دفع النمو الاقتصادي في تونس

وئام شيتاوي ومحمد مالوشي

يوسف الشاهد، هو أصغر رئيس حكومة عربي، يبلغ من العمر 41 عاما، حاصل على درجة الدكتوراه في الاقتصاد الزراعي، وهو الذي قاد برنامج اللامركزية كوزير للشئون الداخلية في الحكومة السابقة، برئاسة حبيب الصيد. هذه الخبرة تسلحه في دوره الجديد كرئيس للوزراء بالفهم لطبيعة البيروقراطية التونسية العميقة، وتوزيع الثروات غير العادل بين أقاليم البلاد المختلفة. هذه أحد المجالات التي يجب على حكومته، المشكلة حديثاً، أن تتخذ إجراءات إصلاح كبيرة حيالها، لمواجهة المطالب المحلية الملحة والمتزايدة.

أبحر رئيس الحكومة الجديد في مياه تونس السياسية، مجمعاً اليساريين والوسط والإسلاميين لتكوين حكومة وحدة وطنية؛ بينما لم يحظ التشكيل بالإجماع، لكن هذا التشكيل لديه ميزة تضمين المواهب الشابة وتمثيل للمرأة يفوق أي حكومة تونسية سابقة، كما أنه يحظى بمباركة واسعة من البرلمان. يبقى السؤال ما إذا كان الشاهد لديه المهارات القيادية المطلوبة لجعل فريقه يعمل سويا (بدلا من اتباع أجندات شخصية أو حزبية) وتحقيق انتصارات مبكرة، لكسب المزيد من الثقة الجماهيرية، المطلوبة لمواجهة المزيد من التحديات فيما يتعلق بالإصلاحات الاقتصادية القادمة.

مثال على بعض تحديات البلاد الملحة التي عليه مواجهتها: الإصلاح الإداري ومحاربة الفساد الجادة في داخل وخارج مؤسسات الدولة، وتعزيز المساواة بين أقاليم تونس المختلفة، وإيجاد أرض مشتركة بين مطالب الاتحاد العام للشغل التونسي ومصالح القطاع الخاص الممثلة في الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية. لا يمكن أن تغض حكومة الشاهد نظرها عن مكونين ضروريين للتقدم الاقتصادي التونسي: إدارة مسئولة لموارد الدولة، وبناء ثقافة ريادة الأعمال التي تسمح للمشروعات الصغيرة والمتوسطة بالازدهار والنمو، كقوة موجهة نحو العدالة الاجتماعية.

إن تغيير جديد في نهج الحكومة التونسية ومفتاح بناء علاقات أفضل مع السكان يكون عن طريق وسائل اتصال مفتوحة ومؤثرة.  في خطابه الذي ألقاه قبل التصويت على حكومته أمام مجلس النواب، حذر الشاهد من أنه إذا لم يتم استيفاء بعض المعايير الاقتصادية بحلول عام 2017، فإنه سيتم تطبيق سياسة التقشف. ولمواجهة الإحباط المتزايد بين مجتمعات تعيش بالفعل في مناطق غير متطورة، وتعاني من نقص في التمويل، يجب مخاطبة الشعب بوصف محدد للمبادئ التي تشكل السياسات والأهداف المرجوة منها، كما إن تشكيل قائمة بأهداف للحكومة محددة وقابلة للقياس في أول 100 يوم و200 يوم سيساعد على تعزيز المساءلة والثقة.

من أجل تحقيق تواصل فعال، يجب انتهاج سياسة تنفيذية فعالة؛ حيث يستدعي الوضع الاقتصادي الملح للاقتصاد التونسي التعجيل في آليات التنفيذ وتسهيل المفاوضات مع المستثمرين المحليين والأجانب بدون التخلي عن الشفافية والمصالح الوطنية، المستثمرون والساسة والجماهير بشكل كبير كانوا قد انتقدوا الإجراءات البيروقراطية العتيقة، والتي تحول دون اتخاذ إجراءات سريعة، وغالبا ما تعطي مجالا أكبر للفساد. لدى يوسف الشاهد الفرصة لتحقيق انتصارين كبيرين من خلال مزج محاربة الفساد مع خطة تنفيذ اقتصادية منظمة.

اقترح المتخصصون والمحللون في تونس بأن يتم تشكيل وحدة تنفيذ اقتصادي على مستوى رئاسة الوزارة، كما تم اقترح ذلك أيضاً من قبل الخبراء والمحللين في البنك الدولي ومؤسسة كارنيجي للسلام الدولي؛ إن تشكيل مجموعة العمل هذه سيسرع من تنفيذ المشاريع ذات الربح السريع والكبير، والتي تستهدف الاستثمار الإقليمي والتشغيل؛ وبالتسلح بآليات محاربة الفساد والسعي نحو الشركات ذات المسئولية الاجتماعية ووجود متخصصين وموظفين من القطاع العام الذين يتمتعون بأداء إداري ممتاز ومحل ثقة، هذه الأمور يمكن أن توفر لحكومة الشاهد فرصة لاستعادة الثقة وتحفيز النمو الاقتصادي، وخلق فرص عمل في المناطق التي لديها إمكانات عالية بالرغم من إهمالها لفترات طويلة.

تصبح هذه الوحدة الاقتصادية أكثر أهمية إذا ما وضعنا في الاعتبار أن تونس تستعد لاستقبال مؤتمر للاستثمار العالمي في 29 و30 نوفمبر، والذي يشكل فرصة أخرى لممارسة وضع أهداف قابلة للتحديد والقياس (على سبيل المثال صفقات حقيقية تعتمد على توصيل المستثمرين الأجانب والمحليين بالشركات المحلية بدلاً من التعهدات الرمزية ومذكرات تفاهم لا معنى لها). هذا المؤتمر، مع إصلاحات اقتصادية تركز على الاستثمار والتي صدق عليها البرلمان (مثل قانون الاستثمار بالتحديد)، قانون الطوارئ الاقتصادي والذي صدر مؤخرا ليسمح بالتنفيذ العاجل للمشروعات كرد فعل للأزمة الاقتصادية، وتعهد رئيس الوزراء بالتركيز على مكافحة الفساد، وآليات التسوية العادلة للمنازعات المتوقعة، كل ذلك سيوفر فرصة حيوية لتطوير حالة أقوى للاستثمار في تونس.

من أجل تحقيق منفعة كاملة من إمكانات هذا المؤتمر، يحتاج الفريق التونسي لتعريف وفهم أفضل للجمهور المستهدف؛ ليس كل المستثمرون يأتون من نفس البلاد ومن نفس النظام القانوني، أو يبحثون عن نفس الأشياء، بعضهم يبحث عن توسيع أسواقهم، بينما يبحث آخرون عن تقليل التكاليف، وغيرهم ينشد المهارات الخاصة جداً؛ إن بناء اقتراحات صممت خصيصا لكل مجموعة استثمارية سيساعد على تحقيق أكبر منفعة من المؤتمر قدر الإمكان، كما أن تضمين المواهب التونسية سواء من الداخل أو من الخارج سيكون سبيل قوي لتقديم رؤى للحكومة عما يريده المستثمرون وما هي الاتفاقات الممكنة. سيشكل تعزيز فهم الحكومة للمزايا النسبية التونسية في المنطقة من وجهة نظر المستثمرين رصيداً كبيراً للمفاوضين التونسيين.

الهدف الذي لا ينبغي للمؤتمر أن يتجاهله هو المستثمرين التونسيين في الخارج، فهم يجلبون قيمة كبيرة للاقتصاد من خلال التحويلات المالية، وإذا تم تشجيعهم وتحفيزهم، يمكن أن يساهموا بشكل أكبر؛ حسابات الادخار والسندات والتمويل الاجتماعي والمشاريع الاستثمارية من جانب التونسيين في الخارج والموجهة نحو المناطق غير المتطورة، هى أمور يمكن أن يتم تنميتها وتسويقها لهذه الفئة المهمة.

بخلاف المؤتمر، من الضروري تطوير آليات للرصد والتقييم، وتخصيص مجموعة عمل يمكنها تحديد وبناء ومتابعة الفرص والمشاريع؛ إن نجاح هذا المؤتمر سيتم تقييمه بناءً على قدرة الحكومة وسفاراتها على المتابعة الملائمة للمستثمرين والشركات المستثمر فيها، خاصة من خلال تأسيس فرق متخصصة من الموظفين الحكوميين ومن القطاع الخاص وممثلين عن التونسيين في الخارج، بحيث تعمل عن قرب مع وزارات التنمية والاستثمار والتعاون الدولي، مما سيؤمن إجابات عن كل الأسئلة، ويوفر مستوى معين من الإرشاد، وخوض غمار تعقيدات البيروقراطية التونسية.

يمكن للتونسيين في الخارج الأعضاء في هذه الفرق أن يكونوا بمثابة سفراء اقتصاديين لبلادهم، ويمكن تكليفهم بربط أقطاب الابتكار في تونس مع الخارج، وتأسيس علاقات مع مجموعات استثمارية مهمة، والقيام بجولات الاستثمار، والقيام بالدعوة الاقتصادية لتونس في العالم، وتقديم الدروس المستفادة وأفضل الممارسات لآليات قدرة الاقتصاد على النجاح، وغيرها من المصالح في تونس.

من خلال تحسين التواصل وتحقيق النتائج، تستطيع هذه الحكومة أن تستعيد الثقة الشعبية، ومن خلال العمل على الاستعدادات، والمفاوضات الفعالة والاعتماد على مجموعة من المواهب المتنوعة داخل وخارج تونس من القطاعين العام والخاص، يمكن تحقيق مكاسب كثيرة من مؤتمر الاستثمار المنتظر، إلى جانب لقاءات عالمية أخرى مثل اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة.

إن مقومات النجاح وفيرة، منها وعد هذه الحكومة بالاستقرار، والقدرة التونسية على استخدام الحوار لحل كل القضايا بشكل سلمي، ونقاط القوة الكامنة الناتجة عن مجتمع مدني يقظ، وطبقة متوسطة قوية، ونساء وشباب نشطين ومتعلمين، وسكان يتمتعون بالمهارة، وموقع جيواستراتيجي فريد، كل ذلك يجعل من تونس موقع متميز للاستثمار.

وئام شيتاوي: محرر في المجلس التونسي الأمريكي للمهنيين الشباب.

محمد مالوشي: رئيس مجلس إدارة المجلس التونسي الأمريكي للمهنيين الشباب

Read in English

مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط

بقيادة خبراء مقيمين، يقوم مركز رفيق الحريري بدراسة قضايا حل النزاعات وإعادة الإعمار/الإصلاح الاقتصادي، والتغيرات المجتمعية.

شاهد أيضاً

أزمة المياه: كيف تم تحويلها إلى سلاح في الصراع اليمني

يظل الموقف شديد الخطورة، خاصة بالنسبة لليمن، حيث أدى تحويل المياه لسلاح إلى وصول الصراع لحالة حرجة. تقدر الأمم المتحدة أن 14 مليون نسمة، نصف سكان اليمن، يواجهون حالة ما قبل المجاعة. تعد المياه واحدة من أوجه الصراع المعقد هناك، ويظل من الصعوبة تحديد إلى مدى قد أدت إلى مزيد من العنف.

الترحيل غير الشرعي للاجئين السوريين في تركيا

مع استمرار السلطات التركية في رفض إعادة فتح مراكز استقبال الحماية المؤقتة منذ أكثر من عام في معظم الولايات الحدودية، ووقف منح الفارين من الحرب بطاقة الحماية المؤقتة التي تخول صاحبها حق البقاء والحصول على الرعاية الطبية والدراسة والمساعدات الاجتماعية، يعيش آلاف اللاجئين السوريين في تركيا هاجس الترحيل القسري بشكل دائم.

إعادة احياء محادثات السلام في اليمن: ماذا بعد؟

مع ارتفاع عدد القتلى في الحرب الأهلية في اليمن، فإن الحاجة الماسة للسلام تتناقض مع الآمال المتفرقة في عملية سلام. بعد أشهر من التأخير، أعلنت قوات الحكومة والمتمردين في يوم 19 نوفمبر/تشرين الثاني نيتهم تجميد العمليات العسكرية بصورة مؤقتة

إشترك في النشرة البريدية

سيصلك أحدث مقالات مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط