مقابر جماعية في الرقة

مقابر جماعية في الرقة

اشترك في نشرتنا

منذ أن تم اكتشافها في أبريل/نيسان 2018، ظهرت المزيد من التقارير عن المقابر الجماعية في الرقة، هذه التقارير تلقي الضوء على التحديات المرتبطة بتجميع الجثث والتعرف على هوية الأفراد المفقودين. هذا تحليل مع شهود عيان من الذين عادوا للرقة مرة أخرى.

في أبريل/نيسان 2018، عبد المفضي العلي، البالغ من العمر 42 عاماً، كان أحد الذين عادوا مؤخراً لمدينة الرقة بعد عام من التهجير من أجل زيارة المكان الذي دفن فيه زوجته. كانت هناك حوالي 500 جثة تم إستخراجها من مقبرة ملعب الرشيد عن طريق لجنة إعادة الإعمار بالرقة كما أشار عبد الله العريان المسؤول في اللجنة.

من أكتوبر/تشرين الأول 2016 حتى أكتوبر/تشرين الأول 2017 حينما تم تحرير الرقة من سيطرة تنظيم داعش، خاف السكان من قناصة الطرفين، قوات سوريا الديمقراطية (قسد) وعناصر تنظيم داعش. هذه البيئة غير المستقرة أرغمت السكان على دفن موتاهم في مقابر حفروها بأنفسهم. هذا الأمر كان يتغير بتغير جبهات المعارك. كان يتم الدفن في المنتزهات والميادين العامة. ملعب الرشيد كان أحد المناطق التي تتم فيها عملية الدفن لأنه من السهل الحفر فيه. وكان يتم دفن الضحايا إما في قبر فردي أو قبور جماعية أو في حُفر يتم فيها تجميع أشلاء الجثث مجهولة الهوية، ووضعها في أكياس داخل هذه الحفر وردمها.

ظل تنظيم داعش مسيطراً على مدينة الرقة حتى بدأت قوات قسد في أكتوبر/تشرين الأول 2017 حصاراً على المدينة لتحريرها من سيطرة التنظيم. وفي هذا السياق وجد أهالي الرقة أنفسهم محاصرين بين عناصر تنظيم داعش وقوات قسد. بعد أكثر من ستة أشهر تمكنت قوات قصد بمساعدة حلفائها من تحرير الرقة في 20 أكتوبر/تشرين الأول 2017. وبعدها سمحت للمدنيين بالعودة مرة أخرى للمدينة الرقة.

يقول العلي “مع بداية عملية تحرير الرقة، قامت عناصر تنظيم داعش بزراعة ألغام على الطرق ومداخل المدينة، وتم منع الأهالي من الخروج منها. وصاحب ذلك قصف جوي من قِبل طيران التحالف الدولي، مما أدى إلى وفاة أم الأولاد. اضطررت إلى دفنها ليلاً في ملعب الرشيد قبل أن أغادر المدينة مع ابني، الذي بُترت ساقه في القصف.”

يضيف العلي “مع بداية عملية تحرير الرقة (يونيو/حزيران 2017)، قامت عناصر تنظيم داعش بزراعة ألغام على الطرق ومداخل المدينة، وتم منع الأهالي من الخروج منها. وصاحب ذلك قصف جوي من قِبل طيران التحالف الدولي، مما أدى إلى وفاة أم الأولاد. اضطررت إلى دفنها ليلاً في ملعب الرشيد قبل أن أغادر المدينة مع ابني، الذي بُترت ساقه في القصف.”

استشهد في مدينة الرقة 1500 مدنياً، بينما أُصيب آلاف المدنيين بجروح، بينما نزح من المدينة أكثر من 45000 مدني باتجاه البراري والمناطق المجاورة بسبب الغارات التي تم تنفيذها بواسطة طائرات التحالف، حيث بلغ مجموع الغارات 2829 غارة جوية، وسقطت آلاف القذائف المدفعية من قوات قسد على مدينة الرقة، بينما نفذ عناصر التنظيم أكثر من 90 عملية انتحارية في المدينة. من بين التسعين ألف الذي كانوا يسكنون في الرقة قبل المعركة، ظل فقط 2000 مدني، وتم حصارهم بين الطرفين.

في أثناء قيام العلي بدفن زوجته، لم تكن أرض ملعب الرشيد مقبرة بشكل كامل. كانت القبور توزَّع بطرق عشوائية ظناً من الأهالي أن المعارك ستنتهي قريباً، ولكن اليوم من الصعب العثور على أي جثة، فقد تحول كل الملعب بكامله إلى مقابر. حاول العلي إيجاد جثة زوجته بين القبور المتناثرة دون فائدة.

قبل اشتعال الصراع كانت مقبرة تل البيعة تعتبر المقبرة الرسمية في ضواحي الرقة، وتوجد مقبرة ثانية داخل المدينة وهي مقبرة حطين. كانت استراتيجية مقاتلي تنظيم داعش تقوم على التسلل بين صفف المدنيين في النهار للوصول إلى المناطق التي تسيطر عليها قوات قسد، ثم تنفيذ الهجوم ليلاً. لذلك بدأ قناصة قسد في استهداف هذه مقبرة حطين خوفاً من تسلل مقاتلي التنظيم بين المدنيين إلى مناطق سيطرتها آنذاك، ومن ثم أصبح من الخطر بالنسبة للأهالي استخدام هذه المقابر.       

تم العثور على مقبرة جماعية أخرى في حديقة الحيوانات في مدينة الرقة، يتراوح عدد الجثث الذي تم انتشالها منها بين 200-300 بحسب فريق إعادة الإعمار. كما أعلنت قوات الأسد عن اكتشافها مقبرة جماعية بريف الرقة الغربي بالقرب من بلدة الرمثان، في صيف عام 2014، قامت عناصر داعش بإعدام أكثر من 250 عنصر من قوات النظام ، وقامت بتوثيق ذلك في إصدار مرئي، إثر سيطرته على مطار الطبقة العسكري. اكتشاف هذه المقابر الجماعية دفع الكثير من ذوي المعتقلين الذين تم سجنهم في سجون تنظيم داعش من المحافظات السورية كافة للشعور بالأمل في إيجاد جثث ذويهم، وأن يتم دفن رفاتهم في مقابر نظامية.

أكد عدد من سكان الرقة الذين شهدوا المعارك الحربية للكاتب أن أوقات الدفن كانت تتم ليلاً وبالقرب من جدار ملعب الرشيد خوفاً من قصف طيران التحالف الدولي. لم يكن يتم تحديد المواقع أو وضع إشارة رمزية أو كتابة الاسم أو ترقيم القبور، مما زاد من صعوبة التعرف على هوية الكثير من ضحايا المقبرة. حتى مقاتلو تنظيم داعش استخدموا الملعب لدفن رفاقهم الذين قُتلوا في أثناء المعارك.

مع الكشف عن مقبرة ملعب الرشيد، قرر الكثيرين من السوريين الذين اعتقل تنظيم داعش ذويهم بالتوجه إلى مدينة الرقة أو الاستفسار عن هوية الضحايا وهل هم ممن أعدمهم التنظيم ولم يعلم أهاليهم بمقتلهم. فقد كان تنظيم داعش ينتهج سياسة عدم دفن المعتقلين في مقابر جماعية أو تسليمهم لأهاليهم، وكان يبرر ذلك استناداً إلى نصوص دينية يستشهد بها شرعيو التنظيم تفيد بعدم تسليم جثة المرتد لذويه.

عزمت مجموعة ممن لديهم أبناء أو أخوة معتقلين في سجون التنظيم على السفر إلى الرقة بهدف البحث عن جثث ذويهم. عامر مطر صحفي سوري، له أخ يدعى محمد نور مطر. محمد كان معتقل في سجون تنظيم داعش منذ شهر أغسطس/آب 2013، وما يزال مصيره مجهول.

يقول مطر، والذي يشغل أيضا منصب منسق حملة أين مختطفو داعش “بأنه بعد انتشار خبر العثور على مقبرة جماعية بملعب الرشيد في مدينة الرقة، وصلت لهم رسائل من ذوي المخطوفين تسألهم عن صحة الخبر وإمكانية العثور على جثث ذويهم داخل هذه المقبرة مما دفعه للسفر إلى الرقة.

تم إنشاء حملة أين مختطفو داعش عقب بسط قوات قسد سيطرتها على الرقة بهدف البحث عن مصير المعتقلين في المدينة. ودعا بيان تأسيس الحملة إلى الاهتمام الكافي بهذه القضية عبر دعوة جميع الأطراف الفاعلة في الرقة لتزويد الحملة بجميع المعلومات عن المغيبين، وتوفير كل المعلومات المتاحة عن سجون تنظيم داعش. من خلال الضغط على قوات قسد للكشف عن مصير المعتقلين في سجون التنظيم، تم السماح للأهالي بالبحث عن بقايا المعتقلين.

الجدير بالذكر أن تنظيم داعش عقب سيطرته على مدينة الرقة، في عام 2014، اعتقل العشرات من الناشطين والإعلاميين والنخب من أبناء مدينة الرقة المعارضين له، أبرزهم الناشط فراس الحاج صالح والأب باولو داليلو والطبيب إسماعيل الحامض والمدرب في الجيش الحر مدثر الحسن.  

يوضح مطر أن العديد من الصفحات والمواقع والقنوات الإعلامية نشرت خبر العثور عن مقبرة جماعية داخل ملعب الرشيد تعود لمعتقلين كان قد قتلهم تنظيم داعش داخل الملعب، في حين أن الأمر غير ذلك تماماً، “المدفونون ليسوا فقط من ضحايا داعش، إذ توجد قبور لمقاتلي التنظيم الذي دفن عناصره داخل الملعب وكتبوا عليها أسماءهم الحركية والوهمية.” ولذلك يؤكد مطر على ضرورة التأكد من صحة الأخبار الواردة من الرقة مراعاةً لشعور أهالي المعتقلين.

لا تزال عملية البحث جارية عن المدفونين داخل مقبرة ملعب الرشيد، حيث من المقرر نقل رفاتهم إلى مقبرة حطين، والسماح للأهالي بالتأكد من ذويهم عن طريق المعنيِّين من مكتب إعادة الإعمار في محافظة الرقة. يؤكد فريق الاستجابة الأولية” التابع لمجلس الرقة المدني على احتمالية ووجود مقابر جماعية أخرى.   

اشترك في نشرتنا English

خليفة الخضر

مصور وكاتب سوري حائز على جائزة سمير قصير لحرية المقال والرأي عام 2017، ومؤلف كتاب الكناعيص شهادات من سجون تنظيم الدولة في سوريا.

شاهد أيضاً

انقسامات في انتظار هيئة تحرير الشام بعد إتفاق سوتشي

في منتصف شهر سبتمبر/أيلول، وفي محاولة لتجنب احتمالات الهجوم عليها من جانب النظام السوري وحلفائه وقعت كلا من روسيا وتركيا اتفاق سوتشي بشأن الأوضاع الميدانية في إدلب.

الوضع الطبي في إدلب والمعركة المحتملة هناك

يعد القطاع الطبي أحد أهم مقومات الحياة في أي منطقة، وفي حال انهياره، يمكن أن تنهار المنطقة بكاملها. وهو ما جرى خلال السنوات الأخيرة في سوريا، حيث كان سقوط القطاع الطبي في منطقة معينة يعني سقوط المنطقة المُستهدفة بيد النظام السوري وقواته.

قضية في السياق: من الحرب الأهلية اللبنانية إلى المحكمة الخاصة بـ لبنان

في 21 سبتمبر/أيلول، استمعت المحكمة الخاصة بـ لبنان إلى الحجج الختامية: في القضية الذي اتهم فيها المدعون أربعة أعضاء أو منتسبين لحزب الله باغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري. بعد ثلاثة عشر عاماً من الاغتيال، فإن القضاة في طريقهم لإصدار حكمهم النهائي.