جرابلس: فرصة لسياسة تركية أفضل ضد داعش

هذا التحليل معتمد على تقرير مطول كتبه كلاً من آرون ستاين وفيصل عيتاني بعنوان “مأزق تركيا في سوريا” ويتناول هذا التقرير الدور التركي في الأزمة السورية، وتأثيرات هذا الدور على السياسية الداخلية في تركيا، وتأثيره على مسار التمرد في سوريا ومسار الحرب هناك، وأخيراً تداعيات هذا على السياسة الخارجية الأمريكية تجاه هذا الصراع.

إن الحكومة التركية هي الممثل الخارجي الأهم المؤيد للمعارضة بشمال سوريا، وستظل معنية بالصراع السوري على الرغم من عدم الاستقرار السياسي – المتزامن مع هذا الصراع – داخل حزب العدالة والتنمية الحاكم. لقد قوضت الحرب العلاقات الأمريكية-التركية، وذلك يرجع إلى حد كبير للخلافات القائمة حول الاستراتيجية المتبعة ضد تنظيم داعش، بالإضافة إلى الشراكة العسكرية الأمريكية مع حزب الاتحاد الديمقراطي ذي الغالبية الكردية. لقد حالت هذه الخلافات دون تنفيذ الخطط المتعلقة بانتزاع منطقة منبج الحاسمة، والتي تمثل المنطقة الأخيرة الواقعة تحت سيطرة داعش على طول الحدود التركية-السورية.

وتعارض تركيا القيام بأي عمليات ضد داعش بمشاركة ميليشيات حزب الاتحاد الديمقراطي أو وحدات حماية الشعب، وذلك بسبب صلة تلك الوحدات بحزب العمال الكردي، الذي يتكون من مجموعة من المتمردين الأكراد، الذين يقاتلون في سبيل تحقيق الوحدة السياسية بجنوب شرق تركيا. إذا استطاعت وحدات حماية الشعب السيطرة على منطقة منبج، فسوف تصل منطقتها الواقعة في شمال شرق سوريا بعفرين، والتي هي عبارة عن منطقة صغيرة ومنعزلة بشمال غرب سوريا، تقطنها أغلبية كردية. تعتبر تركيا سيطرة وحدات حماية الشعب على هذه المنطقة من الحدود المجاورة مصدراً للتهديد، متعللة بأن المجموعة قد تقوم بشن هجمات إرهابية من خلالها ضد الأراضي التركية، بل وقد تؤسس بها دولة بحكم الأمر الواقع. إن معارضة تركيا لمشاركة وحدات حماية الشعب في العمليات العسكرية غرب نهر الفرات أو في منطقة منبج، قد حالت دون انتزاع تلك الوحدات لهذه المنطقة، التي يسيطر عليها تنظيم داعش، والواقعة حوالي ۱۰ أميال غرب الخط الأمامي لوحدات حماية الشعب، بالقرب من سد تشرين على ضفاف النهر.

وعلى الرغم من حرص الولايات المتحدة على قبول حزب الاتحاد الديمقراطي كشريك في الجهود المبذولة ضد تنظيم داعش، فإن الحكومة التركية تفضل اتباع استراتيجية أخرى للقضاء على التنظيم، وهي انشاء قوة منفصلة ذات أغلبية عربية، مختارة من عناصر المعارضة المعادية للنظام والموجودة أساساً بالمنطقة. ولكن المشكلة هي أن آخر مرة استطاعت فيها هذه المجموعات انتزاع مناطق من داعش – على طول الحدود الشمالية – كانت في عام 2014. ومنذ فترة قريبة، تحديداً في أبريل/نيسان قام متمردون مدعمون من تركيا بالسيطرة على مناطق يسيطر عليها تنظيم داعش في منبج، ولكنهم فقدوا السيطرة على هذه المناطق بعدها بفترة قصيرة، على الرغم من حصولهم على الدعم المباشر من قِبَل سلاح المدفعية التركي، والضربات الجوية الأمريكية المتكررة في المنطقة.

إن للحكومة الأمريكية خطوطها الحمراء الخاصة بها، ويتضح ذلك من خلال رفضها التعاون مع الشريك المتمرد الأهم لتركيا داخل سوريا، ألا وهو حركة أحرار الشام، وذلك بسبب صلتها بتنظيم القاعدة. وعلى الرغم من ذلك، فقد استطاعت كلاً من الولايات المتحدة وتركيا الوصول إلى طرق للتعاون من الناحية التكتيكية، عن طريق توفير الدعم العسكري المباشر لمجموعات لا تمت بصلة لأحرار الشام أو لوحدات حماية الشعب. إن الولايات المتحدة تبدو ملتزمة بدعم وحدات حماية الشعب في شمال نهر الفرات، ولكنها من ناحية أخرى لا تزال مهتمة بالعمل مع تركيا، لتحديد مجموعات ذات أغلبية عربية من المتمردين المتفق عليهم للقتال في منطقة منبج.

في الأسابيع القليلة الماضية، بدت علامات التعاون التركي-الأمريكي ضد تنظيم داعش واضحة في منطقة منبج. فقد قامت القوات التركية الخاصة بشن أولى هجماتها الصريحة على الأراضي السورية، تلتها سلسلة من الضربات الجوية الأمريكية على المناطق الواقعة تحت سيطرة تنظيم داعش. إن التعاون بين القوات الجوية الأمريكية والقوات التركية الخاصة من الممكن أن يعد خياراً فعالاً، لدفع التنظيم على التراجع بعيداً عن الحدود التركية، كما هو مذكور بالتفصيل في إحدى المقالات الحديثة للكاتب. وفي الوقت الذي تستمر فيه الحملة ضد تنظيم داعش بقيادة الولايات المتحدة، تبقى الأسئلة المتعلقة بتركيبة القوات التي ستضطلع بمهمة حماية الأرض المحررة بعد طرد تنظيم داعش منها. سوف تتمحور مهمة هذه القوات حول حماية المناطق الواقعة على طول الحدود التركية، وصولاً إلى الجنوب عند طريق ام 4 (M4) السريع في سوريا.

مناطق السيطرة الكرديةإن التعاون الأمريكي – التركي يعتمد على حصول المجموعات المحلية على قبول ودعم سياسي من السكان المحليين، يتعدى ذلك الذي يتمتع به أفراد تنظيم داعش الذين يسيطرون على هذه المناطق. بهذه الطريقة قد تتمكن قوة صغيرة، ولكن ذات تمثيل أكبر، من زيادة فعالية الضربات الجوية الأمريكية، وذلك لانتزاع منطقة منبج سريعاً، والنجاح في الاحتفاظ بها. وتتطلب تلك الخطة أن تسعى القوة المحلية إلى القتال مع تنظيم داعش، لكي يقوم التنظيم بإطلاق النيران من مواقعه، وبذلك تتمكن منصات المراقبة الأمريكية من تحديد الخطوط الأمامية للتنظيم، وتمرير البيانات الخاصة بمواقعه إلى الطائرات لتنفيذ الضربات ضدها.

على الرغم من احتمالية نجاح هذه الخطة، فإن المباحثات الأمريكية-التركية فيما يتعلق بتركيبة هذه قوات المقترحة، أبطأت عملية الهجوم على داعش، مما أتاح للتنظيم الحفاظ على موطأ قدم له في شمال سوريا. ومن هذه المنطقة تحديداً يستمر داعش في إطلاق الصواريخ على مدينة كيليس التركية، في حين يستمر أفراد المجموعة من الأتراك في عبور الحدود للقيام بعمليات انتحارية. إن الوجود المستمر لداعش بالمنطقة يعيق أيضاً الجهود المبذولة لتحرير الرقة، التي اتخذها الخليفة عاصمة له.

عند التطلع إلى ما هو أبعد من العمليات المتوقعة، والتي تقوم بها القوات التركية الخاصة، لاستعادة مدينة الراعي الواقعة على الحدود، فإن هناك احتمالية لتدخل تركي أكبر في منطقة منبج، تحت غطاء من الطائرات الأمريكية، وتلك الخاصة بالتحالف. إن أي توغل برى تركي، يستهدف منطقة منبج ويركز على انتزاع والحفاظ على مدينة جرابلس الواقعة على الحدود – والتي لاتزال تحت سيطرة تنظيم داعش، يمكن أن يعجّل بالحرب ضد التنظيم، بالإضافة إلى إنه سيؤثر على مسار العلاقات الأمريكية-التركية. إن مثل هذا النوع من التوغل سيعد ضربة عسكرية هامة ضد داعش، وذلك أثناء رسم الحدود الغربية لتوسعات وحدات حماية الشعب، وفقاً للقيود الأمريكية والتركية. إن عملية عسكرية كتلك يمكن أن تكون جزءاً من العمليات الجوية للتحالف الحالي، وبالتالي ستتطلب طائرات أمريكية، وأخرى خاصة بالتحالف (وذلك يتضمن الشركاء العرب الذين يملكون طائرات مهاجمة بقاعدة انجرليك الجوية)، وذلك لتقديم الدعم الجوي للقوات البرية التركية. ستعتمد تلك العملية أيضاً على مبدأ فض النزاع مع روسيا، لتفادى أي تصعيد عسكري محتمل.

على الصعيد السياسي، قد تخلق هذه العملية واقع على الأرض، ألا وهو الوجود العسكري لدولة رئيسية مؤيدة للمعارضة المناهضة للنظام على الأراضي السورية. قد يؤدى هذا الوضع إلى دعم موقف ممثلي المعارضة في مباحثاتهم مع النظام، بالإضافة إلى تقوية الشرعية المحلية للمعارضة، وجاذبية المتمردين ذوي الأغلبية العربية الذين يحاربون تنظيم داعش بدعم تركي-أمريكي بالمنطقة. من المحتمل أيضاً ان تضع هذه العملية بعض الضغط على عناصر النظام، للموافقة على عملية انتقال سياسي كبيرة وذات معنى في سوريا. إن هذا قد يتطلب من تركيا التراجع عن رفضها لتضمين حزب الاتحاد الديمقراطي في مباحثات السلام السورية المتزامنة مع الأحداث، وهي سياسة قد حالت دون وجود أقوى المجموعات من السوريين الأكراد على طاولة المباحثات. من ناحية أخرى، فإن أياً من هذا لن يحدث إذا لم يتم التعامل مع المخاوف التركية، المتعلقة بتوسع حزب الاتحاد الديمقراطي في المنطقة، أو إذا لم تقم تركيا بجهود للتوصل إلى اتفاق، مما قد يعكس – ولو في ظاهره – منح قدر من السلطة لصالح الأكراد في المناطق الواقعة على أطول حدود برية للدولة التركية. ومن أجل تسهيل هذا الأمر الأخير، يجب على الحكومة التركية إعادة النظر في نزاعها الحالي مع حزب العمال الكردي في جنوب شرق تركيا، والتباحث في أمر وقف إطلاق نار معلن، ويكون متفق عليه من قِبَل الطرفين. إن الوجود التركي – أو وجود التحالف – في منطقة جرابلس، سيكون مرتبطاً بمصير مباحثات السلام، وسيتم انهاؤه فور الاتفاق على حكومة انتقالية.

إن مجرى الحرب في سوريا قد قيّد بشدة الخيارات التركية، في حين أن الولايات المتحدة تخاطر بعلاقتها مع حليف لها في الناتو، إذا ما تم اللجوء لوحدات حماية الشعب لتكون هي القوات البرية المستخدمة لإغلاق منطقة منبج. من أجل تغيير تلك الديناميكيات والتعجيل بهزيمة تنظيم داعش، يجب على الولايات المتحدة خوض عملية مشتركة معتمدة على القوات البرية التركية والقوات الجوية الخاصة بالتحالف. إن جرابلس تمثل تلك الفرصة. إن الاعتراف بتداخل المصالح التركية والمصالح الأمريكية – والاستفادة بشدة من هذا التداخل – لهو أساس سليم لاستراتيجية أكثر فاعلية للحرب ضد تنظيم داعش.

Full Report in English

مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط

بقيادة خبراء مقيمين، يقوم مركز رفيق الحريري بدراسة قضايا حل النزاعات وإعادة الإعمار/الإصلاح الاقتصادي، والتغيرات المجتمعية.