كارثة طبية في الرقة

كارثة طبية في الرقة

اشترك في نشرتنا

يضطر عمران – أحد سكان الرقة – لقطع مسافة تزيد عن 50 كم مرتين شهرياً، للحصول على أدوية “السكري” الخاصة به من الصيدلية المركزية في مدينة عين عيسى شمال مدينة الرقة. وللحصول على علاج لأفراد عائلته فإنه يتجه غرباً، حيث يقطع مسافة حوالي 40 كيلو متر للوصول إلى مدينة الطبقة. يضطر عمران لقطع هذه المسافة نظراً لعدم وجود صيدلية تقدم هذه الأدوية داخل مدينة الرقة بشكل مجاني. عمران ليس الوحيد بين أهالي الرقة الذي يعاني هذه المعاناة، عادة ما يذهب برفقته بعض الجيران من أجل الحصول على أدوية للأمراض المزمنة ولغيرها من الحالات المرضية.

انتشرت خلال الأسابيع الماضية أمراض معوية، مثل الالتهابات المعوية والاسهال والتهاب الكبد الوبائي، نتيجة تناول مياه غير نظيفة وغير صالحة للاستخدام الآدمي. حيث أن مادة الكلور المستخدمة في عملية تطهير المياه غير متوفرة بكميات كبيرة في الرقة.

خلّف تنظيم الدولة وراءه مدينة “منكوبة بكل ما تعنيه الكلمة” وفق ما يقوله عمران. في يونيو/حزيران 2014 أعلن تنظيم داعش قيام ما أسماه “دولة الخلافة” في سوريا والعراق، متخذاً من مدينة الرقة عاصمة له. أطبق التنظيم قبضته الأمنية على المدينة طوال سنوات سيطرته عليه، ونفذ عشرات حالات الإعدام وقام بالتنكيل بالأهالي بحجة تطبيق الأحكام الشرعية. تم تحرير المدينة في أكتوبر/تشرين الأول من العام الماضي على يد قوات سوريا الديمقراطية (قسد) والتحالف الدولي. تسبب العمليات العسكرية في تدمير ما بين 70%-80% من المدينة. بعد تحرير مدينة الرقة، عاد ما يقارب من 140 ألف مدني إلى المدينة المدمرة.

يقول عثمان أحمد، 23 عام أحد أهالي مدينة الرقة، أن الوضع الطبي “ليس جيد” في ظل تعداد سكاني كبير، فالمدينة “بحاجة لنقاط طبية أخرى ومشافي تفي بالغرض وتكفي حاجة السكان. فقبل شهر واحد لم يكن هناك سوى مركز طبي واحد في المدينة ويعاني من الازدحام”.

من جهته، حمّل فراس الفهد، مسؤول الملف الطبي في مجلس الرقة المدني، المنظمات الدولية العاملة داخل المدينة مسؤولية “ضعف” الإمكانيات والاستعدادات الطبية في الرقة، مضيفاً أن “التحالف أيضاً لم يساهم في مد الرقة باحتياجاتها الصحية”.

كان يتم تحويل كل الحالات التي تحتاج لعمليات جراحية ورعاية خاصة إلى مناطق تل أبيض وكوباني على الشريط الحدودي مع تركيا، واللاتي تبعدان (80 كم و115كم على التوالي) عن مدينة الرقة. العديد من المرضى ماتوا قبل وصولهم إلى هذه المستشفيات، إما بسبب حالتهم المرضية الشديدة، أو بسبب الألغام التي تركها تنظيم داعش في المدينة قبل أن يتم إخراجه منها. لا يوجد أرقام وإحصائيات دقيقة للحالات التي توفيت على الطريق أثناء نقلها للنقاط الطبية في أرياف الرقة. في الأسابيع الأخيرة قام مجموعة من أطباء المدينة بافتتاح مشفيان خاصان لمواجهة الأزمة الطبية التي تشهدها المدينة. يعتبر الفهد وجود المشفيان “خطوة إيجابية”.

تحوي المدينة اليوم على ثلاثة نقاط طبية. المشفيان الخاصان يقدمون الرعاية الصحية في مقابل مالي، وغالبية السكان لا تستطيع تحمل دفع هذا المقابل المالي. الوضع الاقتصادي لسكان مدينة الرقة “تحت خط الفقر” ما يجعل إمكانية توجهم للمشافي الخاصة الجديدة أمر صعب، لاسيما أن سكان المدينة خرجوا من حصار وفقر من تحت وطأة التنظيم، وأولويتهم الآن هى ترميم منازلهم المدمرة.

المشفى الثالث يعمل بشكل مجاني بدعم من منظمة أطباء بلا حدود. يحتوي المستوصف على عيادة نسائية وباطنية وجلدية وأطفال. يفتقر المستوصف للكثير من المقومات، حيث يقدم فقط الأدوية المسكنة والعمليات الجراحية الصغيرة، ويعتبر مستوصف “إسعافي لا أكثر” وفق الفهد. الذي أكد أنهم طالبوا منظمة أطباء بلا حدود بتوسيع نطاق عملها أكثر لاستيعاب كافة الحالات المرضية في المدينة. وقد وعدت المنظمة مجلس مدينة الرقة المحلي بافتتاح عيادات أخرى في مبنى كلية الشريعة السابقة الجزء الشمالي الشرقي من المدينة، ليكون مستوصف آخر لها في المدينة.

أكد مصدر طبي من المكتب الطبي التابع لمجلس مدينة الرقة، فضل عدم الكشف عن اسمه لأنه غير مخول بالتصريح لوسائل الإعلام، أن المدينة تتلقى وعود كثيرة لتحسين الوضع الطبي وبناء نقاط طبية ومشافي جديدة، إلا أن الوضع ما يزال “مؤسف ويبقى كل ذلك وعوداً لم تنفذ”. وأضاف، أن المستوصف الطبي الوحيد، التابع لمنظمة أطباء بلا حدود، مزدحم دائماً بشكل “كبير جداً”، ولا يتم استقبال الحالات على مدار الساعة نتيجة الازدحام الشديد، ما يضطر بعض الحالات لانتظار دورها لساعات أطول وأحياناً لليوم التالي.

تحوي المدينة أيضاً على نقطة طبية عامة واحدة، عبارة عن مستوصف يقع في حي المشلب شرق المدينة، بينما وسط المدينة وغربها لا يوجد فيهما نقاط طبية على الاطلاق. ونظراً لكثرة الألغام في مختلف أنحاء المدينة فإن حركة المدنيين عبر أرجاء المدينة من أجل العلاج صعبة خوفاً على حياتهم.

هناك عدد من المنظمات الدولية تبحث في إمكانية إعادة تأهيل مستشفى الولادة المدمر لجعله مستوصف يخدم وسط مدينة الرقة. وزارت عدة منظمات المشافي التي تم تدميرها، منها “المشفى الوطني، وكان مشفي حكومي كبير كان يسيطر عليه تنظيم داعش. حيث زار وفدان من منظمة أطباء بلا حدود المشفى، وهناك أيضاً خطة إيطالية لافتتاح مستوصف في إحدى أقسام المشفى، وخلال الفترة القادمة سيكون هناك خطة لإعادة تفعيل بقية أقسام المشفى، بحسب ما قال الفهد.

طالب فراس الفهد دول التحالف الدولي بـ”الوقوف عند التزاماتها لتحقيق إعادة الاستقرار في الرقة، وهذا الاستقرار لا يتم تحقيقه الا بواقع صحي جيد، ونحن للأسف دون المستوى ولذا نطالبهم بالالتزام بوعودهم المقدمة لمجلس الرقة المدني وإغاثة الأهالي صحيا وطبياً”.

يقول فراس الفهد أنه يوجد خطة لمنظمة أطباء بلا حدود لفتح مستوصف في وسط المدينة وطالب الفهد المنظمات الدولية بالإسراع في تنفيذ مشاريع داخل مدينة الرقة لاسيما أنه هناك 140 ألف مدني بحاجة شديدة لرعاية صحية متكاملة.

يتوقع الفهد عودة ما لا يقل عن 50% من أهالي مدينة الرقة – الذين رحلوا عنها سواء بسبب العمليات العسكرية اوب بسبب سيطرة تنظيم داعش –  خلال الصيف القادم. تحوي المدينة حالياً على ما يقارب 25% فقط من سكانها، الأمر الذي يتطلب خطة عاجلة لإنشاء مرافق طبية جديدة، وإعادة تأهيل المنشآت الطبية القائمة حتى تستوعب الأعداد المتوقع حاجتها للرعاية الطبية، وإلا ستشهد الرقة كارثة إنسانية جديدة تضاف إلى الكوارث التي يعايشها سكان المدينة في الوقت الحالي بعد العودة إلى مدينتهم المدمرة.

اشترك في نشرتنا English

ماهر الحمدان

صحفي سوري عمل مع عدد من المنظمات الدولية والحقوقية.

شاهد أيضاً

نصر باهت للمظاهرات في الأردن

بعد ثمانية أيام فقط من اندلاع المظاهرات في المملكة الأردنية الهاشمية ضد قانون الضرائب غير المرغوب فيه، أطلق الأردنيون الألعاب النارية احتفالاً بقرار الحكومة في السابع من يونيو/حزيران بسحب مشروع القانون.

المجنّسون السوريون ورقة صراع في الانتخابات التركية

وقد شغلت دعوات إعادة اللاجئين إلى بلادهم حيزاً واسعاً من الحملات الدعائية لأحزاب المعارضة، خاصة في ظل الدعم الذي يحظى به رئيس الوزراء التركي وحزبه في أوساط اللاجئين السوريين في تركيا.

الولايات المتحدة توقف دعم الدفاع المدني السوري

في بداية شهر مايو/أيار أكدت قناة سي بي سي الأميركية أن الإدارة الأمريكية قد جمدت المساعدات المقدمة لمنظمة الدفاع المدني السورية، المعروفة إعلامياً بـ "الخوذ البيضاء"