مستقبل ليبيا واستيلاء حفتر على النفط

كريم ميزران وماتيا توالدو

يبدو أن الوضع في ليبيا سيؤول إلى مواجهة مسلحة بين القوات الموالية لحكومة الوفاق الوطني المدعومة من الأمم المتحدة، وبين قوات الجيش الوطني الليبي تحت قيادة الجنرال خليفة حفتر. من الناحية الشكلية، الجنرال حفتر تحت سيطرة مجلس النواب، برلمان مقره في طبرق، وهو أيضا تحت سيطرة الحكومة برئاسة عبد الله الثني، والتي يقع مقرها في البيضا. ولكن في الحقيقة، فإن حفتر هو قائد نفسه، وقد تم تشجيعه بدعم قوي من مصر والإمارات العربية المتحدة، لإطلاق حملته للسيطرة على أكبر قدر ممكن من الأراضي الليبية، كانت استراتيجية الجنرال واضحة منذ وقت طويل، وفي الأحداث الأخيرة، كان الهجوم المفاجئ والسريع للاستيلاء على البنية التحتية للنفط في خليج السدرة تعتبر تأكيداً عملياً على هذه الخطة.

استخدم حفتر معركة تحرير بنغازي، بدعم مصري كامل، من الإرهابيين كفرصة لتقوية نفوذه؛ في الواقع، طالما احتدمت المعركة في بنغازي، وإن كان ذلك يقتصر على بعض الأحياء فقط، فإن المبرر دائما موجود للدعم بالسلاح والمعدات والتدريب الذي ترسله كل من مصر والإمارات العربية المتحدة. إلا أنه في الحقيقة، جزء من هذا الدعم يذهب نحو تمكين قوات حفتر من الوصول إلى مستوى الفاعلية، لتقوية موقفها ودعمها للسيطرة على شرق ليبيا، وشن هجوم مفاجئ للاستيلاء على المنشآت النفطية في خليج السدرة.

كانت هذه المنشآت تحت سيطرة إبراهيم الجضران، قائد قوات حرس المنشآت الليبية النفطية، على مدى السنوات الثلاثة الماضية. الجضران، والذي يراه العديد من الليبيين كمبتز لكثير من الحكومات، أذعن للاعتراف بحكومة الوفاق الوطني الليبية في مقابل مالي كبير، ومن ثم كان يقوم بإعاقة توسع حفتر نحو الشرق في خليج السدرة. وبالرغم من ذلك، كان هجوم الجيش الوطني الليبي ناجحاً بشكل كبير، وأصبح حفتر، بدءا من 12 سبتمبر، هو المسيطر على أغلب النفط الليبي، ووردت الأنباء عن استيلائه على موانئ راس لانوف والسدرة والزيتونة. بينما يستعد الجضران وحلفائه (أولهم وزير دفاع حكومة الوفاق مهدي البرغثي) لشن هجوم مضاد، فإن سيطرتهم على تلك المنشآت قد اُخترق بشدة بعملية حفتر العسكرية.

يدين قرار مجلس الأمن رقم 2278 بوضوح محاولات تصدير البترول الخام بشكل غير قانوني من ليبيا، بما في ذلك المؤسسات الموازية، والتي لا تعمل تحت سيطرة حكومة الوفاق الوطني، ويضع آلية تتمكن من خلالها حكومة الوفاق الوطني من طلب المساعدة الخارجية لتفعيل هذا القانون. بقول آخر، لا يمكن للنفط أن يباع إلا من خلال المؤسسة الوطنية للنفط برئاسة عبد الله صنع الله، ومقرها في طرابلس. وبناء عليه، فإن استيلاء حفتر على البنى التحتية للنفط لا يترجم فوراً إلى أصول تصنع الإيرادات. الهدف من هجوم حفتر، بالأحرى، هو السيطرة على الموارد الطبيعية بعيداً عن يد حكومة طرابلس بقيادة فايز السراج، لمنع المضي في تأسيسها، ولزعزعة استقرار ائتلاف الجماعات المسلحة التي تدعمها، من خلال القضاء على الجضران.

حقول النفط الليبية
حقول النفط الليبية

الآن حفتر في موقف يستطيع فيه أن يملي شروطه حول دوره في مستقبل ليبيا؛ ويستطيع، إذا أراد، أن يتفاوض مع السراج وداعميه الدوليين من موقع القوة، هو الآن يمتلك سيطرة على الأرض على قطاع كبير من الضاحية الشرقية، وسيطرة على موارد النفط وموانئه، وتحت قيادته قوات مسلحة أفضل بكثير من حيث الإعداد والتدريب، ولديه داعمين دوليين قويين وهما مصر والإمارات العربية المتحدة.

ربما تكون ردة الفعل الأولى لكل من السراج وبعض الجهات الدولية هو الميل إلى المواجهة المباشرة ضد حفتر، فقد وجّهه السراج وزير دفاعه لتنظيم القوات تحت قيادته، لشن هجوم مضادة وإعادة احتلال المنشآت النفطية.

من الصعب القول، ما إذا كانت القوات التي تدعم حكومة الوفاق الوطني، خاصة المسلحين في مدينة مصراته، يمكن أن يشتبكوا في معركة ضد قوات حفتر، فقد انخرطت قوات مصراته في قتال دام لطرد إرهابيي تنظيم داعش من مدينة سرت، وبالرغم من تمكنهم من تحقيق النصر على الأرض، إلا إنهم دفعوا ثمناً باهظاً فيما يتعلق بخسائر الحرب. من الصعب تخيل أن سكان المدينة لديهم الإرادة لتحمل حملة عسكرية أخرى، هذه المرة ضد القوات الليبية، سيكون المردود النافع قليل جدا من تصعيد مضاد، بينما مزيد من القتال يمكن أن يخلق المزيد من الخسائر، ويحرم البلاد من المساعدات الضرورية، لإعادة بناء المستشفيات والمدارس والبنى التحتية العامة.

من المهم أن تستكمل الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوربيين وقوفهم ضد بيع النفط من خلال أي جهة بخلاف المؤسسة الوطنية للنفط؛ الأمر لا يتعلق بالميل إلى جانب جهة على حساب الأخرى، وإنما يتعلق ببناء الظروف المواتية للحد من التصعيد من خلال صفقة حول عائدات النفط، يمكن لحفتر أن يسيطر على بعض المنشآت النفطية، ولكن بدون المؤسسة الوطنية للنفط، لا يمكنه بيع النفط بشكل قانوني، ومن ثم، فهو يحتاج إلى اتفاق مع حكومة الوفاق الوطني في طرابلس، هذه الاتفاقية يمكن أن تؤكد على أن موارد النفط تعود ملكيتها لكل الليبيين، لا لمن يسيطر عليهم عسكرياً، مع تجنب الاحتمال الكارثي لمواجهة عسكرية مباشرة.

يمكن لموقف قوي من جانب الولايات المتحدة وأوروبا لتفعيل قرار مجلس الأمن رقم 2278 أن يسهل الطريق لتحقيق هذه الصفقة، إلا أن موقفاً قوياً كهذا ليس من المتوقع أن يحدث؛ قامت القوات الأوروبية الخاصة بدعم قوات حفتر ضد الجهاديين في بنغازي، ودعم قوات مصراته ضد داعش في سرت. وهذا ربما يمنعهم من اتخاذ موقف واضح وعسكري يمكن أن يقرأ بوصفه تفضيل لجانب على الآخر، لكن الاحتفاظ بـ”الحياد” تجاه النفط في ليبيا سيكون محفزا للتقليل من التصعيد، والذي سيكون في مصلحة الجميع.

هذا الموقف يجب أن يكون جزءاً من مشروع أوسع يهدف للتصالح بين المدن المختلفة والقبائل والمجموعات الاجتماعية. كان النفط محركا للحرب حتى الآن في ليبيا، ومن أجل البدء في استخدامه لجلب السلام، فإن عقداً اجتماعياً حول توزيع عائدات النفط أمر ضروري، وهذا من شأنه التعامل مع المطالب المشروعة للكثير من مؤيدي حفتر.

أيا كانت التبعات لعملية حفتر الأخيرة، يبقى شيء واحد مؤكد وهو أن محنة الشعب الليبي أبعد ما تكون عن نهايتها.

Read in English

كريم ميزران: كبير باحثين في مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط.

ماتيا توالدو: كبير باحثين في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية.

مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط

بقيادة خبراء مقيمين، يقوم مركز رفيق الحريري بدراسة قضايا حل النزاعات وإعادة الإعمار/الإصلاح الاقتصادي، والتغيرات المجتمعية.

شاهد أيضاً

أزمة المياه: كيف تم تحويلها إلى سلاح في الصراع اليمني

يظل الموقف شديد الخطورة، خاصة بالنسبة لليمن، حيث أدى تحويل المياه لسلاح إلى وصول الصراع لحالة حرجة. تقدر الأمم المتحدة أن 14 مليون نسمة، نصف سكان اليمن، يواجهون حالة ما قبل المجاعة. تعد المياه واحدة من أوجه الصراع المعقد هناك، ويظل من الصعوبة تحديد إلى مدى قد أدت إلى مزيد من العنف.

الترحيل غير الشرعي للاجئين السوريين في تركيا

مع استمرار السلطات التركية في رفض إعادة فتح مراكز استقبال الحماية المؤقتة منذ أكثر من عام في معظم الولايات الحدودية، ووقف منح الفارين من الحرب بطاقة الحماية المؤقتة التي تخول صاحبها حق البقاء والحصول على الرعاية الطبية والدراسة والمساعدات الاجتماعية، يعيش آلاف اللاجئين السوريين في تركيا هاجس الترحيل القسري بشكل دائم.

إعادة احياء محادثات السلام في اليمن: ماذا بعد؟

مع ارتفاع عدد القتلى في الحرب الأهلية في اليمن، فإن الحاجة الماسة للسلام تتناقض مع الآمال المتفرقة في عملية سلام. بعد أشهر من التأخير، أعلنت قوات الحكومة والمتمردين في يوم 19 نوفمبر/تشرين الثاني نيتهم تجميد العمليات العسكرية بصورة مؤقتة

إشترك في النشرة البريدية

سيصلك أحدث مقالات مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط