على الرغم من التحرير منبج تنتظر عودة الحياة إليها

 

تمكنت الفصائل المحلية في مدينة منبج في 11 أغسطس/آب بالتحالف مع قوات سوريا الديمقراطية، وهو تحالف من القوات المحلية يغلب عليها القوات الكردية، من طرد تنظيم داعش خارج مدينة منبج، بعد معارك ضارية بدأت في 28 مايو/أيار الماضي، انسحب التنظيم على أثرها من آخر مناطق سيطرته في حي السرب وطريق جرابلس والمربع الأمني وسط المدينة؛ لينتهي بذلك عصر سيطرة داعش على مدينة منبج وريفها، التي عاشت تحت احتلال التنظيم المتطرف منذ 15 يناير/كانون الثاني 2014.

كانت معركة منبج بالنسبة للتنظيم بعيدة الاحتمال، اعتماداً على اعتراضات تركيا، التي عبرت مراراً عن رفضها أي تقدم لقوات سوريا الديمقراطية في منطقة شرق الفرات، ومنح ذلك الأمر داعش الشعور بالارتياح، فقام بسحب 70 بالمائة من عتاده وعناصره من جبهات ريف منبج، وأرسلها إلى داخل المدينة لتحصينها؛ هذا الأمر ساهم في انهيار مناطق سيطرته في ريف منبج بشكل مستمر ومتوالٍ، بعد أن تقدمت قوات سوريا الديمقراطية في ريف منبج الجنوبي من محوري جسر قره قوزاق ومحور سد تشرين (الموجود على نهر الفراط من ناحية منبج)، وقامت بعد ذلك بعبور ضفة الفرات الغربية رغم التحذيرات التركية، وسيطرت بعدها على قرى عدة غربي الفرات بدعم من طيران التحالف بعد معارك مع داعش، وبذلك كانت تبعد 18 كم فقط عن مدينة منبج.

اضطر التنظيم لتغيير استراتيجيته، فبدأ بتكتيك استدراج القوات الى داخل المدن والبلدات الكبيرة، كما لجأ إلى استخدام المدنيين في حربه كدروع بشرية، فأجبر سكان المناطق والأحياء التي تدخلها قوات سوريا الديمقراطية بالنزوح صوب أحياء سيطرة التنظيم، ثم قام تنظيم داعش بنقل السجناء من منبج إلى جبهات القتال، وأجبرهم على حفر خنادق وأنفاق لمساعدة التنظيم، من أهم الأنفاق التي جهزها التنظيم نفق يصل الصوامع بوسط المدينة، من أجل إيصال الامدادات إلى الصوامع، وذلك لأهمية منطقة الصوامع استراتيجياً بالنسبة للتنظيم.

وفي 23 من يوليو/تموز تقدمت قوات سوريا الديمقراطية في أحياء منبج الجنوبية، ووصلت بالقرب من الفرن الآلي، وسيطرت بعد أيام على مبانٍ في حي الطريقة، وصولاً إلى معمل الأسمنت؛ وتمكنت القوات في 5 أغسطس/آب من السيطرة على قرية المنكوبة على أطراف منبج الشرقية، أما في المدينة نفسها فسيطرت على الفرن الآلي ومعمل السجاد، لتكون بعدها قد بسطت سيطرتها على 80% من المدينة؛ بعدها انسحب داعش من كامل الأحياء، ليكتب لمنبج فرصة التحرير من جديد، ومحاولة أهلها العودة إلى مناطقهم مرة أخرى، بعد أن فتكت الحرب بالبنى التحتية، ونهب التنظيم مقدرات السكان.

فتكت الحرب الأخيرة بأكثر من 440 مدني حسب ما استطاعت حلب 24 توثيقه، منهم 248 رجل و123 طفل و69 سيدة؛ كان للتحالف الدولي النصيب الأكبر من سقوط أولئك الضحايا المدنيين الذي قضوا بقصف طائراته الحربية، وبلغ هذا العدد 199 مدني؛ حيث ارتكبت طائرات التحالف مجازر عدة بحق المدنيين، كان أكبرها مجزرة التوخار في 19 يوليو/تموز، حيث أعلن المرصد السوري لحقوق الانسان عن مقتل 56 شخص، ولكن العدد الحقيقي للضحايا من الممكن أن يكون قد وصل لـ 133 مدني، بينهم أكثر من 70 طفلاً، ومجزرة أخرى في قرية أوجقتاه بريف المدينة الجنوبي، راح ضحيتها 23 شخصاً من عائلة واحدة، وثالثة في بلدة الغندورة التي استهدف فيها التحالف وسط سوق البلدة، وراح ضحيتها 30 شخصاً.

استبق تنظيم داعش انسحابه من منبج باستهداف أحياء المدينة بعدد من السيارات مفخخة، بالإضافة إلى حالات القنص والألغام التي تعرض لها المدنيون، والتي أودت بحياة العشرات؛ فقد قتل رصاص التنظيم 134 مدني، منهم من جرى إعدامه ميدانياً، ومنهم من قضوا في أثناء محاولتهم الخروج من المدينة، حيث قام عناصر التنظيم بإطلاق النار عليهم؛ كما قتل التنظيم عشرات المدنيين الّذين كانوا يحاولون الهروب من منبج، حيث وثقت حلب 24 استشهاد أكثر من 100 شخص، بينهم أطفال ونساء برصاص قناصة داعش، والألغام التي زرعها التنظيم حول المدينة.

كما أقدمت قوات سوريا الديمقراطية على قتل 53 مدنياً برصاص قناصيها، أو بقصفها العشوائي مناطق المدنيين داخل أحياء المدينة؛ ولا تقل حالات التهجير المرتكبة من قبل قوات سوريا الديمقراطية خطورة عن باقي الانتهاكات المرتكبة في منبج، حيث أقدمت قوات سوريا الديمقراطية في 1 أغسطس/آب على طرد سكان ما يزيد على عشر قرى في ريف منبج الشرقي، بحجة أن تلك القرى قد أصبحت مناطق عسكرية، وبأن معركة وشيكة ستحدث فيها، بهدف تطهيرها من خلايا تتبع وتدين بالولاء للتنظيم. اضطر الأهالي إلى الخروج منها عند الغروب مشياً على الأقدام، مصطحبين معهم ما تيسر من متاع مما يملكون من مواشي وأغنام، وقاموا بعبور طريق قرية السعيدين المزروع على جانبيه الألغام، حتى وصلوا إلى منطقة زراعية وافترشوا العراء بالقرب من ناحية أبو قلقل من دون أي مأوى أو غذاء.

وبعد الحرب الأخيرة، تعتبر منبج منطقة منكوبة بكل ما تعني من معنى، حيث دمر طيران التحالف جزءاً كبيراً من البنية التحتية في مدينة منبج، وأهمها الجسور الأساسية كجسر حي السرب وجسر طريق حلب وجسر طريق جرابلس وجسر طريق البزار، واستهدف عدة مراكز حيوية فيها كالمشفى الوطني ومطاحن منبج والمدرسة الشرعية والفرن الاحتياطي ومبنى البريد ومدارس عديدة، فضلاً عن المستوصفات وأسواق السوق المغطى وسوق السلالين؛ بالإضافة إلى دمار أغلب الأبنية السكنية، التي تدمر جزء منها نتيجة الحرق العمد الذي كان يتبعه التنظيم للمباني قُبيل الانسحاب منها، لتأمين عملية انسحاب عناصره؛ كما لم يتوانَ التنظيم عن تفخيخ وتلغيم كافة المباني التي كان ينسحب منها وتفجيرها لاحقاً، في محاولة لعرقلة تقدم قوات سوريا الديمقراطية.

وكان تنظيم داعش قد بسط سيطرته على منبج في كانون الثاني 2014 بعد حشد الآلاف من مقاتليه لاستعادة المدينة التي خرج منها بعد طرده على يد الجيش الحر، وتمكن من السيطرة عليها بعد معارك ضارية، استخدم التنظيم خلالها سلاح المفخخات لترهيب الناس وبث الرعب بنفوس السكان؛ بعد السيطرة على المدينة، قام التنظيم بحملات دهم واعتقال واسعة، احتجز خلالها قرابة 3000 مدني، وإعدام العشرات منهم وصلبهم وسط المدينة، فضلاً عن عمليات التهجير القسري.

بعد المعركة، قام المجلس المحلي في مدينة منبج – وهو هيكل حكم محلي تم انتخابه بواسطة السكان المحليين وكان يعمل من المنفى بعد أن سيطر تنظيم داعش على المدينة – بعمل خطط من أجل العودة للمدينة، ولكن حزب الاتحاد الديمقراطي التركي قام بحل المجلس، وقام بتأسيس ما يسميه جمعية تأسيسية، من أجل إدارة شئون المدينة، مضيفاً أن منبج سوف يتم ضمها للمناطق الكردية المحررة. يتهم السكان الحزب بمحاولة جعل المنطقة ذات طبيعة كردية بصورة أكبر، وأن قوات سوريا الديمقراطية لا تسمح للسكان بالعودة لمنبج، وكلها أمور مقلقة من الناحية الأمنية؛ وطبقاً لمصادر محلية، فإنه عندما يريد السكان العودة لقراهم، كانت قوات سوريا الديمقراطية تقول لهم أن هناك ألغام في الأرض، ولكنها في نفس الوقت كانت لا تسمح لمنظمة متخصصة في نزع الألغام من دخول المنطقة، من أجل إزالة الألغام المزعومة.

Read inEnglish

حلب 24

وسيلة اعلام إخبارية سورية أُنشئت في عام 2011، وتقدم تقارير عن الأحداث الجارية في حلب.

شاهد أيضاً

أزمة المياه: كيف تم تحويلها إلى سلاح في الصراع اليمني

يظل الموقف شديد الخطورة، خاصة بالنسبة لليمن، حيث أدى تحويل المياه لسلاح إلى وصول الصراع لحالة حرجة. تقدر الأمم المتحدة أن 14 مليون نسمة، نصف سكان اليمن، يواجهون حالة ما قبل المجاعة. تعد المياه واحدة من أوجه الصراع المعقد هناك، ويظل من الصعوبة تحديد إلى مدى قد أدت إلى مزيد من العنف.

الترحيل غير الشرعي للاجئين السوريين في تركيا

مع استمرار السلطات التركية في رفض إعادة فتح مراكز استقبال الحماية المؤقتة منذ أكثر من عام في معظم الولايات الحدودية، ووقف منح الفارين من الحرب بطاقة الحماية المؤقتة التي تخول صاحبها حق البقاء والحصول على الرعاية الطبية والدراسة والمساعدات الاجتماعية، يعيش آلاف اللاجئين السوريين في تركيا هاجس الترحيل القسري بشكل دائم.

إعادة احياء محادثات السلام في اليمن: ماذا بعد؟

مع ارتفاع عدد القتلى في الحرب الأهلية في اليمن، فإن الحاجة الماسة للسلام تتناقض مع الآمال المتفرقة في عملية سلام. بعد أشهر من التأخير، أعلنت قوات الحكومة والمتمردين في يوم 19 نوفمبر/تشرين الثاني نيتهم تجميد العمليات العسكرية بصورة مؤقتة

إشترك في النشرة البريدية

سيصلك أحدث مقالات مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط