الوضع الطبي في إدلب والمعركة المحتملة هناك

سوريون في انتظار الرعاية الطبية بعد هجوم على المناطق الشرقية في حلب في 24 سبتمبر/أيلول 2016. المصدر: كرم المصري لـ AFP.

الوضع الطبي في إدلب والمعركة المحتملة هناك

اشترك في نشرتنا

يعد القطاع الطبي أحد أهم مقومات الحياة في أي منطقة، وفي حال انهياره، يمكن أن تنهار المنطقة بكاملها. وهو ما جرى خلال السنوات الأخيرة في سوريا، حيث كان سقوط القطاع الطبي في منطقة معينة يعني سقوط المنطقة المُستهدفة بيد النظام السوري وقواته. إن المنظومة الصحية في سوريا، هي ميزان ثبات أي منطقة في وجه موجات الحرب. استطاع النظام دخول مناطق المعارضة في حلب بعد تدمير تسع مشافٍ من أصل عشرة. أما في الغوطة، فلم يبقَ أي مرفق طبي عامل، وأُخضعت المنطقة للنظام.

ورغم انخفاض حدة العنف في سوريا هذا العام، إلا أنه شهد مقتل 86 شخصاً من الكوادر الطبية والدفاع المدني بمختلف المناطق، بحسب الشبكة السورية لحقوق الإنسان في تقريرها نصف السنوي لهذا العام، مؤكدة أن للنظام السوري النصيب الأكبر، حيث أدت هجماته لمقتل 31 من الكوادر الطبية و19 من عناصر الدفاع المدني. كما وثقت الشبكة 165 حالة اعتداء على مراكز حيوية طبية وللدفاع المدني خلال الفترة نفسها. وكان الأمين العام للأمم المتحدة “أنطونيو جوتيريس” قد صرح في شهر مايو/أيار 2017 أنه تم توثيق أكثر من 400 هجوم على المرافق الطبية في سوريا منذ عام 2011 ومقتل أكثر من 800 عامل بالقطاع الطبي.

من ريف دمشق مروراً بالغوطة الدمشقية وأرياف حمص وحماة هذا العام، كان السيناريو متشابهاً: النظام وحلفاؤه يضربون المرافق الطبية ويحاصرون المنطقة حتى تستلم لهم. لكن الكوادر الطبية لم تيأس رغم الحصار واستهدافها، واستمرت بالعمل وإنقاذ المصابين، ومقاومة العنف على طريقتها الخاصة، في غرف العمليات وسيارات الإسعاف والمشافي. ومع هذه المخاطر، ثمة الكثير من الأطباء والعمال الانسانيين، في المشافي ومراكز الدفاع المدني، مستمرون بالعمل، لإنقاذ حياة المدنيين، فبقاؤهم وصمودهم مهمان، إذ يقول المثل “اقتل طبيباً تقتل 1000 شخص”.

عمل الدكتور أسامة أبو العز في مشافي مناطق حلب الشرقية منذ تحريرها من قوات النظام عام 2012 وحتى خروجه منها مهجراً في أغسطس/آب 2016، وكان يعمل مديراً لمكاتب الجمعية الطبية السورية الأمريكية (سامز) هناك، والتي كانت تدعم مشافٍ ومراكز صحية في المنطقة.

يسترجع الطبيب بعض ذكرياته: “في حصار حلب، وحالياً، العمل تحت ظروف الحصار هو ضغط نفسي كبير على العامل الإنساني، لا وصول للمصادر الطبية ولا لأهلك، العمل في ظروف الحصار مع موارد محدودة وظروف إجبارية للتعامل مع حالات مؤقتة لم نكن مدربين للتعامل معها، ولا مجهزين بالمعدات الكافية. العمل في ظل الحصار والحرب هو مفاضلة ما بين المرضى، وأخذ قرار قاسي قد يؤثر على حياة آخرين، للحفاظ على أشخاص عندهم احتمالية أكبر للحياة”.

تعمل منظمة سامز ونظيراتها من المنظمات الداعمة للقطاع الطبي في سوريا، على رفع جودة الكوادر الطبية وتطوير قدراتها، فالجمعية الطبية السورية الأمريكية سامز تدعم دورات تدريبية للعاملين الصحيين في إدلب وريفها، بالتنسيق والتعاون مع مديرية صحة إدلب، وهذه التدريبات لا تستهدف كوادر سامز فقط.

رغم تهجيره من حي الراموسة شرقي مدينة حلب عام 2016، فإن الطبيب استمر في عمله داخل سوريا، وهو الآن مدير لمكاتب سامز في ريف حلب في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام السوري، وعاش تفاصيل استهداف المرافق الطبية في شرقي حلب عندما كان يعمل هناك. وهو ما تحدثت عنه منظمة الصحة العالمية في نوفمبر/تشرين الثاني 2016، حيث أكدت أن المشافي في مناطق المعارضة في حلب أصبحت خارج الخدمة بسبب القصف المكثف عليها، وكانت وقتها تعد حلب، أخطر مدينة في العالم.

وحول أهمية الكوادر الطبية يوضح الطبيب أبو العز: “كل الكوادر أيقنت بعد سنوات الحرب، أنها الهدف رقم واحد، واتخذت قرار البقاء رغم احتمالية الموت العالية، لأن صمودها ووجودها سيثبتان الناس، وهي الرقم الصعب في معادلة السيطرة، لأنها بالدليل القاطع الهدف الذي إذا انهار ستنهار المنطقة بشكل كامل، فالخوف موجود وأحياناً يكون كبيراً، وأحياناً يؤثر على العمل، إذا انسحبنا وخرجنا وآثرنا حياتنا الشخصية على القضية التي نحن موجودون لأجلها، سينهار كل شيء وراءنا”.

رأي الدكتور أبو العز يفسر المخاوف الكبيرة التي كانت تحاصر الأطباء في محافظة إدلب والشمال السوري مؤخراً، حين بدأت قوات النظام بهجمات على إدلب في أغسطس/آب الماضي، واستهدفت عدة مشافٍ ومرافق طبية في كفر زيتا ومعرة النعمان وترملا. وهو تكرار لسياسة النظام المرتبطة بإسقاط القطاع الطبي قبل إخضاع أي منطقة لسيطرته، هنا بدأ الخوف يتسرب لكل العاملين الإنسانيين بالمنطقة. لكن إتفاق سوتشي بين تركيا وروسيا في 17 سبتمبر/أيلول الماضي – والذي نص على إقامة منطقة عازلة بين قوات النظام وقوات المعارضة، هدأ من التوتر قليلاً، وخفف بعض الضغط عن المرافق الطبية في ريفي حلب الغربي والجنوبي وإدلب وريفها. تلعب المرافق الطبية – المدعومة من منظمات سورية وعالمية – دوراً كبيراً في تقديم الخدمات للأهالي وللنازحين والمهجرين في المحافظة المكتظة بالناس، وتنفست القطاعات الطبية الصعداء بعد الاتفاق، وتعمل حالياً بطاقاتها الكاملة، لتلبية الحاجات المتزايدة، ولا تقارير تتحدث عن إصابات حربية كما السابق أو قبل الاتفاق.

وحول أهمية عمل هذه المرافق يتحدث الطبيب أبو العز “الوضع الطبي بخير حالياً إذا لم يتم الهجوم علينا، نحن قادرون خلال فترة بسيطة على بناء منظومة صحية تخدم 4 مليون شخص بأسرع مما يتوقع الجميع. وبإمكانياتنا المحدودة وتدريباتنا وتجهيزاتنا قادرون على خلق منظومة متكاملة تفيد المريض أكثر بعشرات المرات من مناطق النظام. ما ننشده فقط هو الأمان، وأن نعمل على وجه الأرض ولا نصرف أموالنا على التحصينات، بل على التجهيزات، ونستقطب كوادر كثيرة وخبرات، لا يمكن تحصيلها حالياً بسبب الظروف الأمنية. أرى الوضع جيد جداً خلال فترة بسيطة فيما لو فقط تركونا بحالنا”.

لكن يبدو أن الروس يبحثون عن ثغرات في جدار اتفاق سوتشي لخرقه من أجل إتمام سيطرة النظام على كامل الأراضي السورية، فإدلب هي أخر المعاقل القوية لقوات المعارضة. في يوم 20 من شهر سبتمبر/أيلول المنصرم، قالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا في تصريحات صحفية أن هناك معلومات تفيد “بمواصلة ما يسمى بـالاستعدادات الكيميائية، حيث يقوم عناصر من النصرة بنقل الأسلحة الكيميائية للتشكيلات المسلحة المتحالفة معها، وتم إيصال مادة السارين الحربية إلى المستشفى الوطني في إدلب”. 

كما أضافت زاخاروفا أن “الخوذ البيضاء (الدفاع المدني السوري) يتم تكليفها في تمثيلية العمل الاستفزازي المزمع تحقيقه”. يأتي هذا في سياق ادعاءات النظام السوري وروسيا، بأن الهجمات بالسلاح الكيميائي لم يقم بها النظام قط، بل كانت هجمات قامت بها قوات المعارضة والفصائل. وهي رواية النظام المعهودة بعد كل هجوم بالسلاح المحرم دولياً على مناطق المعارضة. ولكن هذه المرة تم توجيه الاتهامات نحو الدفاع المدني السوري، هذا الجهاز الذي ولد من رحم الحاجة بعد الثورة، حيث استطاع متطوعوه إنقاذ الآلاف، وكان عناصره يكشفون زيف وجرائم النظام السوري وروسيا بحق المناطق المنكوبة.  وقد رفضت العديد من الدول – وعلى رأسها الولايات المتحدة وبريطانيا – الاتهامات التي توجهها روسيا للدفاع المدني السوري.

هذا التصريح من جانب المتحدثة باسم الخارجية الروسية يزيد من احتمالية ضرب مشفى إدلب الوطني، الذي أسس في ثلاثينيات القرن الماضي، كمشفى حكومي وطني، تعاقبت على دعمه الحكومات السورية السابقة. وبعد الثورة وخروج إدلب عن سيطرة النظام، تدعمه منظمة سامز منذ عام 2015، ويقوم بخدمة الكثير من أبناء المنطقة مجاناً، حيث استفاد من خدماته منذ بداية العام الحالي نحو 35 الفاً.

تبدو الفترة الحالية هدنة مهمة للقطاع الطبي في محافظة إدلب ومناطق شمال سوريا، وفرصة للمنظمات لدعم القطاع بشكل أفضل، والاستمرار في حملات المناصرة لتعزيز أهمية عدم قيام حرب في المنطقة، إذ يكفي سوريا، وقطاعها الطبي تحديداً، ما تعرض له من هجمات، فمنذ عام 2015 حتى الآن، استطاعت سامز توثيق 213 استهدافاً للمرافق الطبية، وخسرت 39 شهيداً من كوادرها، فيما سقط شهداء كثر من الكوادر الطبية الأخرى العاملة في سوريا.

اشترك في نشرتنا

حسن عارفه

مسئول الإعلام في مؤسسة سامز، ومقرها في تركيا.

شاهد أيضاً

انقسامات في انتظار هيئة تحرير الشام بعد إتفاق سوتشي

في منتصف شهر سبتمبر/أيلول، وفي محاولة لتجنب احتمالات الهجوم عليها من جانب النظام السوري وحلفائه وقعت كلا من روسيا وتركيا اتفاق سوتشي بشأن الأوضاع الميدانية في إدلب.

قضية في السياق: من الحرب الأهلية اللبنانية إلى المحكمة الخاصة بـ لبنان

في 21 سبتمبر/أيلول، استمعت المحكمة الخاصة بـ لبنان إلى الحجج الختامية: في القضية الذي اتهم فيها المدعون أربعة أعضاء أو منتسبين لحزب الله باغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري. بعد ثلاثة عشر عاماً من الاغتيال، فإن القضاة في طريقهم لإصدار حكمهم النهائي.

التجنيد في المغرب: عملية غير منتهية

النص النهائي للقانون لم يتم تمريره بعد، لكنه بالفعل خلق حالة من التخبط والنقاش فيما يتعلق بمستقبل السكان المغاربة، الذين يتساءلون عن كيف ستؤدي الخدمة العسكرية الإلزامية إلى مواجهة المشاكل الاقتصادية والاجتماعية المتفاقمة