خمس سنوات من النزوح: كل ما أريده هو الأمان

بمناسبة الذكرى الخامسة للثورة السورية، ينشر مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط في سلسلة من المقابلات مع المحامي أيمن جلوان، وهو أحد السوريون الذين نزحوا نتيجة اندلاع الصراع المسلح في سوريا. تلقي هذه السلسلة الضوء على الخيارات الصعبة التي يواجهها السوريون بين الموت في سوريا التي أضحت منطقة حرب، أو الهرب من الأرض التي يحبونها. في العام الماضي ودع أيمن جلوان وزوجته أسرتيهما، والتحقوا بموجات المواطنين الذين غادروا البلاد، حيث تمكنوا من الوصول لتركيا أولا، ثم احتاجوا لعبور البحر المتوسط البارد وصولاً إلى اليونان. بعد ذلك كان عليهم التعامل مع المتاجرين بالبشر في أوروبا الشرقية، وصولاً إلى واحدة من قلائل الدول التي ترحب بهم وهي ألمانيا. ويشرح أيمن جلوان في سلسلة التدوينات هذه قراره بالمغادرة، والمصاعب التي واجهها هو وزوجته خلال الرحلة، والنتائج التي ترتبت على قراره. في هذه الحلقة يسرد أيمن جلوان تفاصيل الدقائق الأخيرة قبل الرسو على شاطئ اليونان، وكيف دار نقاش حول اتباع تعليمات المهربين من عدمها.

اختلفت الآراء بين المجموعة قبيل وصولنا للشاطئ اليوناني، أخبرنا الرجل أن نبحر باتجاه الضوء لكني أستطيع أن أري شوارع اليونان أقرب من الضوء. لماذا قال لنا الرجل أن نبحر باتجاه الضوء إذا؟ أستطيع بالفعل رؤية الشوارع والسيارات، قيل لنا من قبل أن هناك قاعدة عسكرية بالقرب من الضوء، لكن لماذا يتعين علينا الذهاب حيث يوجد هذا الضوء. اختلفت الآراء حول ما يجب علينا فعله.

أراد البعض اتباع التعليمات والابحار نحو الضوء، لكني أقول لهم “لا أنه بعيد نستطيع أن نرسي القارب خلال وقت أقل. “يقول الأخرون “لا، أنت لا تعرف ما قد يحدث، فلنتبع التعليمات أفضل.” قلت لهم “لا، أستطيع أن أري بالفعل أين يمكننا أن نرسي القارب، أعرف أنني أرتدي نظارات طبية، لكن يمكنني أن أري بشكل أفضل منكم” أحتار قائد القارب في هذه اللحظة، ولم يكن يعرف أين يذهب، أو إلى أي الآراء يستمع. استمع القائد لاقتراحي، ووجه القارب إلى المكان الذي أشرت اليه وأيدني الأخرون في النهاية.

نستطيع رؤية الشوارع والفيلات والحدائق من القارب، ونري الدرج الواصل بين الشاطئ والمدينة. لكننا كنا نخشى من أن يكون هناك شيء ما في المياه، يمنعنا من المُضي قدماً، مثل شبكات معدنية أو دفاعات. فقد تم تحذيرنا من قبل، خاصة أننا بالقرب من قاعدة عسكرية. القارب ضعيف وغير مجهز لمقاومة مثل هذه الأشياء، وكنا قلقين كذلك من الأمواج. مع كل موجة كبيرة، تفكر في أنها الموجة التي ستقضي على حياتك. قام قائد القارب بإيقاف محرك القارب حتى نطفو مع الأمواج، فنحن لا نريد أن نبحر في عكس اتجاه الأمواج، بل نريد أن تأخذنا الأمواج إلى الشاطئ. قُلتُ للأخرين “نحن قريبون، إذا حدث أي شيء يمكننا السباحة للشاطئ. “قالوا “حسنا”. سنخوض المخاطرة ونقترب أكثر للشاطئ.

الوقت كان عصيبا، كنا نخشى مما قد يكون تحت الماء ويعيق رسو القارب. لكن الحمد لله لم يكن هناك شيء، ورسي القارب بسهولة. كنا نستهدف أن نُرسي القارب بالقرب من فيلا أو بيت ما، لكن الأمواج اخذتنا لمكان أخر. كان الشاطئ مظلماً وملئ بالأحجار، ولم يكن هناك سوي الشاطئ والجبال. نحن مجموعة سعيدة الحظ منذ البداية. صعدنا الدرج باتجاه المدينة وفجأة أصبحنا في أوروبا. بدأت زوجتي في البكاء. أسألها “لماذا تبكي؟ نحن في أوروبا” هذه أورباّ لقد عبرنا من آسيا إلى أوروبا. وصلنا ميتيليني بجزيرة ليسبوس.

اقرأ أيضاً

اقرأ أيضاً

الحلقة الأولي: كيف بدأت رحلتنا

الحلقة الثانية: قطع الصلات مع الماضي

الحلقة الثالثة: لن اقاتل في جيش بشار

الحلقة الرابعة: كيف عبرنا الحدود؟

الحلقة الخامسة: ليلة في غازي عينتاب

الحلقة السادسة: موت مُحتمل في البحر 

الحلقة السابعة: النجاة في قارب غير صالح للإبحار

أتي اليونانيون إلينا، وسألونا هل تحتاجوا هذا القارب؟ قلنا “لا لا لا خذوا القارب، خذوا كل شيء هدية منا” يقولوا لنا “أهلا ومرحبا بكم في اليونان” ونقول “شكراً” تقترب باتجاهنا سيارة بها فتاتين ورجل من المتطوعين لمساعدة اللاجئين. يراقب الكثير من الناس – من منظمات الاغاثة – الساحل، وهم على استعداد تام لمساعدة من يعبر البحر باتجاه اليونان. قاموا بإعطائنا المياه والأكل. أخبرتهم عن رغبتي في الذهاب للشرطة، فقد قيل لنا من قبل بأن فور وصولنا اليونان، علينا أن نسلم أنفسنا للشرطة، حيث سيصطحبونا لمكان ما، ويمنحونا أوراق تمكننا من السفر لأثينا بحراً، لكن لا يمكننا الصعود على متن هذه الرحلات دون أوراق رسمية من السلطات اليونانية.

أخبرنا الناس بعدم قدرتهم على اصطحابنا للشرطة، لا يمكنهم اصطحاب اللاجئين في سيارتهم، سيتعرضون للمساءلة، إذا اكتشفت الشرطة ذلك. علينا السير نحو ساعتين للوصول لأقرب نقطة شرطة. قد يبدوا لك الأمر صعباً، لكننا كنا سعداء للغاية-حقا. الآن أري أن رحلتي ميسرة – سأسير فقط، ولا مشكلة لدي إن وجدتني الشرطة. أتمنى أن تجدني الشرطة، لأنهم سيصطحبوني للمكان الصحيح، فلماذا أخاف؟

لا أستطيع أن أصدق نحن أخيراً في أوروبا. لا يواجه الكل نفس مشكلتي، التجنيد الاجباري في سوريا، وما يترتب عليه من موت محقق. الآن أصبحت آمناً، بعد أن وصلت لليونان. بالطبع قد يقول البعض كنت آمناً أيضا في تركيا، أليس كذلك؟ لكن هناك لا تدري ما قد يحدث، إذا تغير الوضع السياسي قد يتغير كل شيء. فمثلا إذا خسر أردوغان الانتخابات السياسية، سيتغير كل شيء. فإن الحزب الحاكم في تركيا الآن يدعم اللاجئين السوريين. لكن ماذا يحدث إذا خسروا الانتخابات؟ لا يمكنك أن تتوقع أو تثق فيما قد يحدث في تركيا، فالأحوال في تركيا مثل مصر وسوريا.

يضمن وجودي في أوروبا لي الحقوق الأساسية، توجهك السياسي لا يهم، كونك عدو أو صديق لا يهم، لك حقوق كإنسان. ولا يهم من تكون أو من أين أتيت. في أوروبا، لا أحد يقلق على حقوقه الاساسية. قد تقلق أو تحمل هم تحسين وضعك الاقتصادي، أو استكمال دراستك أو أشياء أخري، لكنك لست بحاجة للقلق على حقوقك الاساسية كإنسان. هذا كاف بالنسبة لي، فكل ما أطلبه هو الأمان.

 

Read in English

قامت كلودين فيبر-هوف بإجراء هذه السلسة من المقابلات.

أيمن جلوان

هو اسم مستعار لحماية هوية الكاتب، وهو محامٍ سوري يعيش الآن في ألمانيا كلاجئ مع زوجته.