التمسك بالإيمان: مكافحة الإسلاموفوبيا

دخلت الولايات المتحدة وأوروبا في فترة سوداء من الإسلاموفوبيا، ولم يتم التوصل إلى حلول سهلة في متناول الأيدي لمواجهه الأمر، واجتمعت مجموعة من الشخصيات في المجلس الأطلنطي في واشنطن في 20 أكتوبر الحالي لمناقشة الأمر. 

في أعقاب سلسلة من الهجمات الإرهابية القاتلة من جانب المتعاطفين مع تنظيم داعش على باريس وبروكسيل وسان برناردينو، ارتفعت هجمات الكراهية ضد المسلمين جراء تلك الهجمات الإرهابية في الغرب إلى مستويات لم يُرى مثلها منذ فترة ما بعد الهجمات الإرهابية، التي تعرضت لها الولايات المتحدة في الحادي عشر من سبتمبر 2011.

واستضاف المجلس الأطلنطي ومؤسسة أيدين دوجان حلقة نقاش جماعية في واشنطن حول ظاهرة الإسلاموفوبيا، والسعي لإيجاد حلول لمواجهه الحساسية الزائدة من الإسلام والمسلمين. ويأتي ذلك قبيل افتتاح أول معرض في واشنطن برعاية مؤسسة الـ سميسونيان تحت مسمي “فن القرآن” في 22 من أكتوبر.
وقال فالي نصر، عميد كلية الدراسات الدولية المتقدمة في جامعة جون هوبكنز أنه لم يكن متفائلاً بشأن التوصل لحل على المدي القريب بشأن الإسلاموفوبيا. “نحن في فترة عصيبة… لم يعد كل ذلك بسبب الإرهاب أو إرهاب الحادي عشر من سبتمبر أو السياسة الخارجية… لقد تشابكنا، وبدون قصد، مع بعض القوي البذيئة، والتي تعمل في المجتمع والسياسات الأمريكية.”

وقد أيدت كارين أرمسترونج، وهي مؤلفة لعدة كتب في علم مقارنة الأديان، فالي نصر في رأيه عن تلك الفترة العصيبة، وقالت أيضاً بأنها لم تري أي حلول سريعة لمكافحة الإسلاموفوبيا.

وانضم إلى نصر وأرمسترونج في النقاش كلاً من فوسلات دوجان سابانجي، نائب رئيس مؤسسة أيدين دوجان ومديرة جريدة حريت التركية، والإعلامية زينب صالبي، ومحمد أيدين وزير الدولة التركي السابق؛ وترأس الندوة فريدريك كيمب المدير التنفيذي للمجلس الأطلنطي. 

ويستخدم السياسيون المنتمون لليمين المتطرف مصطلح الإسلاموفوبيا لإثارة غضب الرأي العام تجاه الجاليات المسلمة المقيمة منذ فترة طويلة في أوروبا، فضلاً عن الوافدين الجدد، الفارين من بلادهم متفادين الحرب في الشرق الأوسط وأفريقيا.

ظاهرة الإسلاموفوبيا ليست مشكلة تواجه المسلمين فحسب، بل أيضاً تواجه الولايات المتحدة وأوروبا؛ وحذر نصر قائلاً “قبيل فترة طويلة جداُ تمكنت ظاهرة الإسلاموفوبيا من تغيير الخريطة السياسية في أوروبا كما علمنا، في ألمانيا على سبيل المثال، عانى الحزب السياسي للمستشارة الالمانية أنجيلا ميركل من العديد من الإخفاقات التاريخية خلال الانتخابات التي تم خوضها مؤخراً، ويرجع ذلك بشكلٍ كبير إلى الغضب الشديد من ترحيبها بالمهاجرين السوريين.

وفي الولايات المتحدة، دعا دونالد ترامب المرشح الجمهوري للسباق الرئاسي الأمريكي العام الماضي إلى “وقف كامل وكلي” لدخول المسلمين للولايات المتحدة؛ ودعا مؤخراً لوضع آليات “للتدقيق الأمني الشديد” على المسلمين.

وأضاف نصر “ومن ثم سيواجه المسلمين صعوبات أكثر بالمقارنة مع المكسيكيين، ففي كل الأحوال يظل المكسيكيين كاثوليك وجزء من الحضارة الغربية، ولكن نحن لسنا كذلك” واكد أن “المسلمين لا يملكون أيضاً استراتيجية عزل أنفسهم عن موجات الحركات الشعوبية التي تجتاح أوروبا والولايات المتحدة.”

وروت زينب صالبي لقاء مع أسرة مسلمة تعيش في فرنسا منذ أربعة أجيال ماضية، وحارب الجد ضد النازيين في الحرب العالمية الثانية؛ ومن ناحية أخري جند تنظيم داعش الابن، وتحدث الابن عن التمييز والعنصرية والمضايقات التي واجهها منذ الصغر في فرنسا، قائلاً “ما الغاية وراء ذلك؟ بصرف النظر عما أفعله، لقد حاولت كثيراً في إثبات أني فرنسي، ولكن بدون جدوى، لم يقبلوا ذلك.” تقول صالبي “ربما كانت هذه الممارسات رد فعل لما واجهوه،” مشيره إلى التمييز العنصري والمضايقات تجاه المهاجرين والنازحين من بلادهم.

أهداف الإرهاب

قالت دوجان سابانجي، والتي ألقت كلمة الافتتاح في هذه المناقشة، وشاركت أيضاً فيها، أنه من المؤسف أن تنظيم داعش يتخفى في الإسلام، وينسب أفعاله له، ليبرر الأعمال والممارسات الإرهابية، وأبرزت أيضا أن المسلمين أنفسهم هم أكبر ضحايا التنظيم؛ وأشارت أيضاً أن ارتفاع وتيرة الإسلاموفوبيا في الغرب أثار المشاعر المعادية للغرب في الدول ذات الأغلبية المسلمة، الأمر اعتبر بمثابة أداة دعاية لتنظيم داعش. مضيفةً “أن كلا المرضين يتغذى على الآخر، ويسبب مشكلة أكبر وأكبر للعالم بأسره.”

ودعت دوجان سابانجي إلي زيادة فرص التواصل والحوار بين المجتمعات، لخلق وعي بوجود الآخر، والسعي نحو حلول لظاهرة الإسلاموفوبيا. ويمكن للإعلام أن يلعب دوراً بناءً، من خلال تسهيل قيام حوار يحترم حرية الفكر والتعبير، وكذلك كرامة الإنسان وعقيدته.

النساء المسلمات، وخاصةً أولئك الذين يرتدون الحجاب هدف واضح لجرائم الكراهية، وكما سمعنا في لندن هاجم رجل امرأة محجبة، عندما كانت تسير في منطقة تسوق مزدحمة في الرابع من أكتوبر.

تقول سابانجي “في رأيي أن أكثر من يعانون في العالم الغربي هن النساء اللائي يرتدين الحجاب، فهم يعانون أكثر من غيرهم لأنهم مختلفون جسدياً.” وأضافت “يعتقد الناس أن النساء المحجبات مضطهدون، ولكن ما يقومون به من أعمال هو قمع لهؤلاء النساء بالأحكام المسبقة وأعمال العنف.”

وفي فرنسا في الصيف الماضي، فرضت عدداً من المدن حظراً على ارتداء المايوه الإسلامي (البوركيني)، وفي حادثة لقت تغطية إعلامية مكثفة، أجبر ضابط امرأة على خلع البوركيني الذي كانت ترتديه أمام الجميع؛ وأوقفت محكمة في نيس حظر ارتداء البوركيني.

وبالإضافة إلى النساء المحجبات، فإن المساجد أيضاً تعتبر أهداف لجرائم الكراهية.

مع الاعتراف بزيادة وتيرة الهجمات العدائية على المساجد في الولايات المتحدة، تقول صالبي أنه يمكن للجاليات المسلمة المساعدة في ذلك عن طريق إزالة الغموض عما يحدث في أماكن العبادة، فعمليات التحول إلى التطرف لا تحدث داخل حدود المسجد، بل خارجه في المساحات العامة على الانترنت.

وتضيف صالبي “المسلمون بحاجة إلى العمل في هذا السياق،” الأمر لا يتعلق بنا وبهم، “لا يمكن القول بأني مسلم علماني، وبالتالي ليس في يدي ما أفعله تجاه هذا الأمر”

إلا أن نصر يقول إنه من غير اللائق وضع كل المسئولية على عاتق القادة المسلمين من أجل مواجهة عملية التحول إلى التطرف، وهو يعتبر أن إعلان ترامب في المناظرة الرئاسية الأخيرة أن المسئولية تقع على عاتق المسلمين في معرفة من يزرع القنابل هو بمثابة هجوم حاد ومتحامل وليس في موضعه.

“وهذا بصورة جوهرية ذنب جماعي… وأن العبء يقع على عاتق المسلمين لإثبات براءتهم.”

ويضيف أن الجاليات المسلمة في الغرب تعتبر فريدة كمهاجرين لأننا ” لا نملك السيطرة على أولئك الذين يفسرون عقيدتنا وإيماننا على هواهم، فهم يقيمون في القاهرة والرياض، ولديهم رؤى للعالم مختلفة، وكذلك أولويات مختلفة.”

وشددت صالبي على أهمية التعامل مع المسلمين ليس باعتبارهم كتلة واحدة، ولكن باعتبارهم مجتمع متنوع.

وفي نفس الوقت اقترح أيدين أننا بحاجة إلى تعليم مشترك بين الثقافات المختلفة، وكذلك احترام القيم والثقافات الأخرى.

صعود وتيرة الإسلاموفوبيا

يقول نصر أن الإسلاموفوبيا “انتشرت على الساحة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر /أيلول 2011” كسياسة تم الترويج لها، واستخدمتها إدارة الرئيس الأسبق جورج دبليو بوش لتيسير سياستها وعلاقاتها في الشرق الأوسط؛ مضيفاً أن إدارة بوش استخدمت هذه السياسة لتجنب أجراء تقييم ذاتي للسياسة الخارجية الأمريكية، والتي كانت تُلام في العالم الإسلامي بعد هجمات 2011، ويضيف “كانت الإسلاموفوبيا حينها وسيلة لتمرير اللوم على المسلمين، ووضع الإسلام نفسه في محاكمة، لمسؤوليته عن تعزيز الإرهاب، بدلاً من وضع السياسة الأمريكية الخارجية في محاكمة لدورها في خلق بعض المشاكل.”

سرعان ما وجدت ظاهرة الإسلاموفوبيا قبول من جانب الطوائف الإفينجلكانية في الولايات المتحدة، كوسيلة لتبرير كرههم للإسلام والمسلمين؛ وأضاف نصر” بأن لديهم شعور قوي بأن الإسلام هو عدوهم الأول.” وأشار نصر إلي أن الرئيس الأمريكي باراك أوباما ذكر بأنه سيسعي لكسر هذه الظاهرة، وإيجاد حلول لتخطيها في كلمة ألقاها في القاهرة في الرابع من يونيو/حزيران 2009، في محاوله منه لبناء جسور مع العالم الإسلامي.

وأضاف نصر بأن المسلمين في الغرب يواجهوا تحدياً عندما يتعلق الأمر بأعدادهم التي تتزايد، واندماجهم مع المجتمع الذي ربما لا يرحب بذلك، “والتحدي بالنسبة للمسلمين هنا أكبر بكثير، لأنه يتعلق بالدفاع عن مكانهم في المجتمع الأمريكي والمجتمعات الأوروبية للمضي قدماً”

Read in English

أشيش كومار

نائب رئيس قسم التواصل في المجلس الأطلنطي.

شاهد أيضاً

أزمة المياه: كيف تم تحويلها إلى سلاح في الصراع اليمني

يظل الموقف شديد الخطورة، خاصة بالنسبة لليمن، حيث أدى تحويل المياه لسلاح إلى وصول الصراع لحالة حرجة. تقدر الأمم المتحدة أن 14 مليون نسمة، نصف سكان اليمن، يواجهون حالة ما قبل المجاعة. تعد المياه واحدة من أوجه الصراع المعقد هناك، ويظل من الصعوبة تحديد إلى مدى قد أدت إلى مزيد من العنف.

الترحيل غير الشرعي للاجئين السوريين في تركيا

مع استمرار السلطات التركية في رفض إعادة فتح مراكز استقبال الحماية المؤقتة منذ أكثر من عام في معظم الولايات الحدودية، ووقف منح الفارين من الحرب بطاقة الحماية المؤقتة التي تخول صاحبها حق البقاء والحصول على الرعاية الطبية والدراسة والمساعدات الاجتماعية، يعيش آلاف اللاجئين السوريين في تركيا هاجس الترحيل القسري بشكل دائم.

إعادة احياء محادثات السلام في اليمن: ماذا بعد؟

مع ارتفاع عدد القتلى في الحرب الأهلية في اليمن، فإن الحاجة الماسة للسلام تتناقض مع الآمال المتفرقة في عملية سلام. بعد أشهر من التأخير، أعلنت قوات الحكومة والمتمردين في يوم 19 نوفمبر/تشرين الثاني نيتهم تجميد العمليات العسكرية بصورة مؤقتة

إشترك في النشرة البريدية

سيصلك أحدث مقالات مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط