الأكراد ومعضلة وجود كيان كردي في سوريا

جندي كردي سوري يقف في نقطة تفتيش على الحدود السورية-العراقية، 31 أكتوبر 2012. صورة من رويترز.

نتيجة التغييرات السياسية والعسكرية التي حدثت في سوريا عقب اندلاع الاحتجاجات الشعبية في سوريا منتصف مارس/آذار 2011، استطاع الكرد السيطرة على مناطقهم الرئيسية الثلاثة في سوريا منتصف عام 2012، وهي كوباني (عين العرب) وعفرين والحسكة، لكنهم رغم ذلك يواجهون صعوبات سياسية نتيجة خلافات كثيرة بين الأحزاب الكردية السورية نفسها، مخاوف تركيا من توحيد الكرد مناطقهم في شمالي سوريا، وتدهور العلاقات بمجموعات المعارضة. إذا لم يحل الكرد بعض هذه المشاكل، فسيُحاطون بلاد معادية لهم. 

وتأتي الخلافات الكرديةـالكردية – في سوريا – كنتيجة حتمية لارتباط تلك الأحزاب بثلاثة أحزاب كُردستانية، اثنان منهما يتخذانِ من إقليم كردستان العراق معقلاً لهما، أولهما الحزب الديمقراطي الكردستاني الّذي يتزعمه مسعود البارزاني – رئيس إقليم كُردستان العراق، وثانيهما الاتحاد الوطني الكردستاني الّذي يتزعمه الرئيس العراقي السابق جلال الطالباني، وكذلك حزب العمال الكُردستاني في تركيا، الّذي يقوده عبد الله أوجلان من سجنه في جزيرة إيمرالي التركية منذ أكثر من عقدٍ ونصف، والذي صنفته أمريكا جماعة إرهابية. 

فقد أدت تبعية الأحزاب الكردية في سوريا لهذه الأطراف إلى هيمنة طرف كردي واحد هو حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي (الـ PYD) الّذي أعلن عن «الإدارة الذاتية المدنية الديمقراطية في سوريا» منذ أواخر عام 2013 بمشاركة أحزاب وتيارات كردية سورية مقرّبة من حزب الاتحاد الوطني الكُردستاني وحزب العمال الكُردستاني، وأخرى عربية ومسيحية آشورية، إلى جانب مشاركة بعض العشائر العربية من منطقة الجزيرة السورية.

حاولت تركيا في عام2011 منع حزب العمال الكردستاني من التقدم ونشر نفوذه في سوريا على حدودها باستخدام علاقتها بإربيل في العراق، فقرر دعم أحزاب المجلس الوطني الكردي في سوريا المقرّب من الحزب الديمقراطي الكُردستاني في إقليم كُردستان العراق، والاعتراف به كالممثل الشرعي الوحيد للكرد السوريين، ورفض التعامل بشكل مباشر مع حزب الاتحاد الديمقراطي. كما سمحت تركيا للمقاتلين الإسلاميين بالسفر من تركيا لسوريا لمحاربة النظام الأسدي، وأيضا لكبح انتشار الحزب الاتحاد الديمقراطي. 

عززت أفعال تركيا من قوة حزب الاتحاد الديمقراطي وحزب العمال الكردستاني بدل إضعافهما كما نوت تركيا، فقد تقدم حزب الاتحاد الديمقراطي في سوريا، واعتبره الكرد السوريين الحامي الوحيد من المقاتلين الإسلاميين، وحاول حزب الاتحاد التقرب من أحزاب المجلس الوطني الكردي. في يوليو/تموز- سبتمبر/أيلول 2012، اتفق حزب الاتحاد الديمقراطي والمجلس الوطني الكردي على تحسين تعاونهما، وتشكيل اللجنة العليا لإدارة المناطق الكردية معاً، ولكن لم يُنفذ الاتفاق. ثم تم إقصاء المجلس الوطني الكردي عن المشاركة في هذه الإدارة الذاتية، على الرغم من مفاوضات واتفاقيات سياسية بين الطرفين برعاية رئاسة إقليم كُردستان، لكنها لم تؤدِ إلى حلٍ جذري لحل هذه الخلاقات القائمة حتى الوقت الراهن، لأسباب كثيرة، منها مطالبة مسؤولي الإدارة الذاتية بالسماح بدخول قوة عسكرية تتبع للمجلس الوطني الكردي في سوريا إلى المدن الكردية السورية، شريطة أن تقاتل تحت راية وحدات حماية الشعب، الأمر الّذي رفضه المجلس الوطني الكُردي، ما أدى لسيطرة الإدارة الذاتية على المدن الكردية السورية وحدها، دون مشاركة المجلس الوطني الكردي في كافة مناحي الحياة السياسية والعسكرية.

وأدى انقسام المعارضة السورية بين معارضة الداخل السوري والخارج، إلى انقسام حزبي كردي-كردي، وإلى انقسام عرقي كردي ـ عربي. إن المجلس الوطني الكردي هو عضو في الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، الذي وصف حزب الاتحاد الديمقراطي بانه “يلعب دور المعادي للإدارة الذاتية الديمقراطية.” الأمر الّذي أدى إلى ظهور عداء كردي ـ كردي بين حزب الاتحاد الديمقراطي – الحاكم الفعلي في المدن الكردية السورية – وبين المجلس الوطني الكردي في سوريا، فالأول – أي حزب الاتحاد الديمقراطي – يتهم المجلس الوطني الكردي بالتواطؤ مع الحكومة التركية، نتيجة عضويته في الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، والّذي يتهمه الحزب أيضاً بدعم مجموعات إسلامية متطرّفة، بينما الثاني وهو المجلس الوطني الكردي، حيث يتهم حزب الاتحاد الديمقراطي بالتنسيق مع النظام السوري، لغموض موقفه من الثورة السورية. ما يعني فعلياً أن الخلافات السياسية الكردية ـ الكردية، هي التي قد تؤدي لصراع مسلح، كما حدث بين طرفين كرديين في كُردستان العراق منتصف التسعينيات من القرن الماضي، خاصة وأن المجلس الوطني الكردي في سوريا لديه ذراع عسكري يتدرّب في إقليم كردستان العراق، لكن الطرف الأول لم يسمح له بالدخول إلى الأراضي الكردية السورية إلى الآن. 

أدت الخلافات السياسية بين حزب الاتحاد الديمقراطي والمجموعات العربية للمعارضة إلى تدهور العلاقات العربية–الكردية، على سبيل المثال كان حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي من مؤسسي هيئة التنسيق الوطنية المعارضة في سوريا، والتي تشكّلت بدمشق بعد اندلاع الاحتجاجات الشعبية في سوريا، ولك، علاقات حزب الاتحاد بهيئة التنسيق بدأت تنهار عند إعلان حزب الاتحاد نواياه لتأسيس الإدارة الذاتية، الذي اعتبرته هيئة التنسيق خطوة مقسمة لسوريا. انسحب حزب الاتحاد من هيئة التنسيق في 8 يناير/كانون الأول عمن العام الحالي قائلا في بيانه أن “بعض أعضاء المكتب التنفيذي كانت مقارباته أسيرة التعصب القومي، الذي كان السبب الأساس فيما آلت إليه الأوضاع في سوريا.” كما توجد خلافات بين القوات الكردية، أي وحدات حماية الشعب، وهي الذراع العسكري لدى حزب الاتحاد الديمقراطي، والقوات العربية للمعارضة. على سبيل المثال، في نوفمبر/تشرين الثاني 2012 دارت اشتباكات بين وحدات حماية الشعب وجبهة النصرة وكتائب غرباء الشام، فوجه رئيس الائتلاف الوطني معاذ الخطيب رسالة إلى الأطراف المتقاتلة فيها حثهم على وقف الاقتتال، فرد رئيس حزب الاتحاد الديمقراطي صالح مسلم، أنه يرفض الائتلاف الوطني الجديد، زاعماً بأن الأكراد الممثلين في الائتلاف اختارتهم تركيا لتنفيذ أجنداتها، وهم لا يمثلون أكراد سوريا. استمرت العلاقات العربية – الكردية في التدهور حين ركز حزب الاتحاد الديمقراطي وذراعه العسكري على مشروع تأسيس الإدارة الذاتية، حتى وإن كان على حساب السكان العرب وقوات المعارضة.

لم تصل هذه الخلافات إلى حد القطيعة وما زال هناك تعاون بين الكرد والعرب في بعض الأحيان، فحاكم مقاطعة الجزيرة في الحسكة، هو من شيوخ العشائر العربية، ويحكم الكُرد والعرب معاً في تلك المناطق، كما أن وحدات حماية الشعب صارت جزءاً من قوات سوريا الديمقراطية، التي تضم مختلف المكونات السورية من الكُرد والعرب والتركمان وغيرهم، مع أن أغلبية هذه القوات تأتي من وحدات حماية الشعب، وتهدد بعض العشائر العربية بالقطيعة في كل وقت، لاسيما وإن الكرد هم الحكام الفعليون على مناطقهم، وإن شارك في تلك الإدارة الذاتية بعض الأطراف العربية، ولا تخفى نواياهم في قيام كيان كردي منفصل عن سوريا، لتبقى العلاقات الكردية السورية ـ التركية هي العائق الأكبر لهذا الأمر.

ترفض تركيا قيام كيان كردي في سوريا، نتيجة تبعية حزب الاتحاد الديمقراطي لحزب العمال الكُردستاني في تركيا، خصوصاً بعد فشل مفاوضات الحكومة التركية معه خلال السنوات الماضية، إضافة لقصفها المتكرر للمقاتلين الكرد في سوريا، خشية من تقدمهم الذي يهدف لتوحيد المدن الكردية في سوريا جغرافياً، بعد معاركهم في شمال حلب، ويرغبون في عبور نهر الفرات شرقاً، والسيطرة على بلدة أعزاز قرب عفرين غرباً. 

رغم كل هذه المشاكل السياسية والعرقية، على الأكراد السوريين تأسيس علاقات مع أحد دول الجوار للبقاء اقتصاديا، لأنه من دون ذلك ستكون مناطق الإدارة الذاتية غير قادرة على الوصول إلى أي طرق بحرية ومحاطة ببلدان معادية. إذا لم يستطيع الكرد بناء علاقات بتركيا، واستمرت علاقاتهم بالعرب في التدهور، فسيبقى اعتمادهم على منفذ واحد وهو يربط المدن الكردية السورية بإقليم كُردستان العراق، والذي تتم فيه تجارة النفط منذ سيطرتهم عليه.

ما يعني أيضاً أن الخلافات الكردية ـ الكردية إن لم تصل لحلولٍ معقولة، فأنها ستؤثر بشكلٍ كبير على اقتصاد المدن الكردية في سوريا، الأمر الّذي قد يضعهم أمام حلول بديلة، ستساهم في إعادة العلاقات الكردية ـ العربية، والكردية-التركية، منها الاعتماد على علاقات المجلس الوطني الكردي في سوريا مع الدولة التركية، والمكون العربي في سوريا، خاصة وأن المجلس الوطني الكردي في سوريا هو عضو في الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، إضافة للعلاقات الجيدة التي يتمتع بها المجلس الوطني مع المكون العربي، هذا في حال تمكّن حزب الاتحاد الديمقراطي من الوصول لصيغة توافقية مع المجلس الوطني لإدارة المناطق الكردية.

Read it in English

جوان سوز

صحفي كردي سوري عمل مراسلاً لعدد من كبريات الصحف والوكالات العربية كالقدس العربي والجزيرة.