تحدي الشرعية في الشرق الأوسط

جرافيتي من مصر

واحدة من الذكريات الدراسية القليلة التي ظلت في ذهني من وقت دراستي الجامعية غير الملهم ترتكز على صف في السياسات المقارَنة. كان الأستاذ يلقي محاضرة عن السياسة الحديثة – المقصود بها أواخر الستينات – في الشرق الأوسط، وبقيت الكلمات التالية في ذاكرتي لفترة طويلة على مدار نصف قرن “سيداتي وسادتي، ما يزال هناك سؤال في حاجة إلى جواب في معظم دول العالم العربي: ماذا بعد السلطان – الخليفة العثماني – كمصدر للشرعية السياسية؟” وما زال هذا السؤال بدون إجابة عملية بعد مضي قرابة خمسين عاماً على طرحه.

تعني كلمة “شرعية” كما وردت هنا، الاتفاق الحاسم والإجماع بين المواطنين على قواعد اللعبة السياسية في دولة ما. على سبيل المثال قد يجادل المؤرخون إلى الأبد بشأن مزايا قرار المحكمة الأمريكية العليا في ديسمبر/كانون الأول 2000، الذي أنهى إعادة فرز أصوات الناخبين في ولاية فلوريدا، ومنح الرئاسة لجورج بوش الابن. ولكن في 20 يناير/كانون الثاني 2001، أدى جورج بوش اليمين الدستورية وأصبح الرئيس. لقد قالت المحكمة العليا كلمتها، ومن كافة الجوانب العملية وافق كل أمريكي واعٍ سياسياً على أن لجورج بوش الابن الحق في أن يؤدي اليمين الدستورية.  وطوال سنواته الثماني في الرئاسة، لم يجادل أي أمريكي ممن كانوا ضد سياساته الخارجية أو الداخلية، في حقه بتولي المنصب وأداء مهامه. إن الأمريكيين يتفقون على قواعد اللعبة السياسية، فالنظام شرعي، ومن ثم فهو مستقر، وفي أغلب الأحيان يعد منتجاً، فيما يتعلق بالصالح العام. 

ولقرابة 400 عام في قلب الإمبراطورية العثمانية، تجسدت الشرعية السياسية في السلطان-الخليفة، كان هناك سلاطين جيدين وآخرين سيئين، ووزراء جيدين وآخرين أشرار فاسدين، ومع ذلك كان هناك إجماع عملي  – حتى بين الأقليات المعترف بها والتي كانت تخضع للحكم الذاتي إلى حد كبير – بأن للسلطان الحق في يكون سلطاناً، وقد وهنت الشرعية العثمانية بمرور الوقت، واختفت تماما هي والامبراطورية ذاتها في العشرينات من القرن الماضي. وهنا يكمن السؤال: مع ذهاب السلطان-الخليفة، ماذا يحل محله كمصدر للشرعية السياسية؟ 

لقد رجح الربيع العربي في 2011 الجواب الذي يجب أن يسود في نهاية الأمر، إذا ما أرادت الدول العربية تحقيق الشرعية المنهجية، أي أن موافقة الشعب هي مصدر الشرعية السياسية. ومن بين الدول العربية التي شملها الربيع العربي، ربما تكون تونس هي الوحيدة التي تسير بشكل دستوري وعملي، للتأسيس داخلياً لأن تكون موافقة الشعب هي مصدر الشرعية السياسية، ولكن حتى هناك فالنتائج غير مؤكدة. وفي سوريا رد بشار الأسد بالقتل الجماعي، على الاعتقاد السائد بأنه يحكم دون شرعية. وفي العراق حاول نوري المالكي استبدال سلطوية الأغلبية الطائفية بالشرعية. وفي اليمن وليبيا يحق للجميع أن يشاركوا على أساس الغياب التام لأي إجماع على قواعد اللعبة الأساسية.

أين توجد الأنظمة الشرعية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا؟ قد يرى البعض أن الملكيات الدستورية والبرلمانية في المغرب والأردن تتمتع بالشرعية، أي أن هناك اتفاق عملي بالإجماع بأن للملوك الحق في الحكم، وأن للبرلمانات الحق في الإدارة، بغض النظر عن مدى كفاءاتهم أو مدى شعبية العناصر السياسية من الأفراد أو السياسات بكلا الجهتين. هل من مكان آخر؟
في مصر، يبدو أن الرئيس عبد الفتاح السيسي يتمتع بدعم شعبي قوي، ويرى الكثير من المصريين أن الإخوان المسلمين المعزولين قد استحقوا بجدارة الإحاطة بهم من السلطة. ومع ذلك إذا رأت أقلية ملحوظة من الشعب بأن الرئيس مسجون دون وجه حق، وأنه لا يحق لمن يشغل المنصب حاليا أن يحكم، فهل يمكن اعتبار النظام غير شرعي؟ مرةً أخرى تتطلب الشرعية إجماعاً ظاهرياً على قواعد اللعبة السياسية. ويبدو أن كثيراً من المصريين – إن لم يكن أغلبهم – قد ساندوا تحرك الجيش في يوليو/تموز 2013. إلا أن حكم الأكثرية لا يمكنه أن يؤمن ذات الاستقرار والإنتاجية الذي تؤمنه شرعية تعكس موافقة الشعب. هل لدى الرئيس السيسي وأولئك الذين ينكرون حقه في الحكم الرغبة الفعلية في أن يكون الحكم بالشرعية هو ما يؤول إليه الوضع السياسي في مصر؟ أم أن حكم الأغلبية وقمع الأقلية كاف لأحدهما أو للإثنين معاً؟ وهل تعد موافقة الشعب – بأكمله – في مصر ممكنة على الإطلاق في المستقبل القريب؟

ربما تكون تونس على الطريق الصحيح للشرعية، غير أن نتائج تجربتها الجارية في موافقة الشعب هي أبعد ما تكون عن التأكيد. وقد لا يكون الإجماع الهش بين الإسلاميين والعلمانيين التونسيين كافياً لتحمل خيبة الأمل تجاه الديمقراطية، بسبب الظروف الاقتصادية والأمنية المتداعية.

ولكن أين أيضا؟ في سوريا والعراق خلق الغياب المزمن للشرعية فراغاً عابر للحدود القومية، يملأه الآن كيان سياسي-إجرامي قوي له قدرة على الجذب، يعتمد على مفردات من الإسلام يدعي بها الشرعية في هيئة واسم من أعلن أنه الخليفة. وفي ليبيا واليمن تشهد الدولة حالة تفتت. وفي البحرين تعتبر الغالبية المقموعة النظام ذاته غير شرعي. وفي دول خليجية أخرى على المرء أن يخمن حالة الشرعية. وربما في ملكيات أخرى، مثل قطر وعمان والإمارات والسعودية والكويت، يرى الشعب بأكمله بأن له الحق في الحكم. من يدري؟ ليست هناك أية عمليات سياسية شفافة. 

إن ضمان موافقة الشعب كمصدر للشرعية السياسية يعني ما هو أكثر من انتخابات حرة ونزيهة، لأن الأمر لا يقتصر على مجرد انتخاب هذه الحكومة أو تلك، بل يتعلق بقبول الشعب لقواعد اللعبة السياسية. ويعني ذلك بناء أُطر ومؤسسات دستورية – حكومية وغير حكومية – تحمي المواطنين من جشع واستبداد الحكام وحلفاءهم من النخب الاقتصادية والدوائر الدينية. ويعني ذلك بناء مجتمعات مدنية تدعو إلى وتتمسك بحكومة شاملة وغير طائفية من قاعدة الهرم إلى رأسه. ويعني ذلك دعم شبكات الأفراد والمنظمات غير الحكومية، التي تعمل لترسيخ الطرح بأن الشرعية تنشأ من موافقة الشعب، أي أنها ليست أمراً يدعيه خليفة زائف أو جنرال أو زعيم طائفي أو قبلي، وبعدها تُفرض من خلال القمع. إن المواطنة، في نهاية المطاف، تأتي مع حقوق وواجبات ثابتة.

إن توفير الدعم الخارجي لشبكات من الأفراد والمنظمات غير الحكومية، الساعية لضمان سيادة القانون، لترسيخ وإعلاء وحماية موافقة الشعب كمصدر للشرعية السياسية، قد يحمل مخاطر ويصعب التنبؤ به في بعض الأحيان. فوفقاً لمواقف الحكام تجاه الموافقة الحقيقية، يمكن أن يُفسّر هذا الدعم إما بكونه مفيداً أو تخريبياً، وغالبا ما يكون هؤلاء الحكام إما قد ورثوا، أو ساعدوا في إنشاء أنظمة سياسية يسود فيها الفساد، وعدم الكفاءة والسلطوية. فالأدوات المتوفرة لديهم للتعامل مع المشاكل الاقتصادية الملحة – التي تحرم الشباب خريجي الجامعات من الفرص الاقتصادية – هي في الغالب غير ملائمة، كما هو الحال في الجامعات نفسها. وغالباً لا يمكن مقاومة إغراء خلق واستغلال الاحتقان القومي أو الطائفي تجاه حكومات الغرب، التي تدعم المجتمع المدني في الداخل ومبادرات سيادة القانون.

وبالفعل فإن مهمة جعل موافقة الرعية على الحاكم المصدر الفعلي للشرعية في العالم العربي، تقع على عاتق العرب أنفسهم. وبطبيعة الحال سيستغرق الأمر أجيالاً. وبالنسبة للحكومات الخارجية الراغبة في المساعدة، فهناك مسارين يبدوان مناسبين (إذا نحينا جانباً التدخل العسكري في حال وقوع فظائع إنسانية وتهديدات إرهابية عابرة للحدود). الأول المساعدة في تنظيم المساعدات الاقتصادية تجاه الإصلاح الاقتصادي، في بلدان تواجه بطالة سائدة للشباب، وانخفاض مستويات التوظيف (ويعني ذلك مساعدة العرب في إقامة اقتصادية تتوفر فيها الفرص لجميع المواطنين، وليس فقط للنخب ذات الصلات السياسية). والثاني هو الدعم المالي للمؤسسات الغربية غير الحكومية، التي تعمل لتسهيل بناء شبكات للعمل تجاه موافقة الشعب بين الأفراد والمنظمات. 

وبالنسبة للمنظمات غير الحكومية الغربية التي تسعى لمساعدة الأفراد والمنظمات العربية – وفي بعض الأحيان المؤسسات الحكومية – على بناء الشبكات والقدرات، يجب مقاومة إغراء “تحويل كافة الأمور إلى مشروعات”. إن تأمين مصادر مالية لتمكين مناصري سيادة القانون من دعم أنفسهم وعائلاتهم أثناء تقدمهم في عملهم، وهم بصدد إنشاء منظماتهم أو دعمها، قد يبدو تطبيقاً أكثر مباشرة وفعالية للموارد، بدلاً من محاولة فرض مشروعات صممت في الخارج عليهم.  إن الاستثمار في الأفراد الذين يؤيدون القيم الصحيحة، ويدعمون المؤسسات التي يمكنها احتواء مثل هؤلاء الأفراد، قد يكون أفضل الطرق لترك الأثر الصحيح المنطقة. 

هل “موافقة الشعب” هي بالفعل إجابة السؤال الذي طرحه أستاذ الجامعة قبل حوالي خمسين عاماً؟ إن لم تكن؟ وإذا كانت مجرد ظاهرة غربية نشأت من وثيقة الماجنا كارتا أو الثورة الفرنسية، أو مكان آخر – إذن ما هو البديل بالنسبة للعالم العربي؟ بالنسبة للنسيج البشري الثري الكائن في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، قد يبدو أنه لا يوجد من يمكنه إعداد نظم للدول يتفق فيها الجميع تقريباً – بغض النظر عن الجنس أو المذهب أو الهوية العرقية – على قواعد اللعبة السياسية، بدون هذه الموافقة، فسيصعب على الدوام الحكم على نحو جيد ومستقر وفعال، وبدونها سيظل التقدم الاقتصادي المستدام للجميع مراوغاً. وبدونها سيبقى السؤال نفسه – ماذا بعد السلطان-الخليفة كمصدر للشرعية السياسية – بلا إجابة وافية ربما لخمسين عاما أخرى. 

Read it in English

فريدريك هوف

مدير مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط، حيث تركز اهتماماته البحثية على الصراع السوري. وهو خبير بارز في قضايا الشرعية السياسية في سوريا والشرق الأوسط.