الانقسام الليبي عقبة أمام مؤتمر أصدقاء ليبيا

الوفود المشاركة مؤتمر اصدقاء ليبيا 6 مارس 2014. صورة من وزارة الخارجية الأمريكية.

اجتمع شركاء ليبيا الدوليون وحلفائها بالأمس في روما، من أجل إظهار دعهم لعملية الانتقال الديمقراطي في دولة الشمال الافريقي منذ الإطاحة بنظام القذافي في عام 2011، وبالرغم من طغيان الأزمة المتصاعدة في أوكرانيا على المؤتمر كما أوضحت الأسئلة التي تم وضعها أمام وزير الخارجية الأمريكي جون كيري، فإن مؤتمر أصدقاء ليبيا اجتمع فيه قيادات دبلوماسية على مستوى عالي، في إشارة رمزية إلى التزام المجتمع الدولي بالوقوف بجانب ليبيا، خاصة في ظل تحديات فترة ما بعد الصراع وفترة ما بعد الثورة التي تواجهها  الدولة هناك، أما فيما يتعلق بالمخرجات النهائية للمؤتمر فقد نتج عنه أمور مختلطة، توضح الانقسامات داخل الحكومة الليبية، وحالة التشتت الموجودة بين حلفائها الدوليين.

نجح المؤتمر إلى حد ما، حيث برهن على تحول بارز في الخطاب تجاه ليبيا، التحول من التركيز الضيق على الإطار المتعلق بالأوضاع الأمنية إلى تركيز أكبر على الشأن السياسي، وبناءً على التصريحات والبيانات الصادرة في المؤتمر، يبدو أن المجتمع الدولي أخيراً بدأ يفهم أن التحديات التي تواجه ليبيا متجذرة في حالة الشلل السياسي، ففي العام الماضي في باريس ركز الدبلوماسيون بصورة كلية على الأوضاع الأمنية المتدهورة، وشددوا على حاجة ليبيا إلى بناء أجهزة أمن وطنية، وعلى أساس ما تمخض عنه مؤتمر باريس تم توجيه الجهود لتدريب الجنود الليبيين، وعلى مدار الشهور الماضية تعلم صناع السياسة أن حالة غياب الأمن المتزايدة هى نتيجة – وليست السبب –  لمشكلات ليبيا، كما أن قوات المليشيات تعتبر سبباً في إنهاك مؤسسات الدولة الضعيفة، ووضع شرعيتها موضع التساؤل من أجل تنفيذ اجنداتهم الضيقة، ونتيجة لذلك فإن تصريحات رسمية صدرت من جميع الحاضرين – بداية من نائب الأمين العام للشئون السياسية جيفري فيلتمان حتى وزير الخارجية الروسي سيرجي ليفاروف –  أعطت اهتماماً كبيراً لعملية التحول الديمقراطي، وحتمية تمكين المؤسسات في ليبيا، وأخيراً أهمية بناء توافق من خلال الحوار الوطني، من أجل ايجاد حل للأزمة السياسية هناك.     

 وعلى الرغم من ذلك، فإن هذه التصريحات الرسمية ينقصها الدقة أو الاقتراب التحليلي للتطورات الداخلية واحتياجات ليبيا، فهي تعكس محاولة ضعيفة من أجل التأكيد على الدعم لليبيا، ولكنها في نفس الوقت حافظت على مسافة كافية من أجل تلافي أي انتقادات توجه لها بالتدخل في شئون ليبيا، ليس هناك شك في أن الشركاء الدوليين يريدون مساعدة ليبيا، ولكنهم لا يعرفون من أين يبدأون بالتحديد؟ ففي كلمتها الافتتاحية أكدت وزيرة الخارجية الايطالية فريدريكا موغريني على استعداد أوروبا لمساعدة ليبيا، في حال ما إذا تمكنت الدولة من البرهنة على قدرتها على استيعاب المساعدات، هذه التصريحات تشير بصدق إلى أن الانقسامات الداخلية في ليبيا تقف حائلاً أمام التنمية، بصورة عامة فإن الرسالة إلى ليبيا يبدو أنها صيغت لتكون: نحن نريد أن نساعد، ولكن بدون ضمانات من الحكومة الليبية فإن المساعدات لن تساعد في تحقيق أي فارق. لكن الليبيين لم يستلموا هذه الرسالة بالتحديد.

لقد عكس المؤتمر بصورة جلية حالة الشلل السياسي والاستقطاب التي تسيطر على ليبيا، فعلى مدار الشهور العديدة الماضية، تصاعدت المشاحنات السياسية بين المؤتمر الشعبي العام وحكومة رئيس الوزراء على زيدان، وقد اتسمت هذه المشاحنات بتهديد السلطة التشريعية بإجبار زيدان على الاستقالة، وعلى الطرف الأخر استغلال حكومة زيدان للانقسامات الداخلية في المؤتمر الشعبي العام، من أجل البقاء في السلطة، ونتيجة لهذه الخصومة المتأصلة فإن ليبيا قد أرسلت وفدين إلى روما، فبالإضافة إلى الوفد الرسمي الذي رأسه رئيس المؤتمر الشعبي العام نوري أبو سهمين، قام زيدان برئاسة فريقه الخاص، مما قوض أي مظهر لليبيا الموحدة، والتي يمكن أن يتعامل معها المجتمع الدولي.

من البداية كانت نية منظمو المؤتمر أن يعطوا المساحة التي من خلالها يمكن لليبيا أن تقدم مقترحاتها للمساعدات، في محاولة لإظهار أن الليبيين لهم اليد العليا على عملية الانتقال، وبدلاً من ذلك تلقى المجتمع الدولي عدد من المطالبات كما عبر عنها أبو سهمين وزيدان، حيث  ألقى كل منهم كلمة في المؤتمر، حيث ذكر كل منهم مجموعة من الأولويات التي تلقى الضوء على الهوة المتزايدة بين المعسكرين، فقد خصص أبو سهمين جزء كبير من اهتمامه بتقديم المؤتمر الشعبي العام باعتباره الهيئة الشرعية، كما دافع بقوة عن الهيئة التشريعية، حيث تتصاعد الخلافات حول ضرورة حلها، على اعتبار أن القانون المؤسس لها قد انتهى في السابع من فبراير الماضي، كما أنه أشار إلى تشكيل لجنة فبراير، والتي ستكون مهمتها صياغة مقترحات لتعديل الاعلان الدستوري الانتقالي، من أجل تمهيد الطريق لانتخابات محتملة، والتي من الممكن أن تحل محل المؤتمر الشعبي العام القائم حالياً، وذلك اعتماداً على التقدم الذي يمكن أن يتحقق في عملية صياغة الدستور، كما نادى أبو سهمين أيضا بالوحدة الليبية مشيراً إلى شخصية عمر المختار التاريخية، ولكنه لم يشر إلى مرجعية عملية الحوار الوطني، هذه المبادرة – عملية الحوار الوطني – التي يدعمها زيدان، ويؤكد أنها يمكن أن تكون قاعدة لتوحيد الليبيين حول هوية مشتركة، أما في خطابه فقد ناقش زيدان بمصطلحات غير محددة أهمية تنمية القطاع الخاص في ليبيا، وتنفيذ برنامج جمع الأسلحة، إن هذا التركيز المتناقض يوضح الانقسام الذي تشهده الدولة في ليبيا والمصالح المتباينة هناك، كما يشير أيضاً إلى المأزق الذي يواجهه المجتمع الدولي، في ظل رغبته في تقديم المساعدة، ولكنه معوق بمحاولة إيجاد شركاء متعاونين وموثوق فيهم في السلطات الليبية.

بالرغم من النتائج المختلطة، لم يكن مؤتمر روما بالأمر الهين، في ظل بيئة تتسم بالأولويات المتنافسة والموارد المحدودة، ففي العام الثالث بعد الثورة التي دعمها حلف الناتو، فإن اجتماع أصدقاء ليبيا أوضح بصورة جلية أن ليبيا ما تزال موجودة على أجندة السياسة الخارجية، إن مثل هذه الاشارة الرمزية يمكن أن تولد زخما من أجل التحرك، في حالة التزام الممسكين بالسلطة في ليبيا بالمبادئ التي تمت صياغتها في البيان الختامي، والذي تمت صياغته بواسطة وزارة الخارجية الايطالية، وأكثر ما تتم ملاحظته “اتفق المشاركون على تقييم كل جهود بناء المؤسسات والقدرات والتدريب والمعدات والمشتريات والاحتياجات والانشطة بصورة دورية، في إطار التعاون مع الشركاء الدوليين، واتفق المشاركون أيضا على بناء شراكة دولية مع ليبيا، من أجل مراقبة ومتابعة التقدم المتحقق في هذه الاتفاقات”، في إشارة إلى المسارين – المسار الأمني والمسار السياسي – والذي من أجلهما حدد المؤتمر أطر ذات صلة بمسئولية السلطات الليبية وشركائهم حول العالم.

إن التزام الممسكين بالسلطة هناك تجاه هذه التعهدات يظل غير معلوم، فغياب عنصر تماسك الحكومة يمكن أن يؤدي إلى نفاذ صبر قادة دول العالم، والذين قد يتخلوا عن الهدف بعيد المدى المتعلق بدعم المؤسسات السياسية في ليبيا، والتركيز بدلاً من ذلك على الاحتواء قريب المدى المتعلق بعدم الاستقرار المتنامي، إن التخلي عن المسألة السياسية لصالح الأمن يمكن أن يأخذ البلاد إلى النقطة التي بدأت منها، وهو هدف يجب على كل من الليبيين وشركائهم تجنبه مهما كانت التكلفة.

Read it in English

كريم ميزران

هو كبير باحثين في مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط، حيث تركز اهتماماته البحثية على عمليات التغير في منطقة شمال افريقيا.