مستقبل العلاقة بين الأكراد ونظام الأسد بعد هزيمة داعش

مستقبل العلاقة بين الأكراد ونظام الأسد بعد هزيمة داعش

منذ بداية الحرب في سوريا اختارت وحدات الحماية الكردية، الحليف الرئيسي لواشنطن والطرف الأقوى في قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، الدخول في تفاهمات مع قوات نظام الأسد والتنسيق معها لقتال قوات المعارضة السورية وتنظيم داعش، وتمثل هذا التفاهم مؤخرا في العديد من الاتفاقيات الثنائية كان آخرها تسليم قرى بريف حلب شمال البلاد استولت عليها قسد من المعارضة.

الطرفان الأساسيان في المعادلة السورية، والتي يلقى كل منهما دعما دوليا مختلفا، اتفقا مؤخرا برعاية الدول الداعمة، وأبرزها روسيا والولايات المتحدة، على انشاء “خط تفكك” جغرافي في شمال شرق سوريا يهدف الى منع الاشتباكات وتركيز الجهود العسكرية ضد تنظيم داعش.

ويهدف الخط الجغرافي، الذي رسم على شكل قوس يمتد من جنوب غرب تبكة على طول نهر الفرات باتجاه دير الزور دون الدخول في المدينة نفسها، إلى تقسيم مناطق نفوذ كلا الطرفين وتنسيق جهودهما ونزع الصراع مستقبلا وفق ما أعلنته القوى الداعمة.

ويتزامن هذا التطور مع تحقيق قوات النظام تقدماً هاماً في شرق البلاد، وفك الحصار عن قواتها في دير الزور لأول مرة منذ ثلاث سنوات بدعم الحليف الروسي، بينما تواصل الوحدات الكردية تقدمها في مدينة الرقة عاصمة التنظيم في سوريا.

هذا التطور الأخير يطرح بحسب مراقبين تساؤلات عديدة حول مستقبل العلاقة بين “قسد” والنظام بعد الانتهاء من قتال تنظيم داعش، ومصير خط الفصل بينهما، وهل سيرضى كل منهما بهذه الحدود المصطنعة وتتحول مع الوقت لأمر واقع؟ أم أنّ صراعاً مؤجلا سيدور بينهما لرسم ملامح سوريا الجديدة بعد داعش؟

صراع مؤجل

في الوقت الراهن يبدي نظام الأسد مرونة في التعامل مع مطالب الأكراد في الحكم الذاتي والفيدرالية لمناطقهم، ولا يعتبرهم عدواً رغم نظرتهم المختلفلة عنه لمستقبل البلد، لكنه يعارض بأي حال فكرة خروجهم عن سيطرته مستقبلاً، ويؤكد الأسد منذ بداية الحرب أنّ هدفه هو “إعادة تطويع جميع المناطق الخارجة عن حكمه بأي شكل لسلطته المركزية”.

بينما يرى الطرف الكردي أنه لا عودة بأي حال لسوريا السابقة ذو الحكم المركزي المضطهد لحقوقهم، يشجعهم في ذلك دعم القوى الداعمة لهم حالياً. ورغم عدم اعلانهم سعيهم للانفصال وتشكيل دولة مستقلة إلا أن جميع المؤشرات توحي بذلك.

وبين هذا وذاك يرى الضابط العسكري المنشق عن قوات النظام عثمان اسبرو أنّ مستقبل العلاقة بين الأكراد وسوريا مرهون بالتفاهمات الدولية التي ستخرج بعد الانتهاء من تنظيم داعش.

وفي حين تسعى روسيا الداعم الرئيسي للنظام لإعادة سلطته على جميع أنحاء البلاد، لا تبدو الولايات المتحدة وفق تأكيد اسبرو مهتمة كثيرة برعاية مصالح حلفاءها الأكراد بعد انتهاء دورهم، لسبب بسيط وهو “رغبتها بتجنب أي صراع مع تركيا وروسيا في المنطقة”.

 هذا الأمر سيدفع الأسد وفق رؤية اسبرو لاستعادة المناطق التي تسيطر عليها قسد، وإعادة سلطته عليها ولو شكليا لإثبات انتصاره، بينما سيجد الأكراد أنفسهم مضطرين بالدخول في مفاوضات مع النظام وقبول مطالبه لتجنب الضغط التركي المتزايد.

ويؤكد الخبير العسكري أن العلاقة بين الطرفين معقدة نتيجة التحالفات الدولية، ففي حين يعلن حزب الاتحاد الديمقراطي، وهو الجناح السياسي للقوات الكردية، تنسيقه مع النظام أمنياً، يستعدي الأسد من جهة أخرى من خلال دخوله في تحالف مع الولايات المتحدة، وهو أمر يعتبره النظام غير مقبول ويتعارض مع سياسته.

اختلاف المصالح والرؤى هذه سيدفع الطرفين للاقتتال الحتمي، وحينها سيكون النظام هو الطرف الأقوى كما يؤكد اسبرو لأن الولايات المتحدة لن تكون مهتمة كثيرا بهذا الصراع.

حدود جديدة

بعد استعادة السيطرة على مدينة كوباني شمال حلب قبل نحو عامين تحولت وحدات الحماية الكردية بفضل الدعم الكبير الذي تتلقاه من التحالف الدولي إلى الهجوم، واستعادت مدن وبلدات عديدة من تنظيم داعش، لكن ما يؤخذ عليها من معارضيها هو دخولها لمناطق عربية مثل منبج وتل رفعت، واتهامها بتهجير سكانها سعيا لتأسيس كيان كردي واسع.

حالياً تسيطر قسد وفق آخر الدراسات على 42,053 كم2 أي ما يمثل 23% من مساحة سوريا، وتحوي مناطق نفوذها سكان مدن وبلدات من عرقيات مختلفة منها العربية والتركمانية.

ويلقى هذا التغير الكبير في خارطة السيطرة بالنسبة لقسد معارضة تركية كبيرة، لا سيما أنّ هذا التوسع كما ترى أنقرة سيمنح المقاتلين الأكراد دافعاً أكبر يشجعهم على تشكيل دولة ونيل الاستقلال، وهو سيناريو مشابه لما حدث في إقليم كردستان العراق.

وفي هذا السياق يرى أحمد عبد النور وهو ناشط صحفي كردي أن تأثير إعلان خط فصل جغرافي بين الأكراد والنظام من قبل الدول الكبرى يؤشر إلى حدوث تفاهمات جديدة من شأنها رسم خارطة جديدة لما بعد تنظيم داعش.

وطرح عبد النور عدداً من الأسباب التي تؤكد وفق وجهة نظره سير البلاد نحو رسم حدود جديدة يجمعها نظام فيدرالي، وأولها فرض روسيا على جميع الأطراف لمناطق خفض التصعيد، والتزام كل فريق بالمناطق التي يسيطر عليها، وعدم السعي للاستحواذ على مناطق جديدة، ما يعني وفق رأيه حدود جديدة لسوريا رسمتها الحرب.

ويكمل عبد النور عدداً من الأسباب التي ستهيأ للقوات الكردية ضمان سيطرتها على هذه المناطق، والتي كان ضمنها تواجد القوات الأمريكية في هذه المنطقة، وإقامة قواعد عسكرية طويلة الأمد وإنشاء مشاريع تنموية في المناطق المحررة من داعش، ما يعني برأيه حماية خارجية إضافية للقوات الكردية مستقبلا سواء من الأسد أو تركيا.

وحول جدية الولايات المتحدة في حماية حليفها الكردي في حال إصرار روسيا والنظام على استعادة هذه المناطق أوضح الصحفي الكردي أنّه من المستبعد أن تدخل القوتان الكبيرتان في حرب مصالح بينهما، وبالتالي فإن خيار التفاهم يبقى الأقرب.

ولكن وزير الخارجية الأمريكي قال إن هدف الولايات المتحدة إعادة الاستقرار لسوريا، وأكد بيانه بريت ماك جورك، المبعوث الرئاسي الخاص للتحالف الدولي، حيث قال “نحن ملتزمون بالاستقرار، وهذه الكلمة مهمة جدا. هذا ليس بإعادة بناء، وهو ليس بناء الأمة.”

المصالح التركية

تبدي أنقرة منذ بدء الولايات المتحدة دعمها لقوات قسد غضباً بدأ يتصاعد مؤخرا مع السماح للأكراد بالسيطرة على الرقة، وهو ما انعكس بشكل واضح على العلاقات بين البلدين.

ورغم مواصلة تركيا تهديدها بالتدخل في سوريا لحماية أمنها، ومنع قيام أي كيان كردي يهدد بالانفصال مستقبلاً، إلا أن شيئا على الأرض لم يحدث، وهو ما فسره البعض بصبر تركيا على الوعود الأميركية لها بمراعاة مصالحها بعد الانتهاء من تنظيم داعش.

قد يكون تقليص سلطة قسد على المناطق القريبة من الحدود التركية وإعادة تسليم المناطق العربية إلى عشائر المنطقة أو قوات محسوبة على المعارضة، كفيلا بنزع فتيل الأزمة بين البلدين وقد يشكل حلاً وسطاً.

هذا الأمر في حال لم يحدث فإنه كفيل بإشعال فتيل حرب جديدة لحفظ المصالح، وقد لاتكون بشكل مباشر بين الدولتان، وإنما بدعم كل طرف لحلفاءه على الأرض الأمر الذي يعني مواصلة الحرب من جديد.

ويمكن القول ختاماً أن أي سيناريو لمستقبل خط الفصل الجغرافي الجديد سيكون محكوماً اولاً بجملة من التفاهمات بين الدول المعنية بالشأن السوري، بحيث سيرسم هذا الاتفاق معالم جديدة للبلاد، فإما انتصار كامل للأسد وحلفائه أو خارطة جديدة للدولة السورية.

اشترك في نشرتنا English

حسام الجبلاوي

صحفي ومدون سوري.

شاهد أيضاً

أزمة المياه: كيف تم تحويلها إلى سلاح في الصراع اليمني

يظل الموقف شديد الخطورة، خاصة بالنسبة لليمن، حيث أدى تحويل المياه لسلاح إلى وصول الصراع لحالة حرجة. تقدر الأمم المتحدة أن 14 مليون نسمة، نصف سكان اليمن، يواجهون حالة ما قبل المجاعة. تعد المياه واحدة من أوجه الصراع المعقد هناك، ويظل من الصعوبة تحديد إلى مدى قد أدت إلى مزيد من العنف.

الترحيل غير الشرعي للاجئين السوريين في تركيا

مع استمرار السلطات التركية في رفض إعادة فتح مراكز استقبال الحماية المؤقتة منذ أكثر من عام في معظم الولايات الحدودية، ووقف منح الفارين من الحرب بطاقة الحماية المؤقتة التي تخول صاحبها حق البقاء والحصول على الرعاية الطبية والدراسة والمساعدات الاجتماعية، يعيش آلاف اللاجئين السوريين في تركيا هاجس الترحيل القسري بشكل دائم.

إعادة احياء محادثات السلام في اليمن: ماذا بعد؟

مع ارتفاع عدد القتلى في الحرب الأهلية في اليمن، فإن الحاجة الماسة للسلام تتناقض مع الآمال المتفرقة في عملية سلام. بعد أشهر من التأخير، أعلنت قوات الحكومة والمتمردين في يوم 19 نوفمبر/تشرين الثاني نيتهم تجميد العمليات العسكرية بصورة مؤقتة