حتى يُهزم تنظيم الدولة في سوريا لابد من دعم محلي

أحد المقاتلين في ريف شمال حماه، 5 مارس 2016. صورة من رويترز.

لقد أضعفت ضربات التحالف الدولي الجوية وهجمات قوات سوريا الديمقراطية تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في شمالي سوريا وأجبرته على الانسحاب. والآن نرى كيفية تكيُّف داعش على هذا الوضع، حيث غير التنظيم استراتيجيته، فقد تلاعب التنظيم بعدم قدرة القوات الكردية على التقدم في أراضي العشائر العربية في الرقة، ويستغل الخلافات بين العشائر العربية، وحتى عند انسحابه يدمر كل ما يتركه، حتى يُبطئ من تقدم القوات البرية.

شن تنظيم داعش مؤخراً هجمات واسعة على ريف الرقة الشمالي وريف الحسكة، أتى هذا الهجوم بعد تصريحات مسؤولين أمريكيين وفرنسيين مؤخراُ حول حصار مدينة الرقة – معقل تنظيم داعش الرئيسي في سوريا، تمهيدا لاقتحامها لاحقاً من قبل قوات سوريا الديمقراطية. 

لكن التنظيم – وفي ضربة استباقية – قام بهجوم واسع ومعاكس على ريف مدينة رأس العين غربي الحسكة وسلوك شرقي مدينة تل أبيض، كذلك سيطر التنظيم على أجزاء من تل أبيض لساعات محدودة، قبل أن تتدخل طائرات التحالف الدولي وتخرجه منها. ولكن مقاتلي داعش ما زالوا على مقربة منها، إذ سيطر التنظيم على قرية التركمان القريبة من تل أبيض، وتحصن فيها، حيث بدأ التنظيم الهجوم بتفجير أربع سيارات مفخخة، يقودها انتحاريون، ثم أرسل فرقة من المقاتلين، الذين قاموا بالتسلل خلف خطوط العدو، ليشتبكوا معهم ثم يفجرون أنفسهم، الأمر الذي مهدّ لعناصر التنظيم قطع طريق الرقة – الحسكة، الذي يربط مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية.

كان هجوم تنظيم داعش محاولة فاشلة لاستعادة رأس العين وسلوك، ولكنه أظهر ضعف قوات سوريا الديمقراطية، حيث كان من الصعب عليها الدفاع عن مناطقها، التي تحصنت فيها بدون دعم التحالف، ناهيك عن عدم قدرتها على التقدم إلى قلب مناطق تنظيم داعش في الرقة، بدون غطاء جوي مستمر من قوات التحالف. كما أن التنظيم قبل الانسحاب تحت وطأة غارات التحالف، قام بتفخيخ المنازل والمرافق والطرقات، ليؤخر تقدم قوات سوريا الديمقراطية، وليمنعها من الاستفادة من تلك الأراضي وغنائم الحرب.

استغلّ تنظيم داعش الاحتقان الشعبي، لكي يشن هجماته الاخيرة على قرى التركمان وسلوك، وقد نتج هذا الاحتقان من انتهاكات قوات سوريا الديمقراطية تجاه السكان العرب والتركمان من المنطقة، بحجة تعاونهم مع تنظيم داعش، حيث تم تهجير الكثير منهم من بيوتهم، يقول المقاتلون الكرد أن السكان العرب تعاونوا مع تنظيم داعش، وأمدوهم بمعلومات عن المنطقة وقوات الدفاع، وأعطوهم مواداً غذائية ووقوداً، بينما لا يخفي المقاتلون الكرد استنكارهم لمثل هذا السلوك من جانب السكان العرب، على سبيل المثال قال أحد مقاتلي البشمركة في العراق إنه يريد طرد كل العرب من المنطقة، وأضاف “يريد 99% من الأكراد القيام بنفس العنف تجاه العرب الذي قاموا به تجاهنا… نريد تدمير هؤلاء الكلاب.” 

أدرك قادة وحدات حماية الشعب – وأيضا مسؤولون التحالف الدولي – أن الخلافات العرقية قد تمنع تقدم وحدات حماية الشعب، وتبطئ من عملية طرد تنظيم داعش من سوريا، فقرروا تشكيل قوات سوريا الديمقراطية، التي من المفروض أن تتكون من فصائل عربية وكردية ومجموعات أخرى، تعتبر من أبناء المنطقة حتى تحظى بعدم محلي، إلا أن الخلافات العرقية منعت نجاح هذا المشروع. أتى أكثر من 90% من مقاتلي قوات سوريا الديمقراطية – أو حوالي 51 ألف من 56 ألف مقاتل – من القوات الكردية. ويقول أهالي المنطقة العرب الذين يغلب عليهم الطابع العشائري، أن القوات الكردية منعتهم من تشكيل قوة خاصة بهم، أو ما يسمونه “جيش العشائر.”

حالت الخلافات العرقية والعشائرية دون انضمام لواء ثوار الرقة لقوات سوريا الديمقراطية، ويحظى اللواء بحاضنة شعبية قوية في الرقة، وبدونه سيصعب على قوات سوريا الديمقراطية طرد تنظيم داعش، وما يثبت قوة اللواء وشعبيته هو خشية تنظيم داعش من نفوذ اللواء وشعبيته داخل الرقة. رفض اللواء الانضمام لقوات سوريا الديمقراطية بسبب وجود مليشيات الصناديد العربية التي تعاونت مع النظام، في حين أنّ اللواء تشكل في البداية لمقاتلة النظام واسقاطه، ولا يزال يعتبر قتاله عقيدة عسكرية أساسية في تشكيله. ولذا من وجهة نظره يعتبر أي تحالف مع النظام أو قوات متعاونة معه خسارة لقاعدته الشعبية والعشائرية المهمة في المنطقة.

واستغل تنظيم داعش أيضا الهدف المعلن من جانب القوات الكردية نحو توحيد مناطقهم في شمالي سوريا، لتأسيس كيان كردي وطردها لبعض السكان العرب، حيث سعى التنظيم إلى بث دعاية مضادة، أن القوات الكردية ستهجر جميع أبناء المنطقة العرب، وأنّ مقاتلي لواء ثوار الرقة وقائده قد تحوّلوا إلى مرتزقة عند تلك المليشيات، التي تنضم قوات موالية للنظام، وحث المقاتلين العرب على ترك قتال التنظيم.

سيبذل التنظيم كل جهوده ليمنع حصار معقله الرئيسي بالرقة، وسيستغل كل الخلافات الموجودة داخل قوات سوريا الديمقراطية وسياستها تجاه السكان العرب. يسعى التنظيم الآن لتعزيز مواقعه وتحصينه في مدينة الرقة ومحيطها، وتفخيخ كل الطرق والحواجز والأبنية في طريق تلك القوات. وسيكون وجود قوات تحظى بشعبية محلية – مثل لواء ثوار الرقة – ضروريا في استعادة مدينة الرقة من التنظيم، لأن عمل الطيران لن يكون مفيدا كثيرا، حيث أنه من الصعب أن تستهدف الطائرات مجموعات صغيرة، تشتبك على مسافة قريبة من العدو، ومتوزعة بين المدنيين.

Read it in English

محمد عدنان

مدون وناشط سوري من الرقة.

شاهد أيضاً

أزمة المياه: كيف تم تحويلها إلى سلاح في الصراع اليمني

يظل الموقف شديد الخطورة، خاصة بالنسبة لليمن، حيث أدى تحويل المياه لسلاح إلى وصول الصراع لحالة حرجة. تقدر الأمم المتحدة أن 14 مليون نسمة، نصف سكان اليمن، يواجهون حالة ما قبل المجاعة. تعد المياه واحدة من أوجه الصراع المعقد هناك، ويظل من الصعوبة تحديد إلى مدى قد أدت إلى مزيد من العنف.

الترحيل غير الشرعي للاجئين السوريين في تركيا

مع استمرار السلطات التركية في رفض إعادة فتح مراكز استقبال الحماية المؤقتة منذ أكثر من عام في معظم الولايات الحدودية، ووقف منح الفارين من الحرب بطاقة الحماية المؤقتة التي تخول صاحبها حق البقاء والحصول على الرعاية الطبية والدراسة والمساعدات الاجتماعية، يعيش آلاف اللاجئين السوريين في تركيا هاجس الترحيل القسري بشكل دائم.

إعادة احياء محادثات السلام في اليمن: ماذا بعد؟

مع ارتفاع عدد القتلى في الحرب الأهلية في اليمن، فإن الحاجة الماسة للسلام تتناقض مع الآمال المتفرقة في عملية سلام. بعد أشهر من التأخير، أعلنت قوات الحكومة والمتمردين في يوم 19 نوفمبر/تشرين الثاني نيتهم تجميد العمليات العسكرية بصورة مؤقتة