الدور الأمريكي في كردستان ما بعد الاستفتاء

الدور الأمريكي في كردستان ما بعد الاستفتاء

بمجرد أن التزمت الولايات المتحدة بشكل كامل بهزيمة تنظيم داعش، فإن الزوال النهائي للتنظيم في كل من العراق وسوريا ليس موضع شك. لكن القضية هي ماذا سنفعل عقب يوم من ذهاب تنظيم داعش؟ على وجه الخصوص، كيف يمكن الانتقال بالشرق الأوسط لمرحلة ما بعد داعش ومواجهة القضايا الطائفية الشائكة والخطوط العرقية التي تسببت في ظهور التنظيم في المقام الأول.

صناع القرار الذين يفكرون في أن لدينا رفاهية الوقت للتفكر في تحديات ما بعد داعش، مع الوضع في الاعتبار أن الهزيمة الشاملة لتنظيم داعش لم يتبق عليها سوى أشهر، يرتكبون خطأً فادحاً. إن اليوم الأول بعد داعش يبدأ اليوم، وقت أن بدأت حكومة كردستان الإقليمية في طرح استفتاء على الاستقلال. إن الاستقلال الحقيقي سيحتاج إلى أكثر من استفتاء، أما التصويت فهو مجرد تصويت على ما إذا كان عليهم أن يكونوا دولة مستقلة أم لا، تاركين آلية التنفيذ ليوم آخر.

إلا أن سياسة الولايات المتحدة، حتى الآن، كانت دائما محدودة في إقناع الأكراد بتأجيل الاستفتاء، مجادلين بإن هذا الاستفتاء يمكن أن يشتت الانتباه عن الحرب ضد تنظيم داعش، وبالفعل أجل الأكراد الاستفتاء حتى انتهاء معركة الموصل. أما الآن فإن الأكراد قاموا، مع غياب الضمانات الأمريكية لدعم إطار زمني بديل، بعقد الاستفتاء. إذن، بالرغم من أن الولايات المتحدة وحلفاء آخرين بذلوا قصارى جهدهم للحيلولة دون هذا الأمر الحتمي أو تأجيله، فها نحن نواجه أول تحديات مرحلة ما بعد داعش.

إن الاستفتاء يمكن أن يغير الجغرافية والسياسة والاستقرار بشكل درامي في المنطقة، فتركيا وإيران وبغداد يعارضون بقوة هذا الاستفتاء. كما أن الميليشيات الشيعية المدعومة من إيران في العراق بالفعل اشتبكت مع قوات البشمرجة في كركوك وفي مناطق أخرى محل نزاع في شمال العراق. هناك العديد من القادة الأكراد توقعوا أن أول معركة لهم عقب الاستفتاء سيكون مع هذه الميليشيات المدعومة من إيران. وبينما يخيم الغموض على فترة ما بعد داعش، يمكننا التأكد من شيء واحد: هذا الاستفتاء سيكون شرارة لردود أفعال عنيفة من هذه الميليشيات وآخرين ممن يعارضون استقلال الدولة الكردية. كما أن الاستفتاء يعقد في مناطق نزاع – المناطق التي تدّعي كل من بغداد والحكومة الكردية ملكيتها – مما يزيد من احتمالية القتال الداخلي.

موافقة الولايات المتحدة على توقيت هذا الاستفتاء من عدمها أمر غير هام. مع ملاحظة هذه الحقيقة، ماذا يمكن للولايات المتحدة أن تفعل عقب الاستفتاء الكردي؟

أولا، المبادرة بالانخراط البناء أمر غاية في الأهمية، إن قرار البدء في إجراءات الاستفتاء قد فاقم التوترات الحادة الموجودة بالفعل بين بغداد وأربيل. منذ عام 2003 وحتى عام 2011، وقت أن انتشرت القيادات والقوات الأمريكية في العراق، كلما حدث اشتباك بين قوات البشمرجة الكردية والقوات العراقية، كان التدخل الأمريكي هو ما يحول دون تحول هذا النزاع إلى العنف. حين ظهر تنظيم داعش في العراق عام 2014، مرة أخرى، كانت القيادة الأمريكية هي التي تبني ائتلاف، وترغم بغداد وأربيل على التعاون في القتال لهزيمة التنظيم. في هذه النزاعات السابقة بين بغداد وأربيل، كان الانخراط المباشر والقيادة الأمريكية هما اللذان شكلا الفارق.

لا يمكن للولايات المتحدة أن تظل في حالة إنكار بأن الدولة الكردية على طريق لا عودة فيه، لقد تجاهلت الولايات المتحدة الواقع على الأرض من قبل، فقد أخطأت في عام 2011 مع تنفيذها الانسحاب الكارثي لكل القوات الأمريكية، وبعد ذلك في عام 2014 حينما لم تنتبه الولايات المتحدة لصعود تنظيم داعش وحملته الناجحة. نعم، يمكن أن نستمر في مقاومة نتائج الاستقلال الكردي والاعتماد على الأمل في العقل، والفشل مجدداً في التصرف، والتعايش مع النتائج التراجيدية لعدم التحرك الأمريكي.

يجب أن تقبل الولايات المتحدة حتمية وشكل مخرجات عمليات الاستفتاء. وحدها فقط الولايات المتحدة التي تتمتع بعلاقات ثقة مع كل من بغداد وأربيل، ما يمكنها من المساعدة على إدارة وتوجيه، بشكل بناء، هذه المفاوضات والعمليات التي حتما ستتبع انتهاء الاستفتاء.  إن الوجود الأمريكي أمر لا غنى عنه في هذه العملية، كما أنه من مصلحة الولايات المتحدة الاستراتيجية أن تقوم بتشكيل “اليوم التالي” في هذه المنطقة لأسباب واضحة: مكافحة النفوذ الإيراني واستكمال هزيمة تنظيم داعش، إلى جانب أسباب أخرى كثيرة.

ثانيا، فإن الأكراد يحتاجون مساعدة من أجل تنمية المؤسسات وآليات الدولة بصورة أكبر، على الولايات المتحدة العمل مع الأكراد على تسهيل هذا الانتقال الداخلي نحو دولة مستقلة فاعلة.

ختاما، فإن على الولايات المتحدة الاستمرار في الدفاع عن الأكراد، فهم كانوا أكثر حلفاؤنا قوة وولاء في هذه المنطقة المليئة بالمشاكل، والولايات المتحدة تلقى الاحترام من الأكراد بسبب حمايتها للشعب الكردي، المتفوق والمكافح، من تهديدات تتراوح ما بين مذابح صدام وحتى وحشية تنظيم داعش البدائية. علينا إيضاح أننا سنستمر في تأمين الحماية للأكراد مستقبلاً.

مما لا شك فيه أن ولادة كردستان مستقلة سيكون أمراً صعبا ويحتاج إلى وسيط موثوق فيه. على الولايات المتحدة مواجهة الواقع، والاستعداد للقيام بهذا الدور.

اشترك في نشرتنا English

مايكل بابيرو

جنرال أمريكي متقاعد خدم في العراق، وهو القائد السابق لبعثة الناتو للتدريب في العراق، بابيرو كان عضو مجموعة عمل مستقل العراق التابعة للمركز.

شاهد أيضاً

أزمة المياه: كيف تم تحويلها إلى سلاح في الصراع اليمني

يظل الموقف شديد الخطورة، خاصة بالنسبة لليمن، حيث أدى تحويل المياه لسلاح إلى وصول الصراع لحالة حرجة. تقدر الأمم المتحدة أن 14 مليون نسمة، نصف سكان اليمن، يواجهون حالة ما قبل المجاعة. تعد المياه واحدة من أوجه الصراع المعقد هناك، ويظل من الصعوبة تحديد إلى مدى قد أدت إلى مزيد من العنف.

الترحيل غير الشرعي للاجئين السوريين في تركيا

مع استمرار السلطات التركية في رفض إعادة فتح مراكز استقبال الحماية المؤقتة منذ أكثر من عام في معظم الولايات الحدودية، ووقف منح الفارين من الحرب بطاقة الحماية المؤقتة التي تخول صاحبها حق البقاء والحصول على الرعاية الطبية والدراسة والمساعدات الاجتماعية، يعيش آلاف اللاجئين السوريين في تركيا هاجس الترحيل القسري بشكل دائم.

إعادة احياء محادثات السلام في اليمن: ماذا بعد؟

مع ارتفاع عدد القتلى في الحرب الأهلية في اليمن، فإن الحاجة الماسة للسلام تتناقض مع الآمال المتفرقة في عملية سلام. بعد أشهر من التأخير، أعلنت قوات الحكومة والمتمردين في يوم 19 نوفمبر/تشرين الثاني نيتهم تجميد العمليات العسكرية بصورة مؤقتة