الحياة في الحديقة: معاناة اللاجئات السودانيات اليومية في القاهرة

اشترك في نشرتنا

تقريبا كل صباح، في الحي السابع بمدينة السادس من أكتوبر في محافظة الجيزة، ينتظر صف طويل من اللاجئين مواعيد مقابلاتهم في مكتب المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. بصورة كبيرة، تصبح المنطقة خالية بحلول غروب الشمس، ولكن يبقى القليل منهم. غالبية هؤلاء هم لاجئون من السودان وعدد قليل من الدول الأفريقية الأخرى مثل الصومال وإثيوبيا وأريتريا، هؤلاء ليس لهم مكان أخر يذهبون إليه. العديد منهم أمهات يواجهون مستويات مركبة من العنصرية والتمييز الجنسي ومعاناة اقتصادية في حياتهم اليومية في القاهرة. انطلاقاً من الحاجة، أسست هؤلاء النساء مجتمع دعم من خلاله يمكن أن يهتموا بشئون بعضهم البعض، وقضاء بعض الوقت مع بعضهم على الرغم من عدم توافر الرعاية من جانب المدينة أو المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.    

تقدر المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن حوالي 35737 لاجئ سوداني يعيشون في مصر بنهاية 2017. طبقا للمتحدثة الرسمية باسم المفوضية، كريستن بشاي، فإن نسبة كبير من التمويل الذي تتسلمه المفوضية مخصص للاجئين السوريين، على اعتبار أنهم يمثلون حوالي 56% من السكان الذين يعانون من مخاطر طبقا لتعريف المفوضية. ولكن المفوضية العليا للاجئين تتخذ العديد من الإجراءات لمواجهة هذه الفجوة في التمويل، من خلال قيامها مؤخراً بنشر نداء يقول: “إن التمويل للوكالات الإنسانية العاملة مع اللاجئين من الدول الأفريقية جنوب الصحراء والعراق واليمن أصبح محدوداً للغاية، وأدى إلى عدم عدالة في المساعدات المقدمة لمجموعات اللاجئين المختلفة في مصر”.  

هذ المقال المصور يركز على الحياة اليومية لمجموعة من اللاجئات السودانيات الذين عاشوا، أو ما يزلن يعيشن، أمام مبنى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. هذه الصور تتبع حياتهم اليومية خلال العمل ورعايتهم لأطفالهم والتجول في القاهرة.

في هذه الصورة، مجموعة من النساء اللاجئات على مرتبة في حديقة صغيرة أمام مبنى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في مدينة السادس من أكتوبر، حيث ينام أطفالهن خلال الليل وليالٍ عديدة قادمة. وبحلول ليالي الصيف، تنام بعض النساء في حين تظل الباقيات في الجوار يتحدثن ويشربن الشاي ويأكلن أو يشغلن الكروشيه. (6 يوليو 2018)

“لقد تقابلنا هنا في الحديقة” تقول أبدية، وهى تحاول أن تتذكر كيف قابلت سعيدة، امرأة سودانية أخرى، والتي تمكنت من إيجاد شقة لها ولأولادها. تضيف أبدية وهى محاطة بعدد قليل أخر من النساء وأطفالهم على مرتبة صغيرة “هكذا تقابلنا جميعاً هنا… جالسون بنفس الطريقة”. 

سعيدة، أم لخمسة أطفال، تركت السودان وسافرت لمصر في عام 2014. في القاهرة، هي العائل لنفسها ولأطفالها. تقول “الحياة في هذه الدولة صعبة”. كان عليها التنقل بين الشقق مرات عديدة، وقضت أخر ستة أشهر في الشارع أمام مبنى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. في أحد المرات، أصبح الموقف صعب لدرجة أن سعيدة قررت السعي للجوء في أوروبا عبر قارب من ليبيا. تقول “نحن نغرق هنا في كل الأحوال”. 

في النهاية، قررت سعيدة العودة إلى القاهرة. تركت أبنائها على أمل أنها يمكن أن تقابلهم في مكان أفضل. التنقل المستمر كان عصباً للغاية خصوصا على الأطفال. ما بين العيش في الشوارع والتنقل ما بين ثلاثة عائلات في حين كانت أمهم في ليبيا. تقول سعيدة الأولاد تعبون. بصورة تدريجية يعود الأطفال للانتظام في المدرسة بصورة يومية، وسعيدة نفسها تحاول العودة مبكراً من العمل حتى تقضي وقتاً أطول معهم. تتمنى سعيدة أن تنال بعض الاستقرار. (8 يوليو/تموز 2018)  

في 2017، عاش أطفال سعيدة مع عائلة سودانية أخرى لعدة أشهر حينما كانت في ليبيا. رحلت سعيدة لتجد طريقاً للهجرة إلى أوروبا بنية أن يتبعها أطفالها. لكن محاولاتها فشلت وعادت للقاهرة من أجل أن تكون مع أطفالها. في هذه الصورة، أطفال سعيدة عاشوا من امرأة سودانية تدعى لميس وأطفالها وجدتهم. (7 ديسمبر 2017)

أحد أطفال سعيدة الخمسة، مقبولة، تنام في أحد الأركان أمام مبنى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. بعد فشل رحلتها لأوروبا تدخل مسئولين من المفوضية، حيث عرضوا رعاية أبنائها بصورة مؤقتة حتى تستطيع سعيدة ذلك مالياً. تقول سعيدة “أخبروني أن هذا سيكون مؤقتاً، وبمجرد أن أكون أكثر استقراراً وأستطيع تأجير شقة سوف ينضمون إلي”. للأسف اكتشف بعد ذلك أن أبنائها يعيشون مع مربية مؤذية، ولكنها في النهاية تمكنت من أن تكون معهم. (9 يناير 2018)

تصنع سعيدة السندوتشات لعشاء أبنائها حيث يستعدون للنوم أمام مبنى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. بعض قضاء أشهر في الشارع، وبعد ذلك انفصلت عن أطفالها، تمكنت سعيدة من ترك الحديقة في مدينة السادس من أكتوبر بحلول مايو 2018 لتعيش في منطقة أرض اللواء، حيث تستأجر شقة لنفسها ولأولادها. “بعض الأيام أفضل من الأخرى، هناك أيام لا أتمكن فيها من كسب المال أو أعود إلى المنزل بحوالي عشرين جنيهاً، وهناك أيام أكسب 100 جنيها أو أكثر”. العودة إلى المنزل في وقت متأخر أمر خطير. تم الاعتداء على سعيدة وسرقتها مرة حوالي الساعة 2 صباحاً بالقرب من منزلها في صيف 2018. (9 يناير 2018)

أصغر أبناء سعيدة، إكرام، تنام على بطانيات على الأرض في الشقة المؤجرة حديثاً بعد عودتها من اليوم الأول في المدرسة. بعد أشهر من عدم انتظامها في المدرسة، بدأت هي وأخوتها الذهاب إلى مدرسة سودانية بالقرب من منزلهم الجديد. العودة للمدرسة كان أمراً جيداً لهم جميعاً، على الرغم من أن الأطفال كان لديهم الكثير من الواجبات المنزلية الذي كان عليهم القيام به. (8 يوليو 2018).

سعيدة في شقتها المؤجرة حديثاً مع أطفالها الخمسة. سعيدة تحاول تعليهم ابنتيها الأكبر، أمونة 13 عام ومقبولة 11 عام، أن يقومن بالأعمال المنزلية مثل طبخ الغداء ورعاية اخواتهن الصغار حين تعمل في خان الخليلي. سعيدة تخطط ادخار المال بصورة تدريجية وشراء قطعة أثاث كل شهر. (8 يوليو 2018)

عبيدية وأطفالها التسعة يقضون العديد من الأسابيع أمام مبنى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين قبل أن تتمكن من العودة لمدينة نصر حيث تعيش بصورة أساسية. “أتيت إلى هنا لأني أردت الابتعاد عن زوجي، فهو مدمن كحوليات ويقوم بضربي ولا يعاملني والأولاد جيدا”. أبدية تجد صعوبة في إيجاد شقة لتأجيرها “لأنه يتم اخبارها أن لديها العديد من الأطفال وهم قلقون من الضوضاء في المبنى”. أكبر أبناء عبيدية يبلغ عمره 17 عاماً والأصغر ثلاث سنوات.

نوال، أم لثلاثة أبناء، هربت من جبال النوبة في جنوب السودان لمصر في نهاية عام 2014. عاشت هي وأبنائها أخر أربعة أشهر في عام 2016 أمام مبنى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين حتى تلقت مساعدة مالية من أجل تأجير شقة غير مؤثثة بالقرب من ضواحي الجيزة.

تعتمد نوال بصور أساسية على رسم الحنة في الشوارع الممتلئة بالسياح في الحسين في القاهرة القديمة. تم القبض على نوال لفترة قصيرة بعد وصولها من جبال النوبة في السودان في عام 2014. “انا أتذكر أنها كانت المرة الأولى للذهاب إلى الحسين، وذهبت هناك وأنا متأنقة في الثياب”، تقول نوال ذلك وهى تتذكر ذكرياتها ألأولى في المنطقة. على فترات متقطعة كانت تذهب للمنطقة على مدار السنوات التالية. “لا اعرف كيف تم الامر حينذاك، فقد وقفت في منطقة كان بائع متجول يعتبرها تابعة له، بعد ذلك بدأت مشاجرة وحضرت الشرطة وقامت بالقبض علينا.” منذ ذلك الوقت، تم القبض على نوال مرات عديدة، عادة لساعات قليلة بتهم “التسول”. في ظل الوضع الاقتصادي الصعب في مصر في اللحظة الراهنة تتساءل نوال “ماذا يفترض علينا أن نفعل؟ كيف يمكن أن نعيش ونطعم أطفالنا.”

العديد من النساء يحملن الحنة معهن تحسباً لأي زبائن يريدون رسم الحنة، أو تأتي لهم الفرصة للعمل مع عروسة. يتوقف العابرون دائما في أماكن وجود اللاجئات في الحديقة من أجل السؤال عن أسعار الحنة. النساء السودانيات مشهورات بفن الحنة. رسمة الحنة عادة ما تكلف مبلغ 15-20 دولار حسب حجمها. في هذه الصورة، أحد العابرات طلبت رسمة حنة وأخذت بيانات التواصل معها من أجل أن تطلب منها القدوم إلى حفلة حنتها. تجمع الحنة العديد من النساء معاً في محاولة للتعلم والاعجاب بعمل بعضهن البعض. (10 يوليو 2018)

في هذه الصورة، سعيدة وفطيمة يرسمن الحنة لأثنين من السائحات في خان الخليلي. تقول سعيدة “عادة ما أبدأ عملي هنا حوالي الساعة 2 مساءً وأظل حتى المساء من أجل كسب مبلغ جيد من المال. عادة ما أرحل حوالي الساعة 1 صباحاً”. (17 أبريل 2018)

سعيدة وفاطمة ينتظرن زبائن الحنة في منطقة الحسين في القاهرة القديمة. يسير العديد من النساء السودانيات في المنطقة من أجل القيام برسم الحنة، وعادة ما يجلسون بجوار بعضهم البعض للحديث وملاحظة عمل بعضهم البعض. عمل الشرطة ضد الباعة الجائلين في القاهرة القديمة يتم بصورة غير رسمية. ولكن نوال وغيرها من فناني الحنة أشاروا إلى أن البوليس يستهدف النساء السودانيات بصورة كبيرة، ويقوم بعمل تعليقات عنصرية من قبيل “لقد حولتم المكان إلى سفارة سودانية”. في بعض الأحيان تجد النساء أنفسهن مضطرات لدفع بعض المال في صورة غرامات ورشاوي لرجال البوليس. (17 أبريل 2018)

“كنت في طريق عودتي في ميكروباص من منطقة الحسين وقام الرجل بجواري بجذبي من صدري. قررت أن آخذه إلى قسم الشرطة وعمل محضر ضده، وبالفعل قمت بهذا الأمر. ولكن في قسم الشرطة، كل هؤلاء الناس أخبروني ألا أفعل وأنه قد يذهب إلى السجن. قام هو بالبكاء وأتت عائلته وزوجته. طلبت مني زوجته ألا استمر في المحضر، وأن هذا الأمر سوف يدمر مستقبل أطفالهم. وكانت غاضبة مني وليس من زوجها. أخبرتها أنه كان عليه أن يفكر في مستقبل أولاده قبل أن يفعل هذا الأمر”. قامت منى بعمل المحضر في النهاية، ولكنها تتوقع أن يأخذ هذا الأمر بعض الوقت حتى يتم نظر القضية. في هذه الأثناء، تم الضغط عليها من أجل أن تسحب القضية. (24 أغسطس 2018)

يعيش غالبية الأبناء مع أمهاتهن في الحديقة ويقضون إيامهم في اللعب والطعام والجلوس معاً. بالنسبة لـ عبيدية، الجلوس أمام مبنى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين هو أكثر الخيارات أماناً. تقول عبيدية لمدونة مصدر الشرق الأوسط “لن يتم السماح لنا بالمكوث في مكان أخر”. “هنا يستطيع الأطفال اللعب ويظلوا في الهواء الطلق، والمكان بصورة عامة آمن. (1 ديسمبر 2016)

اشترك في نشرتنا English

جهاد أباظة

صحفية مصرية مستقلة ومتخصصة في الأنثروبولوجي.

شاهد أيضاً

الوضع الطبي في إدلب والمعركة المحتملة هناك

يعد القطاع الطبي أحد أهم مقومات الحياة في أي منطقة، وفي حال انهياره، يمكن أن تنهار المنطقة بكاملها. وهو ما جرى خلال السنوات الأخيرة في سوريا، حيث كان سقوط القطاع الطبي في منطقة معينة يعني سقوط المنطقة المُستهدفة بيد النظام السوري وقواته.

قضية في السياق: من الحرب الأهلية اللبنانية إلى المحكمة الخاصة بـ لبنان

في 21 سبتمبر/أيلول، استمعت المحكمة الخاصة بـ لبنان إلى الحجج الختامية: في القضية الذي اتهم فيها المدعون أربعة أعضاء أو منتسبين لحزب الله باغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري. بعد ثلاثة عشر عاماً من الاغتيال، فإن القضاة في طريقهم لإصدار حكمهم النهائي.

التجنيد في المغرب: عملية غير منتهية

النص النهائي للقانون لم يتم تمريره بعد، لكنه بالفعل خلق حالة من التخبط والنقاش فيما يتعلق بمستقبل السكان المغاربة، الذين يتساءلون عن كيف ستؤدي الخدمة العسكرية الإلزامية إلى مواجهة المشاكل الاقتصادية والاجتماعية المتفاقمة