إلى جبهة المكتب العام وجبهة محمود حسين وإبراهيم منير، أصبحت الأخوات الرابط المحوري بين الجبهتين، وتشرح هذا الأمر السيدة منى “ثمة اتفاق داخلي على أن يكون الإنجاز على الأرض هو الهدف للجميع، وأن يتجنبن الدخول في الخلافات الإدارية، فهن لا يميزن بين الأطفال، ولا يقمن أعمالهن على أساس هذا الخلاف”.

تقول تغريد أن الأخوات “لم يؤثر فيهم الانقسام لأنهم في ميدان عمل، وأصبحن في مواقع المسؤولية، ولديهن فكرة أوضح لاستقرار الجماعة”.  

على الرغم من كل هذه الأدوار المتداخلة والتي ساهمت في حفظ كيان الجماعة اجتماعياً بشكل رئيسي، إلا أنه لا أحد يعلم ما الذي يمكن أن يكون عليه موقع المرأة عملياٍ وفعليا داخل الجماعة مستقبلاً، فالتقديرات حول نسبة المرأة في الجماعة تتراوح ما بين 30 – 50% وفق لتقديرات متفاوتة من كوادر وقيادات في الجماعة تحدثنا إليهم، ويرى أحمد رامي المتحدث السابق باسم حزب الحرية والعدالة، أن النساء “انتزعن صلاحيتهن من خلال فرض الأدوار اللاتي لعبنها خلال الحراك طوال السنوات الماضية، وليس من خلال تغيرات في لوائح الجماعة، التي يرى أن الظرف الأمني لا يسمح بتعديلها الآن”.

إلا أن مكتب شورى الاخوان بتركيا، قد شهد انتخاب أول فتاة إخوانية داخله في آخر انتخابات له، وهي خطوة جديدة على الجماعة، لكن لا أحد يعلم مدى قناعة القائمين على الأمر بتعميم التجربة، وما إذا كانت خطوة تجميلية أم تغير أصيل في قناعات قيادات الجماعة، التي طالما سعت الأخوات لانتزاع أدوار رئيسية منهم في السابق.

اشترك في نشرتنا Read in English

عبد الرحمن يوسف

صحفي مستقل يركّز على القضايا المتعلقة بشؤون التيارات الدينية والشؤون السياسية.

شاهد أيضاً

العلاقة المتصدعة بين الطائفة العلوية ونظام الأسد

العزلة التي فرضها العلويين على أنفسهم ودعمهم القوي للنظام ضمن لهم أمنهم، إلا أنه وضع الطائفة تحت تهديد. أتى ولائهم للأسد بثمن كبير، حيث أصبحوا هدفاً لانتهاكات حقوق الانسان نظراً لصلاتهم بالنظام.

خريطة المليشيات المسلحة في طرابلس

ظهرت المجموعات المسلحة في كل ركن في البلاد، ولكن يمكن ملاحظة هذا الانتشار والتعقيد لهذه المجموعات المسلحة في العاصمة طرابلس والمناطق المحيطة بها.

ما وراء الأمن: تحديات تواجهها الدولة العراقية

نشر المجلس الاطلنطي تقريره عن أهم التحديات التي تواجهها الدولة العراقية. في هذا التقرير يتناول د. حارث حسن، كاتب التقرير، التحديات الاجتماعية-الاقتصادية وقضايا إدارة الدولة في عراق اليوم.