شبكات تنظيم داعش في تركيا: الخلاصات والنتائج (3-3)

في تقرير مطول أعده كبير الباحثين آرون ستاين، يلقى الباحث الضوء على شبكات تجنيد المقاتلين لتنظيم داعش المتواجدة في مدن تركية مختلفة، حيث يعتمد التقرير على دراسة حالة عدد من المدن التركية، ليكشف الخطوط العامة لعملية التجنيد التي يقوم بها التنظيم، من أجل امداد صفوفه بمزيد من المقاتلين في سوريا والعراق، أو حتى استخدام هؤلاء المجندين في القيام بعمليات إرهابية في الداخل التركي. في الجزء الأخير من هذا التقرير يستعرض الكاتب مجموعة من الخلاصات والنتائج فيما يتعلق بعمليات التجنيد التي يقوم بها تنظيم داعش في تركيا.

في كل حالة يحدد مجنِد محلي على دراية بالمجتمع المجنَدين، ويشركهم في محادثة معه، ثم يدعوهم إلى ندوات تدريبية دينية، ويبدو الأمر كما لو أن المجندين المحتملين سيحضرون هذه الدروس الدينية لأربعة أشهر، قبل أن يعلنوا ولائهم لتنظيم داعش، وبعد القيام بهذا التعهد يتم ارسال المجند إلى سوريا، إما من خلال غازي عنتاب أو سانليورفا، قبل أن يلتقي به أحد أعضاء تنظيم داعش على الجانب الآخر من الحدود، وقد يوضع المجنَد حينئذ في وحدات ناطقة بالتركية، بحيث يتموا التدريب العسكري والروحي، وعادة ما يستمر المجندون في التدريب الذي بدأ في تركيا قبل أن يرسل بعضهم للقتال في الخطوط الأمامية، أو يوضع في دور إداري داعم.

في جونجورين وأديامان، كان يتم تجنيد الأكراد ثم يرسل بهم للقتال ضد الأكراد الآخرين المنتمين إلى حزب العمال الكردستاني وحزب الشعب الديمقراطي؛ وقد تكون هذه النتيجة مبنية على عينة صغير ومنحازة؛ إلا أن الدليل الملموس يدعم فكرة أن أعضاء تنظيم داعش في تركيا سعوا لزيادة حجم التوتر العرقي التركي-الكردي داخل تركيا. كما أن الملفات الرقمية التي عثر عليها على الحاسب المحمول الخاص بـ يونس دورماز، العضو الرئيسي المسئول عن اللوجستيات في جماعة أديمان، تشير إلى أن الجماعة خططت للهجوم على الأكراد والعلويين والأهداف العالمية والأمنية داخل تركيا.  وقد فجر دورماز صدرية مفخخة في مسيرة للشرطة في مايو/أيار من العام الحالي في غازي عنتاب وقتل نفسه. وحتى يومنا هذا كانت غالبية الهجمات ضد الأهداف الكردية، مع أن كثيرٍ من الهجمات الحديثة كانت على أهداف اقتصادية وأمنية، وغالبية هذه التفجيرات ترتبط بخلية واحدة، تأسست مسبقاً في أديمان وغازي عنتاب، حيث تمتد روابط التجنيد إلى أنقرة وإسطنبول وأزمير. وتشير التفجيرات التي تركز على الاقتصاد، باستثناء هجمة شارع الاستقلال، أن لدى تنظيم داعش استراتيجية مزدوجة المحاور، خاصة وأنها تستخدم مجموعتين مختلفتين لتنفيذها، فالمحور الأول هو زيادة التوتر العرقي، بينما يهدف الثاني إلى تخريب الاقتصاد التركي؛ وكلا المحورين يساهمان لعمل نفس الهدف: إضعاف ثقة العامة في الحكومة المنتخبة.

كما يشير نموذج التجنيد أيضاً إلى أن تنظيم داعش استغل الحرية النسبية لينخرط أعضائه ضمن المجتمعات الصغيرة، وقد ساعد نمو التنظيم بدوره في “عدوى” المجندين المحتملين، والانتشار في مجموعات فرعية صغيرة ومحدودة من السكان داخل المجتمع. كما يشير البحث أيضاً إلى أن المجندين يسافرون في مجموعات عائلية، عادة مع الأخوة أو الأصدقاء المقربين الذين يحضرون دروس التجنيد، ومن ثم يسافرون إلى سوريا سوياً. كما استخدم المجندون أيضاً وسائل التواصل الاجتماعي، إما بصورة علنية من خلال فيسبوك ويوتيوب، أو بصورة خاصة من خلال تطبيقات الرسائل للتواصل مع المجندين المحتملين. فضلاً عن ذلك، هناك حالة واحدة على الأقل، كان أعضاء تنظيم داعش قادرون على التواصل مع المجتمعات الخارجية على الأرجح في ألمانيا وأذربيجان.

وهاتان الطريقتان في التجنيد، وفقاً لجيروير ودالي، لهما أبعاد أطول أمداً بالنسبة لمستقبل تنظيم داعش في تركيا. وفي مارس/أذار 2015، بدأت الحكومة التركية في مداهمة هذه الشبكات، وألقت القبض على العديد من المنتمين للتنظيم، وقد أجبر إجراء الشرطة هذا المجنِدين للعمل تحت الأرض، ما أعطى أهمية أكبر للانتقال إلى التواصل الخاص.

وبالإضافة لذلك، فإن تزايد عدد أعضاء تنظيم داعش الأتراك المقبوض عليهم الآن يمثل مشكلة ثانوية، حيث يمكن أن تستمر عملية التجنيد في السجن، من خلال استمرار أعضاء تنظيم داعش في اتباع أساليب مماثلة كتلك المتبعة في مجتمعاتهم الأساسية، ارتبط نجاح التنظيم على سبيل المثال باعتقال الأفراد الأساسيين في سجن بوكا، وهو سجن عسكري أمريكي خلال فترة احتلال العراق. 

وهذه الحركة النشطة ضد التنظيم تؤكد أكثر على الجهود التركية الثانوية لمواجهة الأصولية، وحالياً فإن القائم على الشئون الدينية التركية، ديانيت، يقود هذه الجهود من خلال نشر مراسم وتقارير تهاجم المصداقية الدينية لتنظيم داعش.  ومن غير الواضح إذا ما كان لهذه الجهود تأثير، لكن الجهود المماثلة ستزداد أهميتها كلما أُلقي القبض على المزيد من أعضاء التنظيم. وفي نفس الوقت، من المؤكد أن مجنِدي داعش مستمرون في عمليات التجنيد على وسائل التوصل الاجتماعي، ما يتطلب يقظة من جانب المكلفين بإنفاذ القانون لمراقبة أعداد المنشورات الكبيرة. مع ذلك، فسيتعين تعديل القانون التركي هو الآخر، من أجل توضيح الفارق بين الجريمة ومواطن خاص يحاول ببساطة أن يعتنق وجهة نظر ما حول غاية الحالة السياسية.

وتشير هذه الدراسة إلى وجود حراك عرقي سياسي حالي داخل تركيا من شأنه أن يجعل المجندَين أكثر سهولة للانقياد لمجنّدي داعش ولدعايتهم. وتشير البيانات إلى أن الأكراد ينجذبون إلى قطبي النقيض من الطيف السياسي، حيث تنضم مجموعاتهم الفرعية إلى الجماعات التابعة لكلاً من داعش وحزب العمال الكردستاني. وهذا الحراك بدوره يساهم في الأصولية، حينما ينتهي الأمر بصراع مباشر بين هذين القطبين، كما هو الحال الآن في سوريا. وفي داخل سوريا، فإن الجماعات الكردية المرتبطة بحزب العمال الكردستاني ومجموعة المحافظين المتدينين هدى بار (وهي جناح سياسي للجماعة الأصولية حزب الله الكردي، وعلى صلة أيضاً بهاليس بيانكوك)، كانا قد تنازعا في الأعوام الماضية، ونشب أبرز هذه النزاعات في أكتوبر/تشرين الأول من عام 2015، خلال الحرب بين تنظيم داعش وحزب الشعب الديمقراطي في كوباني، وخلال يومين من الشغب، قتل أعضاء من شباب حزب العمال الكردستاني وحركة الشباب الثوري الوطني عشرات من أنصار هدى بار في الجنوب الشرقي، وهذه النزاعات عكست التوتر الحاصل في سوريا، حيث اتهم أعضاء حركة الشباب الثوري الوطني هدى بار بالدعم والتجنيد لصالح داعش.

وتتطلب هذه الانشقاقات العرقية والدينية في المجتمع التركي استراتيجية مكافحة إرهاب تتبين الدقة في درجة الاختلاف، بحيث يركز المسؤولون الحكوميون على دوافع التجنيد للأيديولوجيات الدينية الأصولية، مقابل المظهر العلماني/الماركسي لحزب العمال الكردستاني. مع ذلك، فإن الجهود التركية لوقف التجنيد قد فشلت حتى الأن، بحيث تغذي كل دورة عنف مزيد من الشباب الكردي ليتركوا بلدانهم للقتال مع حزب العمال الكردستاني. وفي نفس الوقت تشير البيانات المناظرة إلى وجود تنامي في الدعم المقدم للجماعات السلفية، والتي ترتبط بالصراع في سوريا. ومن ثم، في حين أن القاعدة كان لديها حضور في تركيا – وأدارت شبكة من التهريب لتسهيل تدفق المقاتلين الأجانب إلى العراق، فإن هذه الدورة زادت من دعم هذه الجماعات داخل تركيا.

الخاتمة

منذ اندلاع النزاع على المدنيين في سوريا نشط المجنِدون التابعون لتنظيم داعش في المجتمعات المحلية، واستهدفوا الأعضاء المحتملين، وقد استخدم كل هؤلاء المجندون نفس الأساليب، قبل إرسال المقاتلين الذين أعلنوا الولاء للجماعة بعد أشهر من التلقين العقائدي، ولتسهيل السفر إلى تركيا، اعتمد تنظيم داعش/جبهة النصرة في البداية على شبكات أقدم وراسخة، كانت القاعدة قد استخدمتها من قبل لتهريب الأفراد والمواد إلى العراق، وما أن يصل هؤلاء المقاتلون إلى مقر التنظيم، يخضعوا لعملية تلقين عقائدي إضافي مع الأعضاء الناطقين بالتركية، قبل إرسالهم إلى الخطوط الأمامية ليقاتلوا أو يتم تقليدهم مناصب في وحدات إدارية بمدن مختلفة تحت إمرة التنظيم، وقد أدى صعود داعش واتساع والحرب الأهلية في سوريا إلى زيادة عدد المقاتلين الملتحقين بالعمل الجهادي والشبكة المتنامية في الحجم.

كما أن وسيلة التجنيد جمعت نسبياً بين جهود التجنيد العامة، مع مزيج من الدعاية العلنية والسرية على الإنترنت، حيث يبدو أن هاليس بيانكوك تلك الشخصية الشهيرة على الإنترنت لها قدر كبير من التأثير، على الرغم من عدم تقديمه فرض الولاء لتنظيم داعش. إضافة لذلك، استغلت شخصيات أخرى سلفية أقل شهرة وجودهم على فيسبوك لمناقشة المجنَدين المحتلمين، بما يشمل بعض المنتمين لدول أجنبية. وفي الحالات الثلاث استغل هؤلاء المجندون الثغرات الموجودة في القانون التركي، إضافة إلى التطبيق المتراخي للقوانين الحالية حتى مارس/أذار 2015، وهو الشهر الذي بدأت السلطات التركية فيه زيادة حملاتها على تنظيم داعش. ومن غير الواضح ما الذي دفع نحو هذا التحول السريع، مع أن أحد التفسيرات أن دعاية تنظيم داعش في مواجهة تركيا أصبحت أكثر عدائية في أوائل عام 2015، ما رفع من حالة التهديد على الأرجح.

كما تشير البيانات أيضاً أن هناك عامل متعلق بالداخل الكردي لم تتم دراسته بالشكل الكافي، حيث تم استغلال التعاطف المتزايد من جانب السلفيين لفكرة الدولة الإسلامية، وفي الوقت الذي بدأت فيه تركيا في تضييق الخناق على هؤلاء المجنِدين، فإن عملية التجنيد سوف يتم اجبارها على العمل تحت الأرض، الأمر الذي سيزيد أهمية الاتصالات الرقمية والمشفرة. علاوة على ذلك فإن عدد الأعضاء المنتمين لتنظيم داعش رهن الاعتقال يتطلب اتخاذ السلطات تدابير وقائية لضمان أن التجنيد لن يستمر في السجن.

وقد أثبتت هذه الشبكات قدر كبير من المرونة، وصمدت أمام جهود سابقة لمداهمة أنشتطها داخل تركيا. ومن المرجح أن يصمدوا حتى لو اختفت داعش. على الأقل، على تركيا أن تسن قوانين جديدة للتعامل مع هذا التحدي، وتمكين الشرطة والقوات المحلية من فرض التشريعات الجديدة. مع ذلك، تظهر البيانات أن هذه الجماعات ستستمر في الوجود في المناطق الحضرية التركية على الإنترنت. وسيتعين تشتيت هذه الشبكات باستمرار، ما يؤكد على كيف أن مشكلة داعش في تركيا ستكون ملحة وتتطلب التزاماً طويل الأمد من الشرطة للعمل بفاعلية، التزاماً معيناً لمكافحة القطاعات السكانية “المصابة بالعدوى” ومكافحة التداعيات طويلة الأمد للمقاتلين العائدين إلى تركيا، ومن ثم البدء مرة أخرى في دورة التجنيد.

Read Full Report

آرون ستاين

كبير باحثين مع مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط، حيث تركز اهتماماته البحثية على العلاقات الأمريكية-التركية.

شاهد أيضاً

أزمة المياه: كيف تم تحويلها إلى سلاح في الصراع اليمني

يظل الموقف شديد الخطورة، خاصة بالنسبة لليمن، حيث أدى تحويل المياه لسلاح إلى وصول الصراع لحالة حرجة. تقدر الأمم المتحدة أن 14 مليون نسمة، نصف سكان اليمن، يواجهون حالة ما قبل المجاعة. تعد المياه واحدة من أوجه الصراع المعقد هناك، ويظل من الصعوبة تحديد إلى مدى قد أدت إلى مزيد من العنف.

الترحيل غير الشرعي للاجئين السوريين في تركيا

مع استمرار السلطات التركية في رفض إعادة فتح مراكز استقبال الحماية المؤقتة منذ أكثر من عام في معظم الولايات الحدودية، ووقف منح الفارين من الحرب بطاقة الحماية المؤقتة التي تخول صاحبها حق البقاء والحصول على الرعاية الطبية والدراسة والمساعدات الاجتماعية، يعيش آلاف اللاجئين السوريين في تركيا هاجس الترحيل القسري بشكل دائم.

إعادة احياء محادثات السلام في اليمن: ماذا بعد؟

مع ارتفاع عدد القتلى في الحرب الأهلية في اليمن، فإن الحاجة الماسة للسلام تتناقض مع الآمال المتفرقة في عملية سلام. بعد أشهر من التأخير، أعلنت قوات الحكومة والمتمردين في يوم 19 نوفمبر/تشرين الثاني نيتهم تجميد العمليات العسكرية بصورة مؤقتة

إشترك في النشرة البريدية

سيصلك أحدث مقالات مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط