التجنيد في المغرب: عملية غير منتهية

التجنيد في المغرب: عملية غير منتهية

سارة العلوي وليلى حنفي

اشترك في نشرتنا

لو تم تمريره عن طريق برلمان الدولة ذات الغرفتين، فإن مشروع القانون العاجل رقم 44.18 سوف يعيد تفعيل نظام الخدمة العسكرية الإلزامية للرجال والنساء في المغرب الذين يتراوح أعمارهم بين 19-25 عاماً بنهاية العام القادم. تم الإعلان عن مشروع القانون في نفس يوم خطاب الملك محمد الخامس بمناسبة الذكرى الـ 65 لثورة الملك والشعب – الموافق يوم العشرين من أغسطس/آب من كل عام، وهو أجازة رسمية احتفالاً بنقطة التحول المفصلية في تاريخ كفاح الدولة من أجل الاستقلال عن فرنسا – والذي ناشد فيه الأمة والحكومة من أجل مواجهة، بصورة عاجلة، مشاكل الشباب المستمرة، من قبيل البطالة والكسل ونقص الفرص.

النص النهائي للقانون لم يتم تمريره بعد، لكنه بالفعل خلق حالة من التخبط والنقاش فيما يتعلق بمستقبل السكان المغاربة، الذين يتساءلون عن كيف ستؤدي الخدمة العسكرية الإلزامية إلى مواجهة المشاكل الاقتصادية والاجتماعية المتفاقمة، والتي تبقى في مقدمة ومركز أولويات الشباب المغربي. خطاب المسئولين فيما يتعلق بالتجنيد العسكري المنتظر يصور، بشكل كبير، القانون المقترح في سياق تحسين الوطنية والمواطنة بين الشباب. إلا أن – لو كانت هذه هي إجابة الحكومة – على الحكومة أن تتخذ خطوات لتوضح بصورة أفضل الفوائد المزعومة للتجنيد، وتوجيه هواجس المواطنين من خلال أليات المشورة القانونية المؤسسية في البلاد.       

لو تم تمرير قانون التجنيد، فإنه سوف يواجه بيئة مليئة بالتحديات. على الرغم من النمو الكلي في الدولة، إلا أن الأرقام توضح أن 29.3% من الشباب المغربي بين 15-24 عاماً لا يعملون وليسوا ملتحقين بالتعليم ولا يشاركون في أي نوع من التدريب أو التنمية المهينة. وقد شهد العامين الماضيين توترات متصاعدة في المغرب، حيث انتشرت المظاهرات – التي قادها بصورة أساسي الشباب – حول الظروف الاجتماعية والاقتصادية في الريف الشمالي في مدينة الحسيمة ومدينة جرادة ذات الموارد الطبيعية. هذه الأرقام، مصحوبة بخطاب الملك الذي يطالب فيها بأن تنتج البرامج الاقتصادية والاجتماعية خيارات أفضل للشباب، أوضحت أهمية خلق مستقبل أفضل للسكان. في ظل هذا السياق، يبدو أن مشروع القانون الجديد غير مبالٍ – من خلال معالجة أمور عرضية مرتبطة بالوطنية والمواطنة مع تجنب القضايا الضاغطة من قبيل العمالة والفرص الأساسية.   

في تصريحات رسمية أكدت الحكومة أن مشروع التجنيد سوف يحسن من شعور الشباب المغربي بالمواطنة والمسئولية تجاه الوطن، وسوف يسمح لهم بالمساهمة في تنمية البلاد. هذا المعنى مُصاغ في المادة 38 من الدستور، والتي تكلف الرجال والنساء بالدفاع عن الدولة ووحدتها الإقليمية. الخدمة العسكرية قد تستمر لمدة أثنى عشر شهراً، وستوفر نفس المزايا التي يحصل عليها المنتسبين للقوات المسلحة بصورة مهنية، ويتضمن ذلك رواتب وسكن وتأمين صحي. التهرب من الخدمة العسكرية سوف يكون مُجَرم بالحبس لمدة ثلاثة شهور وغرامة تتراوح بين 200-300 دولار أمريكي. الاستثناءات سوف تشمل المواطنين المتزوجين والافراد الذين يعانون من إعاقة أو مرض جسدي، والأفراد المسئولين عن رعاية عائلاتهم مالياً، والشباب المسجونين لأكثر من ستة أشهر أو لديهم سجل إجرامي حديث.   

حينما تم الإعلان عن مشروع القانون، كان هناك تخبط حول ما إذا كان المواطنين الذين يحملون جنسية مزدوجة يمكن أن يؤدوا الخدمة العسكرية الإلزامية. منذ ذلك الحين، أوضح بعض المسئولين أن واجب الخدمة العسكرية ينطبق على المواطنين المقيمين داخل البلاد. وبدلاً من الإجابة على تساؤلات حول مشروع القانون بصورة مجزأة، هذ المناقشات يجب أن تتم كجزاء من حوار رسمي أكبر.

مشروع القانون هذا ليس أول محاولات المغرب فيما يتعلق بالخدمة العسكرية الإلزامية. في 9 يونيو/حزيران 1966، فرض أمر ملكي خدمة عسكرية اجبارية لمدة ثمانية عشر شهراً – وبصورة اختيارية للنساء – وقد تم تقليل هذه المدة لاحقاً لـ اثنى عشر شهراً. في عام 2007، قام الملك محمد الخمس بإلغاء الخدمة العسكرية الإلزامية بصورة استثنائية، وهو أمر فسره محللون بأنه نتيجة خوف من أن مجموعات إرهابية يمكن أن تخترق القوات المسلحة المغربية. وعلاوة على ذلك، قانون التجنيد لم يكن مطبقاً بصورة كافية نتيجة لضعف الموارد الحكومية. هذه التحديات أيضا تواجه مشروع القانون الجديد، مع وجود انتقادات بالفعل تشير إلى أن هذه الموارد يمكن أن توجيهها بدلاً عن ذلك إلى النظام التعليمي والتدريب المهني، وهى أمور يمكن أن تساعد في غرس نفس القيم والمسئولية تماماً كما يمكن أن تفعل القوات المسلحة.  

الموافقة على القانون داخل الحكومة تم في وقت غير مسبوق بدون أي حوار عام أو مشاورات لمناقشة نصه، ولذلك جاء كمفاجأة للعديدين. بدون وجود نسخة نهائية لدراستها، بدأ العديد التكهن بمحتوى القانون. ربما أكثر النقاط جوهرية فيما يتعلق بمشروع القانون هو أن الجنود سوف يتم تجنيدهم بواسطة الدولة ولن يتم ادراجهم بصورة طوعية، وهو أمر محفوف بالخطورة خاصة في ظل العلاقة المتوترة بين الشباب والدولة. ويعرب البعض عن قلقهم من أن اجبار النساء على التسجيل في الخدمة العسكرية سوف يثير غضب العائلات المغربية الذين قد لا يرغبون في رؤية بناتهم يخدمون وسط الرجال. البعض الأخر من المغاربة لديهم هواجس من أن التجنيد سوف يؤثر بصورة غير متوازنة على الأفراد من الطبقات الاجتماعية الأقل، وظهرت شعارات من قبيل “الوطن للأغنياء والوطنية للفقراء”. تم انشاء صفحة على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك تسمى “التجمع المغربي ضد الخدمة العسكرية الاجبارية“، ونشر أعضائها بالفعل بياناً ضد القانون 44.18 يدفع بأن ملايين الدراهم (حوالي 300 مليون دولار سنوياً) سوف يتم تخصيصها للتدريب العسكري، بدلا عن ذلك يمكن تخصيص هذه الأموال للاستثمار في التنمية الاجتماعية-الاقتصادية للشباب. الصفحة وصل عدد أعضائها إلى أكثر من 15 ألف عضو ومئات المنشورات خلال الشهر الماضي فقط.    

بعض المغاربة الأخرون يرون قيمة في الخدمة العسكرية الاجبارية. على الرغم من عدم رضاء الشباب، هؤلاء الأفراد يرون أن مشروع القانون هو مبادرة مهمة من أجل تزويد الشباب بمسار مهني ذا معنى ومهارات وفرص لخدمة الوطن. المادة 6 من مشروع القانون تشير إلى أن المجندين ذوي المهارات الفنية والمهنية يمكن أن يتم أعطائهم أدوار إضافية في القوات المسلحة من أجل تطوير مسارهم المهني. في حين أن غالبية دول العالم تخلت عن نظام الخدمة العسكرية الإلزامية، فإن دول أخرى في العالم العربي عادت لهذا النظام في السنوات الأخيرة، بما فيها الامارات العربية المتحدة وقطر والكويت. وفي حين يتمتع بعض المجندين بفرص التوظيف كجزء من البرنامج. العديد من هذه المبادرات في دول الخليج لم يتم خلقها لتعالج مباشرة بطالة الشباب. تقوم الدول بتفعيل التجنيد الاجباري كجزء من مشروعات الهوية الوطنية، ومن أجل زيادة الوطنية والمسئولية لدى الشباب الذكور الذين نشأوا في دول ريعية.

المغرب ليس دولة ملكية بترولية وبطالة الشباب تبقى على قمة أولوياتها. وفي حين تعترف الدولة بهذه الحقيقة، فإنها لم تحصد بعد ثمار البرامج الاقتصادية والاجتماعية القائمة بالفعل والتي تستهدف الشباب. لو أن الحكومة تريد أن تستخدم التجنيد كوسيلة لتمكين الشباب بقيم ومهارات لجعلهم مواطنين أكثر قدرة وجعلهم محركات اقتصادية، فإن الخطوة المركزية الأولى في هذا السياق يمكن أن تكون حوار متعدد الأطراف حول مشروع القانون مع الشباب صاحب المصلحة والمجموعات الاستشارية. هذا الحوار يمكن أن يُشرك المستهدفين من هذا القانون – الشباب المغربي – حول احتمالات قيام القانون بتشكيل قيادة الشباب والتنمية وادماجهم في الخدمة العسكرية، وربط ذلك بالإصلاح التعليمي. وكما هو واضح، لا يحدد القانون كيف يمكن أن تكون القوات المسلحة متوائمة مع استراتيجية تنمية متماسكة للشباب، ومن المحتمل أنه بدلاً من ذلك أن يؤدي إلى مزيد من التدهور في العلاقة بين الشباب والحكومة. ولو أن ردود الفعل للإعلان المبدئي عن مشروع القانون تشير إلى الرأي العام المغربي، إذاً فإن النسخة الثانية من القانون يمكن أن تستفيد من جعله شاملاً لآراء الشباب، وأن يكون أكثر استجابة لهواجسهم المشروعة فيما يعلق بالتجنيد.  

اشترك في نشرتنا English

مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط

بقيادة خبراء مقيمين، يقوم مركز رفيق الحريري بدراسة قضايا حل النزاعات وإعادة الإعمار/الإصلاح الاقتصادي، والتغيرات المجتمعية.

شاهد أيضاً

خيارات مصر في تنمية السد الأثيوبي

في عام 2013، اعتراف الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بأن نهر النيل أصبح بصورة سريعة أكبر تهديد لأمن مصر. على الرغم من جهودها الدبلوماسية في مختلف الدول في الإقليم

بعد ثلاث سنوات: تطور التدخل العسكري الروسي في سوريا

اليوم منذ ثلاث سنوات بدأ التدخل الروسي في سوريا، هذا التدخل الآن يشير إلى استمرار زيادة النفوذ الروسي في سوريا، خاصة في سياق مناطق خفض التصعيد وعملية الاستانة للسلام، ومؤخرا المناطق منزوعة السلاح في محافظة إدلب.

ماذا تعني المظاهرات المتجددة في العراق؟

أعادت الاضطرابات المدنية تركيزها على حيدر العبادي وحزب الدعوة الإسلامي. تشير المظاهرات الجارية هذا الشهر في جنوب مدينة البصرة إلى مشكلة تواجهها الحكومة الفيدرالية العراقية وتنذر بنهاية وجود العبادي في منصب رئيس الوزراء، في الوقت الذي يسعى فيه إلى الحصول على فترة ثانية.