المناهج التعليمية الكردية في سوريا خطوة نحو الحكم الذاتي

المناهج التعليمية الكردية في سوريا خطوة نحو الحكم الذاتي

اشترك في نشرتنا

أسّس الأكراد في شمال سوريا، بعد السيطرة على المنطقة عقب انسحاب النظام السوري منها، ما يسمونه روجآفا، هو نظامًا تعليميًا خاصًا بهم بعيد عن هيمنة السلطة المركزية في دمشق، مكون من مناهج كردية تم فرضها على الطلاب الأكراد (دون العرب) للمرحلتين الابتدائية والإعدادية حاليًا، على أن يلحقهما في المستقبل المرحلة الثانوية، تخلله افتتاح فروع جامعات في المقاطعات الكردية الثلاث (الجزيرة والفرات وعفرين).

عاش الأكراد في سوريا عقودّ حرمان من الحديث والدراسة بلغتهم الأم، نتيجة الضغط السياسي والظروف الاستثنائية من النظام السوري. على الرغم من هذا، لا يتفق جميع الأكراد معًا في الشكل التعليمي الجديد، فشريحة كردية واسعة يترأسها المجلس الوطني الكردي (المعارض للإدارة الذاتية الديمقراطية) ينتقد استفراد حزب الاتحاد الديمقراطي بالواقع المجتمعي ومن بينه التعليم. يتفق مع المعارضين الأكراد عرب في المعارضة السورية وعرب موالون للنظام السوري، وصل الأمر ببعض العرب إلى اعتبار خطوة التعليم بداية خطوة باتجاه الانفصال، بينما نتج عن اعتراض سلطة دمشق على المناهج الدراسية الكردية إلى الأمر بإغلاق جميع المدارس الحكومية في المناطق الكردية. فيقول أحد المعلمين وهو عربي “أبلغتنا وزارة التربية السورية بعدم الدوام في مدارس تخضع لسيطرة الأكراد.”

وترفضّ سميرة حاج علي، الرئيسة المشتركة لهيئة التربية والتعليم في الإدارة الذاتية الديمقراطية، تهمة الانفصال وتقول “نهجنا ليس مشروع قومي بل هو ضد الانفصال.” وتضيف بأنهم يتبنون شكل الأمّة الديمقّراطية “شكل يحقق لكل مكون تعليم وتدريس لغته دون فرضّها على أحد، فالعرب يدرسون بلغتهم والأكراد بلغتهم والسريان بلغتهم.”

البحث عن البديل

مع بداية العام الحالي تم فرض المناهج التعليمية باللغة الكردية، فبحث كثير من الأهالي الأكراد عن مدارس خاصة أو حكومية سورية، لإرسال أبنائهم إليها والتعليم بمناهج الحكومة السورية لأنه معترف بها، فيما لا يوجد اعتراف رسمي بمناهج الإدارة الذاتية الديمقراطية. ويقول حسن وهو مدرس من القامشلي “الأهالي يلجئون لمدارس حكومية خشية من ضياع مستقبل أبنائهم.” فيما تعتبر سميرة حاج علي أن دعم وفرض أي فكرة يحتاج لجرأة في الإقدام عليها.”

عند التجول في مدارس خاصة بمناطق روجآفا تلمح أن النسبة الكبيرة من الطلاب من الأكراد، وهى نسبة تفوق نسبة العرب والسريان والآشوريين. تتحدث سولين وهي طفلة من مدينة المالكية/ديريك تدرس في مدرسة خاصة “نحن أكثر من ٤٠ طفل كردي في المدرسة الخاصة، نتعلم بمناهج عربية حكومية.”

في مدينة المالكية، كنموذج، يوجد مدرستّين خاصتّين إحداها تتبع للطائفة الأرمنية باسم “مدرسة الحرية” من الصف الأول حتى السادس الابتدائي، فيها نحو 200 طالب أكثر من نصفهم أكراد. والأخرى “مدرسة دجلة” تتبع الطائفة السريانية من الصف الأول حتى التاسع الإعدادي، وفيها نحو 400 طالب أقل من نصفهم أكراد وأكثر من النصف سريان.

بعض الأهالي لم يرغبوا في الكشف عن أسمائهم أكدوا بأن العديد من المسؤولين في أحزاب الإدارة الذاتية قد أرسلوا منذ بداية العام أبناءهم لمدارس خاصة يتعلمون المناهج الحكومية. وتؤكد “خديجة”، امرأة من المالكية، ذلك بالقول “أبناء المسؤولين يحجزون مقاعد في المدارس الخاصة، وأبناء العوام لا يجدون مقاعد هناك.”

في المالكية أيضًا تم إعداد نحو 28 مدرسًا لتعليم اللغة السريانية من قبل الإدارة الذاتية الديمقراطية، لكن لا يوجد طلاب سريان في مدارس الإدارة، فالجميع يتجه إلى المدارس الخاصة.

ويرى محمود الماضي وهو تربوي سابق وسياسي مستقل من المكون العربي، إن خطوة الإدارة الذاتية أدت لخلافات مع الحكومة السورية، ما أسفر عن إغلاق مئات المدارس التعليمية. ويصف مدارس الإدارة الذاتية بأنها غير مؤهلة “فالكادر التعليمي غير متخصص ويعتمد على الولاء للسلطة.”

خطة التدريس باللغة الكردية

بدأ الأكراد بتدريس اللغة الكردية منذ عام 2012 عندما انسحب النظام من تلك المناطق، عبر افتتاح مدارس صغيرة لتدريس اللغة الكردية، بحسب سميرة حاج علي، ثم إدخال اللغة الكردية بساعات قليلة إلى المدارس، عبر مدرسيين محددين حتى وصول الطلاب لمستوى تعليم أساس اللغة الكردية.

بعد إعلان الأكراد الإدارة الذاتية الديمقراطية، وتشكيل حكومة بهيئات، تم تشكيل هيئة التربية عام 2014، قامت هذه الهيئة في عام 2016 بتأهيل نحو 2600 مدرسة ومدرس متخصصين باللغة الكردية لتعليم الطلاب في المراحل الابتدائية الثلاثة الأولى، مع طباعة نحو 40 ألف كتاب لتغطية احتياجات المدارس، وتبدأ المرحلة العمرية من خمس سنوات حتى الصف التاسع لمناهج الإدارة الذاتية، وفي الصف الرابع تقول حاج علي “يبدأ النظام التعليمي بإدخال مادة تتبع لمكون أخر فالطالب الكردي يخضع لتعليم مادة باللغة العربية تستمر حتى المرحلة الجامعية، وفي الصف الخامس يتم إدخال مادة اللغة الأجنبية (الإنجليزية) للمناهج.” وتضيف حاج علي إنه لدى هيئة التعليم لجنة مختصة بإعداد المناهج، تم تأسيسها في عام 2014 مركزها في بلدة رميلان، تضم أساتذة أكراد وعرب وسريان.

سوريا: أيديولوجيا المناهج

منذ بداية الصراع في سوريا وغياب السلطة عن كثير من المناطق، تعددت السلطات المحلية المختلفة، وعمد كل منها لاستغلال الجانب التعليمي، وإنشاء مناهج قريبة من الأيديولوجية التي يحملها.

واجتمعت لجنة من مديرية التربية التابعة للحكومة السورية مع لجنة من هيئة التربية والتعليم التابعة للإدارة الذاتية للوصول إلى اتفاق بشأن النظام التعليمي، حيث عرضت لجنة الحكومة تدريس خمس ساعات باللغة الكردية في بعض المراحل الدراسية، لكن الإدارة الذاتية اعتبرت أن ذلك تبعية للنظام، فرفضت لتفشل المفاوضات. وتحدثت حاج علي عن فشل نتائج اجتماع لهم مع مكتب اليونيسيف في القامشلي “لم يقدم اليونيسيف فكرة جديدة فقد عرض أن نعمل بمنهاج النظام فرفضنا”.

ترفض سميرة فكرة اتهام تبعية المناهج لحزب العمال الكردستاني، ولا تنفِ أنهم يتبعون منهج الأمة الديمقراطية الذي أسس له زعيم حزب العمال الكردستاني “عبد الله أوجلان”، وتضيف “فكرة الأمة الديمقراطية تشمل العيش المشترك للمكونات، وللجميع الحق في دراسة ثقافتهم وتاريخهم”. أشارت دراسة للكاتب إبراهيم خليل نشرت في موقع مدارات كرد إلى نقاط عدّة تبدي تبعية المناهج لفكر حزب العمال الكردستاني.

مواقف مناهضة

لم يقف المجلس الوطني الكردي عند حدود الاعتراض على المناهج فقط، بل حرض أنصاره على تنظيم مظاهرات رافضة للمناهج الكردية، حيث جاء في شعارات رُفعت في تظاهرات داخل وخارج سوريا “هذه المناهج الدراسية هي الخطوة الثانية في إفراغ المناطق الكردية مما تبقى من سكانها الكرد.”

ويصف محمود الماضي التعليم بأنه أهم مقومات بناء المجتمع، معتبرًا أن التعليم كلما ابتعد عن النزاعات القومية سيسهم في خلق جيل متحرر من العقد ولوثة الفكر والأدلجة “ما يساهم في تماسك المجتمع وترابطه”. ويصف تجربة الإدارة الذاتية في المناهج الكردية بأنها “غير مسؤولة”، ويقول إن لم تكن بداية للانفصال بالمعنى الحقيقي فهي عملية أدلجة وتكريس لنزاعات قومية وتغذية لنعرات طائفية، وهدم لمبدأ المواطنة وتنامي الهوية الخاصة على الهوية الجامعة. وترفض سميرة حاج ذلك بالقول “لم نفرضّ اللغة الكردية على العرب وغيرهم”. وتعتبر أن الاعتراض في هذه المرحلة هو أمر عادي “سيكون هناك ردود فعل، لكن لن يؤثر على قرارنا وخطوتنا.”

يعتقد محمود الماضي أن الحقوق الثقافية لكل مكون من الممكن أن تمنحه الحق في افتتاح مدارس خاصة بلغته “لكن هناك لغة رسمية في الدولة يجب أن تكون أساس مناهج التعليم”.

أمام هذه التحديات يسير الأكراد في مشروع لم يبدأ بتكريس مناهج باللغة الكردية، بل يتبعه ترسيخ شكل المنطقة عبر نظام فيدرالي يتم تكريسه، يقابله تحدٍ كبير لم يقف عند رفض تركيا وتهديدها باقتحام عفرين، بل تغيير موازين المعادلة السياسية السورية، بتشكيل حلف جديد يشمل تركيا وروسيا وإيران غير واضح النتائج فيما إذا كانت ستنعكس على مناطق الأكراد شمال سوريا، في ظل تواجد أمريكي يدعم عسكريًا مقاتلين أكراد وعرب.

اشترك في نشرتنا English

سردار ملادرويش

صحفي كردي من سوريا، يعمل في الصحافة المرئية والمسموعة والمكتوبة والإلكترونية.

شاهد أيضاً

أزمة المياه: كيف تم تحويلها إلى سلاح في الصراع اليمني

يظل الموقف شديد الخطورة، خاصة بالنسبة لليمن، حيث أدى تحويل المياه لسلاح إلى وصول الصراع لحالة حرجة. تقدر الأمم المتحدة أن 14 مليون نسمة، نصف سكان اليمن، يواجهون حالة ما قبل المجاعة. تعد المياه واحدة من أوجه الصراع المعقد هناك، ويظل من الصعوبة تحديد إلى مدى قد أدت إلى مزيد من العنف.

الترحيل غير الشرعي للاجئين السوريين في تركيا

مع استمرار السلطات التركية في رفض إعادة فتح مراكز استقبال الحماية المؤقتة منذ أكثر من عام في معظم الولايات الحدودية، ووقف منح الفارين من الحرب بطاقة الحماية المؤقتة التي تخول صاحبها حق البقاء والحصول على الرعاية الطبية والدراسة والمساعدات الاجتماعية، يعيش آلاف اللاجئين السوريين في تركيا هاجس الترحيل القسري بشكل دائم.

إعادة احياء محادثات السلام في اليمن: ماذا بعد؟

مع ارتفاع عدد القتلى في الحرب الأهلية في اليمن، فإن الحاجة الماسة للسلام تتناقض مع الآمال المتفرقة في عملية سلام. بعد أشهر من التأخير، أعلنت قوات الحكومة والمتمردين في يوم 19 نوفمبر/تشرين الثاني نيتهم تجميد العمليات العسكرية بصورة مؤقتة