دور مقتدى الصدر المتغير في العراق

في خطاب ألقاه يوماً واحداً بعد اقتحام أتباعه لمبنى البرلمان العراقي، وصف رجل الدين الشيعي، مقتضى الصدر، هذا العمل بأنه دلالة على حركة عصيان مدني، للتنديد بالطبقة السياسية العراقية، والتقسيم الطائفي للسلطة والفساد بها. وقد مزق المتظاهرون الأوراق ونهبوا المكاتب، بالإضافة إلى ركلهم للأثاث يميناً ويساراً – كما أشارت بعض التقارير إلى هجومهم على الأفراد. أثناء شقهم لطريقهم داخل البرلمان، قام بعض مؤيدي الصدر بترديد “سلمية، سلمية”. وقد أمر الصدر – الذي يرتدى عمامة سوداء على رأسه للإشارة إلى أنه من سلاسة الرسول محمد – أتباعه بإخلاء البرلمان، بعض بضع ساعات من اقتحامهم للمبنى. وقد خيم هؤلاء على مسافة ليست ببعيدة عن البرلمان لبقية الليلة، وفور استلامهم لتعليمات جديدة في اليوم التالي، تفرقوا جميعاً فجأة من المنطقة الخضراء، بنفس السرعة التي تجمعوا بها. جدير بالذكر أن قوات الأمن العراقية لم تحاول ايقافهم على الإطلاق، وذلك بسبب الاحترام الذي يكنه الكثيرون ممن ينتمون للمجتمع الشيعي للصدر ذي العمامة السوداء، بالإضافة إلى الخوف من التسبب في سفك للدماء، أو الحث على المزيد من العنف.

وقد أعلن الصدر في الخطاب الذي ألقاه في يوم 2 مايو إنه سيدخل في فترة من العزلة مدتها شهران تقريباً، مانحاً بذلك فرصة للحكومة وللسياسيين العراقيين لإدخال الإصلاحات المطلوبة. وتتضمن تلك الإصلاحات – من وجهة نظر الصدر – تشكيل حكومة تكنوقراطية كاملة، وفصل المناصب التنفيذية عن نظام الحصص الطائفي المتعارف عليه حتى الآن. إن هذا التقسيم الطائفي للسلطة (والذي يتمثل في كونه نظام حصص يضمن للمجموعات الطائفية والعرقية الأساسية مكاناً في النظام ودوراً في عملية اتخاذ القرار) قد تم العمل به منذ عام 2003، في أعقاب الغزو الأجنبي، وانهيار الديكتاتورية التي أبقت الدولة متماسكة معاً قسراً. وقد دعي الصدر، أيضاً، إلى سلسلة من التصعيدات، التي تتضمن إقالة كلاً من الرئيس ورئيس الوزراء والمتحدث باسم البرلمان، بالإضافة إلى إقامة الانتخابات مبكراً أو القيام بإضراب عام.

من هو مقتضى الصدر؟

ينحدر الصدر من عائلة شيعية موقرة بالعراق، وهو ابن آية الله محمد محمد صادق الصدر. هذا الأخير هو رجل دين شيعي معروف، تم اغتياله من قِبَل صدام حسين في التسعينيات. وقد برز مقتضى الصدر لأول مرة عام 2003، لكونه قائد شعبي شاب ثائر ضد الاحتلال الأمريكي للعراق، وكانت ميلشياته المسماة بجيش المهدى متورطة بهجمات استهدفت جنود أمريكيين. منذ البداية، تناوب الصدر ما بين الهجوم على قوات الاحتلال والقادة العراقيين الذين تعاونوا معها، وما بين رغبته في الركوب على موجة التغيير، لإيجاد مكان لنفسه ضمن صفوة الحكام الجدد في العراق. أثناء محادثات خاصة في عام 2003، سألني اثنان من كبار مساعديه – وذلك لكوني المتحدث الرسمي بالخارجية للقيادة المركزية الأمريكية في بغداد – إذا ما قد تدعم الولايات المتحدة الأمريكية دوراّ للصدر في مجلس الحكم العراقي، وهو الحكومة العراقية المؤقتة التي أسستها السلطة المؤقتة الانتقالية للتحالف. وبناء على الاقتراحات المقدمة من بعض أعضاء مجلس الحكم ، فقد كانت قيادة سلطة التحالف المؤقتة مهتمة بإلقاء القبض على الصدر، أكثر من اهتمامها بالتعاون معه. في ذلك الوقت، نصح كبار القادة العراقيون بأهمية تحجيم الصدر، وتركه وحيداً، وأشاروا إلى كونه خطراً ولا يمكن التوقع بتصرفاته، وبأنه قد يكون أكثر خطورة إذا ما تم تحويله إلى شهيد. 

إن مداعبة الصدر للعنف، بالإضافة إلى التكتيكيات الوحشية لجيش المهدى، قد قادت ميليشيا جيش المهدي إلى مواجهة طائفية عنيفة ضد الجيش العراقي، تحت قيادة رئيس الوزراء إبان ذلك الوقت، نور الدين المالكي، في عام 2008. إن الصدر – الذي كان بإيران وقت معاناة جيش المهدى من الهزيمة – قد قضى حوالي ثلاثة أعوام في المنفى، الذي فرضه على نفسه، ثم عاد إلى العراق في شهر يناير من العام 2011، عندها ناشد أتباعه علانية بالكف عن استخدام العنف. وعند عودته، استعاد الصدر تأثيره السياسي، بالإضافة إلى التوصل إلى اتفاق مع المالكي، والحصول على كتلة مهيمنة بالبرلمان. بحلول عام 2014، قام الصدر بالانسحاب من الأضواء مرة أخرى، في محاولة لحماية اسم العائلة. أما اليوم، فإن جيش المهدى، الذي تم تجديده واصلاحه وتسميته بسرايا السلام، يقاتل إلى جانب الولايات المتحدة الأمريكية ضد داعش.

وقد بزغ الصدر مرة ثانية في شهر فبراير من هذا العام، وظل محتفظاً بكينونته المتمثلة في كونه قائداً شعبياً من الصعب التوقع بتصرفاته، ولكنه خاض في المسائل التي تعد قلب وأساس كل ما هو خاطئ في دولة العراق ومشاكلها القائمة منذ أمد. عن طريق مناصرة الفقراء، والقيام بعصيان مدني سلمى، بدا وكأن الصدر قد وجد سبيلاً لاستخدام الغضب الشعبي في العراق، ضد دولة فاسدة تنقصها الكفاءة، والتي فشلت مرارا وتكرارا في تصحيح مسارها، والاتحاد من أجل مواجهة التحديات التي تقف عائقاً أمام دولة العراق.

المظالم السياسية والاقتصادية

قبل اقتحام مبنى البرلمان، حاول رئيس الوزراء حيدر العبادي – والذي تسلم منصبه بخطة للإصلاح – أن يستجيب لمطالب الصدر، التي تتمثل في تشكيل حكومة لا تمثل الأحزاب السياسية. وفى 31 من مارس/آذار، أثناء القاء خطاب شكر فيه الصدر على دوره في الحث على تشكيل حكومة جديدة، قدم عبادي للبرلمان قائمة بأسماء أشخاص تكنوقراط – وهم وزراء غير منحازون سياسيا. وأشار العبادي أنه قد تم اختيارهم على أساس خبرتهم، وليس لانتماءاتهم السياسية أو الطائفية. قبل الصدر هذه الحكومة، على الرغم من احتوائها على اسمين فقط من ۹۰ اسماً اقترحهم مسبقاً، مثبتاً بذلك انه ليس مهتماً بالسلطة شخصياّ، ولكنه مهتم بالأحرى بدور في المساعدة على تشكيل حكومة اصلاح.

لقد تسبب رفض البرلمان لهذه الحكومة في الانتفاضة الشعبية. لقد قال أحد المتظاهرين في فيديو شاركته جريدة النيويورك تايمز: “إن مطلبنا الشرعي والوحيد هو اقالة الحكومة، واستبدالها بحكومة مستقلة من التكنوقراط. نحن نقول لا لهم ولنظام حصصهم.”

وقد تمت الإشارة إلى مظالم أخرى في الشعارات التي رفعها مؤيدي الصدر في الأول من مايو/آيار. فبالإضافة إلى المطالبة بحكومة مكونة من التكنوقراط، فقد طالبوا أيضاً بإصلاحات مناهضة للفساد. يصنف مؤشر الشفافية الدولية العراق الدولة رقم 170 من بين 175 دولة، تم تصنيفها طبقا لمستويات الفساد فيها في عام 2014. أما في عام 2015 فقد ذكر تقرير مؤشر الشفافية الدولية أن “الفساد في النظام العسكري وقوات الأمن وتهريب البترول قد ساهم في التحدي الأمني الكبير، الذي تواجهه الدولة الآن في صراعها ضد داعش.” يضيف التقرير أن الاستيلاء على الموصل عام 2014 قد تم تسهيله بسبب انتشار المحسوبية والمحاباة، مدعياً أن رئيس الوزراء المالكي قد قام بتعيين جنرالات قريبين منه، وأن عدد الجنود في القوات المسلحة العراقية قد تم تضخيمه عمداً من قِبَل كبار الضباط ومسئولي الحكومة، ثم قاموا بالاستيلاء على الأموال المخصصة لهؤلاء “الجنود الأشباح” الذين كان من المفترض بهم أن يحرسوا الحدود العراقية والمدن من أي هجوم خارجي. وبعد 13 عام من سقوط صدام، يشتكي العراقيون غالباً من انقطاع الكهرباء المتكرر والذي أصبح جزءاً من الحياة اليومية – باستثناء المرافق والمنازل المملوكة لمن هم في السلطة. الدليل على رفض هذه الممارسات هو ما ردده الأفراد، الذين احتلوا البرلمان في الأول من مايو/آيار، حيث نادوا قائلين: “حرامية، حرامية.”

الصلات مع نصر الله

قبل أن يبعث الصدر بأتباعه إلى المنطقة الخضراء مباشرة، سافر إلى بيروت، للتشاور مع حسن نصر الله، الأمين العام لحزب الله – والذي يكن له قادة الشيعة الاحترام. ولم يخجل الصدر من التعبير عن اعجابه الشديد بنصر الله، واصفاّ نفسه ذات مرة بكونه اليد الساحقة لحزب الله بالعراق. وقد امتلأ خطاب الصدر الأخير بالمراجع القرآنية، والتي استخدمها في الغالب ليعكس تحسن معرفته بالعلوم الدينية، والتي اكتسبها من دراساته الأخيرة بإيران. وقد قام بإلقاء خطابه على طريقة نصر الله، ابتداء بحركات يديه وانتهاء بالتركيز على مصالح الأفراد الذين يمثلهم، بدلاً من أي طموح شخصي خاص به.

إن تأثير نصر الله قد يكون ايجابياً أو سلبياً، وذلك يعتمد على اختيار الصدر فيما يتعلق بكيفية استخدام هذا التأثير. إن واقعية نصر الله قد تغرى الصدر بالاكتفاء بممارسة تأثيره من خلف الستار، دون اغتنام السلطة مباشرةً. فقد قال الصدر في خطابه الأخير – وفى بعض المناسبات السابقة – بأنه يرغب فقط بالتأثير على الحكومة بدلاً من تغييرها. وفى حين تشير كافة الدلالات إلى الالتزام بحركة خالية من العنف، فسوف نرى إذا ما كان مقتضى الصدر، الشغوف والشاب نسبياً، استوعب في الأعوام الأخيرة ما يكفي من الحكمة السياسية، ليؤثر سلمياً على ممثلي السلطة في بغداد، أم إذا ما كان سيسارع إلى الاستفادة من شعبيته، ويعجل بمواجهة عنيفة في بيئة عراقية متوترة ومعقدة.

Read in English

نبيل خوري

كبير باحثين غير مقيم في مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط. بعد خمسة وعشرين عاما في خدمة الخارجية الأمريكية، تقاعد خوري في عام 2013، على درجة وزير مفوض. وخدم خوري كنائب رئيس بعثة في السفارة الأمريكية باليمن بين 2004-2007.