ليبيا: من التدخل إلى الحرب بالوكالة

إعداد – علي مرهون

لا يزال تدخل حلف الناتو في ليبيا عام 2011 يثير جدلاً حول إذا ما كان ناجحاً أم فاشلاً؟ هل شكل التدخل بداية لحقبة جديدة أو دمار لدولة وطنية؟ من المغري وصف التدخلات الدولية بالناجحة أو الفاشلة، بيد أن التدخلات نادرا ما تكون بسيطة، وهناك طرق أكثر دقة للحكم عليها، وهي التركيز على ما إذا ما تمت بشكل صحيح. وأحياناً، قد تكون التدخلات ضرورية أو حتى مفيدة، ولكن يجب التخطيط لها بتركيز واضح متفق عليه – وإن أمكن – مع جهات فاعلة محلية على أرض الواقع، هذه الأمور وغيرها هي صلب تقرير مركز رفيق الحريري الجديد “ليبيا: من التدخل إلى الحرب بالوكالة” والذي أعده كلا من كريم ميزران وإليسا ميلر.

ينظر هذا التقرير في تدخل الناتو في ليبيا في مارس/آذار 2011، بعد قرار مجلس الأمن رقم 1973، الذي يأذن للدول الأعضاء باتخاذ جميع التدابير اللازمة لحماية المدنيين المعرضين للتهديد. كان تفويض القرار بمثابة حماية للمدنيين في بنغازي ضد نظام معمر القذافي، لكن على الرغم من محدوديته، فإن الطريقة التي نُفذت بها عمليات الناتو أوضحت على الفور أن الهدف الحقيقي للتدخل كان أوسع من حماية المدنيين، ألا وهو اسقاط نظام القذافي، حيث قصفت قوات التحالف بشكل مكثف أهدافا خارج مجال تفويض مجلس الأمن، مع نية واضحة لقتل الرئيس الليبي. لكن الائتلاف، بعد هذه العمليات، فشل في وضع خطة لاستعادة النظام العام في ليبيا.

ونتيجة لذلك، وبعد مرور أكثر من ست سنوات، أصبح الحال في ليبيا أكثر تعقيداً وخطورة؛ لقد طورت الميليشيات التي قاتلت ضد القذافي مصالح متباينة، ووجدت فوائد في ترسيخ سيطرتها على المدن والقرى. وأدى ذلك إلى تفتيت السلطة، الأمر الذي أسهم بدوره في انتشار المنظمات الإجرامية التي قوضت من جديد أي جهود لإعادة الإعمار، وإمكانية إنشاء مؤسسات للدولة. وفعلاً، دفع التنافس بين مختلف الفصائل سلسلة من الجهات الخارجية إلى التدخل سياساً في ليبيا، مما حوّل الصراع في البلاد إلى حرب بالوكالة.

وأصبحت مصالح الجهات الخارجية في ليبيا معقدة ومترسخة في آن واحد؛ إن فهم هذه العوامل يظهر ضرورة التنسيق من قبل الغرب لحماية ليبيا من المصالح الإقليمية المتنافسة في التدخل في شؤونه الداخلية، ووحده ذلك قد يؤدي لإعادة بناء النظام بنجاح. ويمكن أن يشمل ذلك تدخلا عسكريا منظم، محدد ومحدود لدعم القوات الليبية التي تسعى لحل الأزمة وبناء دولة جديدة أكثر تعددية. بعد أكثر من ست سنوات، تواجه الدول الغربية نفس خيار: التدخل أو الابتعاد في حين تنشتر الفوضى.

على هذه الخلفية، يتناول التقرير عدة مواضيع؛ فبالنظر للتداعيات الأولية للتدخل، كان أكبر قصور للناتو عام 2011 هو عدم مساعدة البلد في استعادة الاستقرار بعد العمليات العسكرية. في حين أن الناتو قد لا يكون قادرا على منع الجهات الإقليمية من الانخراط في ليبيا – حيث أن ليبيا ذات أهمية اقتصادية ووطنية هامة في مجال الأمن لجيرانها في مصر وتونس والجزائر، وأيضاً في الخليج – لكن استمرار وجود الناتو في ليبيا مع التركيز على حفظ الاستقرار كان بإمكانه أن يدير خلافات ما بعد التدخل بين مختلف الأطراف المتنافسة. بدلاً من ذلك، أدى رحيل الناتو وتصميمه على عدم “امتلاك” القضية الليبية إلى تدهور سريع على الأرض.

وتبدو الصورة أكثر تعقيداً عند النظر إلى الجهات الإقليمية المعنية؛ فبين دول الخليج، تحمل الامارات والسعودية رؤية متعارضة تماما مع رؤية قطر بشأن ليبيا. في العقد الأخير، رأت هاتان الدولتان تهديداً وجودياً في الإسلام السياسي. وعليه، شنوا حملةً حازمة ضد الإسلام السياسي في جميع أنحاء المنطقة كان لها تداعيات في ليبيا بدعمهم للجنرال خليفة حفتر، كما انضمت الحكومة الموالية لحفتر في طبرق إلى الكتلة السعودية في قطع العلاقات مع قطر. وبنفس المنطق، ترى استراتيجية الأمن القومي في مصر في إنشاء منطقة نظام خالية من الإسلاميين على حدودها الغربية هدف أساسي. وقد قاد ذلك لدعم مصري قوي ومتواصل للجيش الوطني الليبي (بقيادة حفتر) في عملياته ضد الإسلاميين في بنغازي، وعلى نطاق أوسع في المناطق الشرقية للبلاد.

لكن التدخلات الإقليمية تعكس صورة أكبر، وهي التدخلات الدولية في ليبيا، فبعد تردد مصر لدعم حفتر عسكرياً لاستعادة السيطرة على جميع مناطق ليبيا، سعى الجنرال الليبي لاكتساب دعم قوة أخرى مركزية هي روسيا. قد يرى حفتر أيضاً أن التعاون مع روسيا يمثل فرصة لجذب الولايات المتحدة إلى جانبه بتهديدها بمنح المنافس الأمريكي التقليدي فرصة لإقامة موطئ قدم في وسط البحر الأبيض المتوسط. تعطي هذه الظروف موسكو الفرصة لملء الفراغ القيادي الذي خلفه الغرب، وخاصة الولايات المتحدة، في ليبيا. كما لعبت كبرى الدول الأوروبية – المملكة المتحدة وفرنسا وإيطاليا – دورا في حروب الوكالة، حيث ظلت إيطاليا ثابتة ومتماسكة في دعمها لحكومة السراج، مع التسليم أيضا بأهمية إدراج حفتر في أي تسوية سياسية مستقبلية. غير أن سلوك المملكة المتحدة وفرنسا كان أكثر غموضا. في حين أن كلا البلدين قد دعما بلاغياً الاتفاق السياسي الليبي وحكومة السراج، فإن وحدات العمليات الخاصة التابعة لهما ساعدتا بنشاط قوات حفتر في معاركه ضد الإسلاميين في بنغازي وباقي المناطق الشرقية. لفرنسا مصلحة في الحفاظ على نفوذها في الجزء الجنوبي من ليبيا، وبالتالي لم تتردد في دعم مختلف الفصائل في البلاد بغض النظر عن العواقب المترتبة على عملية المفاوضات السياسية. كما تبدو أوروبا أكثر اهتماما بوقف التهديد الناجم عن أزمة اللاجئين المتفاقمة القادمة من شواطئ ليبيا.

وعلى العكس من ذلك، فإن الولايات المتحدة ليس لديها مصالح حساسة على المحك في أزمة ليبيا بخلاف مكافحة الإرهاب، نظرا لمحدودية موطئ قدم تنظيم داعش في ليبيا، بعد طرده من المدينة من سرت في أواخر عام 2016. لكن نظرة أخرى للأزمة تظهر أن استقرار ليبيا يجب أن يكون محوراً مركزياً للسياسة الخارجية الأمريكية. إن لعدم استقرار ليبيا عواقب أمنية وخيمة على حلفاء الولايات المتحدة مثل مصر والجزائر، فضلا أن أزمة المهاجرين التي تواجه حلفاء واشنطن في جنوب أوروبا هي أسباب تكفي الولايات المتحدة لتبني دور أكبر في ليبيا.

ويشير التقرير، أنه غياب قيادة ورؤية غربية للأزمة، أعطى روسيا وجهات إقليمية استعداداً فرصة للدفاع عن مصالحهم بالتدخل في المعركة، والتلاعب في التطورات على الأرض. إذا استمرت الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوروبيون في السماح لحلفاء حفتر بملء الفراغ، فإن الصراع في ليبيا عرضة للتصعيد.

اشترك في نشرتنا Read Full Report

مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط

بقيادة خبراء مقيمين، يقوم مركز رفيق الحريري بدراسة قضايا حل النزاعات وإعادة الإعمار/الإصلاح الاقتصادي، والتغيرات المجتمعية.

شاهد أيضاً

أزمة المياه: كيف تم تحويلها إلى سلاح في الصراع اليمني

يظل الموقف شديد الخطورة، خاصة بالنسبة لليمن، حيث أدى تحويل المياه لسلاح إلى وصول الصراع لحالة حرجة. تقدر الأمم المتحدة أن 14 مليون نسمة، نصف سكان اليمن، يواجهون حالة ما قبل المجاعة. تعد المياه واحدة من أوجه الصراع المعقد هناك، ويظل من الصعوبة تحديد إلى مدى قد أدت إلى مزيد من العنف.

الترحيل غير الشرعي للاجئين السوريين في تركيا

مع استمرار السلطات التركية في رفض إعادة فتح مراكز استقبال الحماية المؤقتة منذ أكثر من عام في معظم الولايات الحدودية، ووقف منح الفارين من الحرب بطاقة الحماية المؤقتة التي تخول صاحبها حق البقاء والحصول على الرعاية الطبية والدراسة والمساعدات الاجتماعية، يعيش آلاف اللاجئين السوريين في تركيا هاجس الترحيل القسري بشكل دائم.

إعادة احياء محادثات السلام في اليمن: ماذا بعد؟

مع ارتفاع عدد القتلى في الحرب الأهلية في اليمن، فإن الحاجة الماسة للسلام تتناقض مع الآمال المتفرقة في عملية سلام. بعد أشهر من التأخير، أعلنت قوات الحكومة والمتمردين في يوم 19 نوفمبر/تشرين الثاني نيتهم تجميد العمليات العسكرية بصورة مؤقتة