لعبة الماتريوشكا الليبية

 فاضل الأمين وكريم ميزران

إن تحليل الموقف في ليبيا ومحاولة معرفة جذور الأزمة في ليبيا هو أشبه باللعبة الروسية – الماتريوشكا، وهي عبارة عن مجموعة من العرائس المتشابهة المتصاغرة، كلما فتحت إحداهما وجدت عروس مشابهة في الشكل ولكن أصغر في الحجم، وذلك بشكل لانهائي. قد تُظهر القراءة الأولية أن الأزمة الليبية تنبع من الانقسامات الأيديولوجية بين الإسلاميين والعلمانيين؛ إلا أن تحت السطح هناك سبب آخر ينتج عن صراع الأطراف مع المركز. القراءة الثانية للمشهد تكشف في الحقيقة أن الصراع الليبي يبدو صراعاً من أجل القوة والسيطرة على الموارد. فإذا أمعنت النظر، ستجد أن الانقسام المبني على الهوية ينتج من الصراع بين القبائل والعائلات، والحال يتحدث عن نفسه. وهذا بدوره يُبرز النقاش حول وجود الكيان السياسي الليبي، وفشل نظام القذافي في بناء هوية وطنية، والآثار اللاحقة على جودة وتماسك النخبة السياسية الليبية. توضح استعارة الماتريوشكا التشابكات والتعقيدات للأزمة الليبية، حيث يستند كل مستوى من الانقسام على مظالم حقيقية، ولكن أي منهم لا يمكن اعتباره بمثابة تفسير نهائي للأزمة في البلاد.

تبنى كل طرف في الأزمة الليبية تفسيراً للوضع، وحوّله إلى ذريعة لتعزيز الأنا والمصالح الشخصية على حساب الصالح العام؛ والنتيجة، بلد وشعب متعثرين في شرك موقف خطير ومن الممكن أن يكون مدمراً. على الليبيين التغلب على مظالمهم وطموحاتهم الشخصية، والوقوف متحدين من أجل الصالح العام. ومن أجل استمرار دولتهم على قيد الحياة، عليهم بذل كل الجهد لبناء مؤسسات جديدة قوية وفعالة، وحل الأزمة التشريعية التي تنتشر كوباء، معطلة مساعي الدولة من أجل تحقيق حكم فعال. وفي سبيل التعامل مع الأزمة، يجب اتخاذ بعض الخطوات الشجاعة، وربما غير التقليدية.

على الرغم من عيوبها الواضحة في التصور والتكوين وطريقة العمل، إلا إن حكومة الوفاق الوطني الليبية هي الممثل الوحيد الذي يمكن أن يُبني حوله توافقاً على المستويين المحلي والعالمي، فحكومة الوفاق الوطني الليبية معترف بها من قبل المجتمع الدولي، وربما من قبل الكثير من الليبيين. يجب حل العقبات التي تحول دون التوحيد الكامل للسلطة، يأتي الرفض الرئيسي من مجلس النواب – وهو الجهة التشريعية المنتخبة في يونيو 2014، ومقره في طبرق، حيث يرفض التصديق على حكومة الوفاق الوطني، وتمرير التعديلات الدستورية التي أوصى بها الاتفاق السياسي الليبي، فإن الغالبية العظمى من أعضاء مجلس النواب، لديهم الرغبة للقبول والتصويت لصالح الاتفاق السياسي الليبي، إلا إن رئيس مجلس النواب عقيلة صالح قد منعهم من فعل ذلك، وكذا فعل أنصاره، والذين يمثلون مصالح رجل شرق ليبيا القوي، الجنرال خليفة حفتر.

أحد وسائل حل هذه المشكلة هو التجاوز عن موافقة مجلس النواب. فمجلس النواب نادراً ما يعقد جلساته، بسبب عدم بلوغ النصاب القانوني لحضور الأعضاء، وهناك تشكيك في شرعيته منذ تأسيسه، بسبب انخفاض الإقبال على التصويت في عام 2014، ووجود عدد كبير من الانشقاقات والمقاطعة من قبل بعض الأقليات في البلاد. علاوة على ذلك، فإن الاتفاق السياسي قد مد ولاية مجلس النواب، فقط ليكون الوسيلة للتصديق على التعديلات الدستورية التي سنتها الاتفاقية. ويمكن، بدلاً من ذلك، أن تحظى حكومة الوفاق الوطني بالتصديق الرسمي، من خلال حلف اليمين أمام رئيس المحكمة الدستورية، أو أي عضو قضائي رفيع المستوى.

إن أعضاء مجلس النواب المستعدين لقبول شرعية المؤسسة الجديدة يمكن أن يعيدوا الانعقاد والبدء في عملهم، باعتبارهم الكيان التشريعي للبلاد، كما نص الاتفاق السياسي. ومن ثم يمكن للمجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني – وهو كيان مكون من تسعة أعضاء منوط بهم قيادة البلاد – الاجتماع بالأعضاء المنشقين عن مجلس النواب لإيجاد حلول لمظالمهم. هذه المظالم غالباً ما تتأسس على المادة 8 من الاتفاق، والتي تعطي للمجلس الرئاسي سلطة تعيين وفصل مسئولين كبار، ووضع الجيش تحت سيطرة الحكومة الجديدة.

يعتبر الخلاف حول المادة 8 في بؤرة تحديد مصير حفتر، ومعه رئيس مجلس النواب عقيلة صالح. وبالرغم من الحظر الذي فرضته الأمم المتحدة على الأسلحة، فإن حتفر تمكن من الحصول على السلاح والمعدات بشكل واسع، وذلك عبر قوتين إقليميتين هما مصر والإمارات العربية المتحدة؛ كان الهدف من هذا الدعم الخارجي هو تقوية حفتر لتحقيق نصر عسكري على الأرض، والحصول على موقع في الساحة السياسية، مما يحول دون منح الفرصة لأي منافس في حكم البلاد دون موافقته. نجح هذا التحرك جزئيا فقط، حيث إن قوات حفتر لاتزال لا تمتلك السيطرة الكاملة على مدينة بنغازي. وهم لا يحاربون مسلحي تنظيم داعش في سرت، كما إنهم ليسوا نشطين ضد الجماعات الإسلامية في درنة، وهم لا يواجهون بشكل مباشر قوات حماية النفط المارقة، والتي تعمل تحت قيادة إبراهيم جردان، وتسيطر على موانئ النفط ومعامل التكرير في الشرق.

مع ذلك، تمكن حفتر من فرض نفسه كقوة تجعل من أي فريق يرغب في إيجاد حل سلمي مضطر إلى مواجهته. يمكن للمجتمع الدولي والممسكين بزمام الأمور في مصراته وقوات طرابلس ذات الميول الإسلامية إظهار فهمهم لذلك، من خلال تبني سياسة شاملة قدر الإمكان؛ وينبغي أن تشمل ليس فقط حفتر وأنصاره، ولكن أيضا الأفراد والقبائل التي كانت جزءا من النظام السابق. من المهم اتخاذ خطوة شجاعة، وهي إصدار قانون بالعفو العام؛ وهذا من شأنه المساعدة على مواجهة حالة رهيبة وغير عادلة لكثير من الأشخاص المتهمين بالانتماء لنظام القذافي، والذين اضطروا إلى الهروب إلى المنفى، أو تم سجنهم لسنوات في ظروف غير إنسانية، دون الحصول على تمثيل قانوني أو خدمات طبية. إعادة هؤلاء الناس والجماعات مرة أخرى إلى عملية بناء نظام سياسي تعددي، ليس فقط حكم عادل طال انتظاره، ولكنه أيضا يساعد في إضعاف التنظيمات المتطرفة، مثل داعش، والتي تتمتع بدعم هؤلاء الذين يشعرون بالتهميش من قبل السلطة الجديدة في طرابلس.

تفعيل المسارات الداعمة للمفاوضات التي تقودها الأمم المتحدة – مسار الجماعات المسلحة ومسار النسيج المجتمعي ومسار المجتمع المدني ومسار البلديات والمجالس المحلية – يمكن أن يبني، على خلفية التطورات الأخيرة التي توسعت وصارت أكثر قوة، وفاقاً حول حكومة الوفاق الوطني. وتحظى الاتفاقية مع جردان بالنصيب الأكبر من المناقشات والجدل، وهي أحد التطورات الأخيرة المشار إليها، ويمكن أن تكون شيئاً إيجابياً. إن إعادة فتح الموانئ التي يسيطر عليها جردان يمكن أن تعطي ليبيا بداية جديدة في تصدير النفط، والحصول على الموارد المالية التي تحتاجها. هناك إشكالية أخلاقية يمكن النظر إليها، وهي عقد اتفاقية مع شخص تصرف بشكل غير قانوني، وأغلق الموانئ، وطلب فدية لإعادة فتحها، لكن هذه الحالة ينطبق عليها تماما مثال: الغاية تبرر الوسيلة، ومن ثم سيكون ذلك أكثر قبولا.

تطور آخر حديث وإيجابي حدث عقب القصف الجوي الأمريكي ضد مواقع داعش في سرت، حيث نفذ مسلحو مصراته هجوماً على تنظيم داعش في سرت، بدعم ضئيل من المليشيات في المدن الأخرى؛ لقد تم تنفيذ العملية تحت سلطة حكومة الوفاق الوطني، وتحت قيادة وزير دفاعها مهدي البرغثي. قام بعض المعلقين، في محاولة للتقليل من دور حكومة الوفاق الوطني في هذا الهجوم، بالتشكيك في هذه الحقيقة، وقالوا بأن القيادة الحقيقية لهذه العملية كانت في يد قيادات مصراته؛ إلا إن القيادة العسكرية في مصراته طلبت الدعم الجوي الدولي لبعض الوقت، لكن الدعم لم يتم تقديمه إلا بعد أن طلبته حكومة الوفاق الوطني بشكل صريح. وهي رسالة واضحة من الولايات المتحدة ومن الأوروبيين بأنهم خلف حكومة الوفاق الوطني، ويدعمون سعيها لإعادة النظام والاستقرار.

تظل هناك مصاعب كثيرة تواجه حكومة الوفاق الوطني، بما في ذلك وضع خطة لسرت عقب تحريرها من داعش؛ من الضروري لحكومة الوفاق الوطني أن تضع وبسرعة مسودة خطة لفرض الأمن وتقديم الخدمات الأساسية للسماح للسكان بالعودة إلى ديارهم. إذا وضعنا في الاعتبار هشاشة وضع حكومة الوفاق الوطني في طرابلس، ونقص الكفاءة في النظام البيروقراطي، ومن ثم انعدام ملحوظ في القدرة على العمل، من الواضح أن الدعم الدولي لازم لمواجهة تلك التحديات؛ هل ستقدم الولايات المتحدة والأوروبيون المساعدة المطلوبة؟

الكثير من الأسئلة ما تزال معلقة، ويظل الارتباك وعدم اليقين، لكن طريقاً إلى الأمام يُشَق في ليبيا يومياً؛ على الليبيين توحيد إرادتهم وقوتهم لاستكمال هذا الطريق، لكن من الواضح أنهم يحتاجون إلى مساعدة من الحلفاء الدوليين، الذين يدركون أهمية جلب الاستقرار والحكم الجيد إلى ليبيا.

Read in English

مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط

بقيادة خبراء مقيمين، يقوم مركز رفيق الحريري بدراسة قضايا حل النزاعات وإعادة الإعمار/الإصلاح الاقتصادي، والتغيرات المجتمعية.

شاهد أيضاً

أزمة المياه: كيف تم تحويلها إلى سلاح في الصراع اليمني

يظل الموقف شديد الخطورة، خاصة بالنسبة لليمن، حيث أدى تحويل المياه لسلاح إلى وصول الصراع لحالة حرجة. تقدر الأمم المتحدة أن 14 مليون نسمة، نصف سكان اليمن، يواجهون حالة ما قبل المجاعة. تعد المياه واحدة من أوجه الصراع المعقد هناك، ويظل من الصعوبة تحديد إلى مدى قد أدت إلى مزيد من العنف.

الترحيل غير الشرعي للاجئين السوريين في تركيا

مع استمرار السلطات التركية في رفض إعادة فتح مراكز استقبال الحماية المؤقتة منذ أكثر من عام في معظم الولايات الحدودية، ووقف منح الفارين من الحرب بطاقة الحماية المؤقتة التي تخول صاحبها حق البقاء والحصول على الرعاية الطبية والدراسة والمساعدات الاجتماعية، يعيش آلاف اللاجئين السوريين في تركيا هاجس الترحيل القسري بشكل دائم.

إعادة احياء محادثات السلام في اليمن: ماذا بعد؟

مع ارتفاع عدد القتلى في الحرب الأهلية في اليمن، فإن الحاجة الماسة للسلام تتناقض مع الآمال المتفرقة في عملية سلام. بعد أشهر من التأخير، أعلنت قوات الحكومة والمتمردين في يوم 19 نوفمبر/تشرين الثاني نيتهم تجميد العمليات العسكرية بصورة مؤقتة

إشترك في النشرة البريدية

سيصلك أحدث مقالات مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط