شبكات تنظيم داعش في تركيا: التجنيد من أجل الخلافة (1-3)

في تقرير مطول أعده كبير الباحثين آرون ستاين، يلقى الباحث الضوء على شبكات تجنيد المقاتلين لتنظيم داعش المتواجدة في مدن تركية مختلفة، حيث يعتمد التقرير على دراسة حالة عدد من المدن التركية، ليكشف الخطوط العامة لعملية التجنيد التي يقوم بها التنظيم، من أجل امداد صفوفه بمزيد من المقاتلين في سوريا والعراق، أو حتى استخدام هؤلاء المجندين في القيام بعمليات إرهابية في الداخل التركي.

وفيما يلي الجزء الأول من التقرير.

يمثل صعود تنظيم داعش والحرب التي تجري بالتزامن في سوريا تحديات خطيرة لأمن أوروبا والشرق الأوسط؛ وبالنسبة للعديد في الغرب، فقد طغى على المؤسسات الاستخباراتية تلك الدعاية المباشرة التي يجتذب بها تنظيم داعش عدداً من الرجال والنساء للسفر إلى سوريا والعراق، من أجل إعلان الخلافة. ففي تونس والعراق وليبيا وفرنسا وبلجيكا عاد من أمضوا وقتاً في سوريا والعراق إلى أوطانهم لتنفيذ هجمات إرهابية، وقد واجهت تركيا موجة مماثلة من الهجمات واسعة النطاق منذ بداية النزاع في سوريا، حيث قُتل 276 شخصاُ في سلسلة من الهجمات منذ عام 2015، مع حوالي 961 من المصابين، وذلك ما بين عمليات انتحارية وتفجيرات وهجمات باستخدام الأسلحة الصغيرة والهجمات الصاروخية.  ويشير هذا التقرير المطول إلى أن مجموعة كبيرة من أعضاء تنظيم داعش في تركيا يقفون خلف مجموعة التفجيرات الانتحارية الكبيرة والمخططة، لتأجيج التوتر الطائفي بين الأكراد الأتراك والمواطنين الأتراك.

لقد أدى الانقلاب العسكري الفاشل في تركيا – وعمليات التطهير التالية له في الجيش والهيكل الإداري التركي -إلى إثارة القلاقل حول الحرب الجوية التي تقودها الولايات المتحدة ضد تنظيم داعش، حيث أن عملياتها تخرج من قاعدة إنجرليك الجوية، وحتى وقتنا هذا لم يكن لعدم الاستقرار في تركيا أي تأثير ملموسً على الحرب الجوية، وقد تمكن أيضاً الجهاز الأمني التركي من الاستمرار في تعاونه مع مسئولي الاستخبارات الأوروبية، للمساعدة في كبح تدفق المقاتلين الأجانب.  مع ذلك، في أعقاب محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا، مطلوب من المسؤولين الأمنيين الأتراك أن يقاتلوا ثلاثة مجموعات تعمل في الظل: أتباع فتح الله جولن وحزب العمال الكردستاني وتنظيم داعش. قد تقوض مجموعة التهديدات الخفية التي تواجه الدولة الجهود المبذولة للتصدي لخطر داعش في تركيا.

جاء صعود نجم تنظيم داعش في تركيا عقب نجاح هذه المجموعة في سوريا والعراق، حيث تأسست البنية التحتية العابرة للحدود للتنظيم، والتي تستخدم للتجنيد والإمداد للخلافة من تركيا على بنيان تنظيم القاعدة، الذي استمر لعقود من الزمان، وشبكات الجهاديين المتشابهين فكرياً والمتواجدين في العديد من المدن التركية، والتي كانت تستخدم عادة كطريق ثانوي للجهاديين للالتحاق بالجهاد في العراق خلال فترة الاحتلال الأمريكي بين 2003 و2011. ومنذ نشوب النزاع في سوريا سافر المواطنون الأتراك ذهاب وعودة عدة مرات للالتحاق بالمجموعات الفرعية التي تتحدث التركية، ومجموعات المعارضة المناهضة للنظام، خاصة جبهة فتح الشام (وهي امتداد لتنظيم القاعدة في سوريا في صورة جديدة، والتي كانت تسمى من قبل جبهة النصرة) وجماعة أحرار الشام السلفية. ومع صعود تنظيم داعش في عام 2013، بدأ الأتراك في السفر إلى مناطق سيطرة التنظيم، حيث التحقوا بالوحدات التي تتحدث التركية، حيث يوجد أئمة أتراك ومدربين عسكريين. وتشير المصادر المتاحة إلى الفرق الطفيف بين داعش التركي وأعضاء القاعدة، ففي الحالة الأخيرة، نجد أن المقاتلين هناك أكبر سناً، بينما نجد أن أعضاء داعش الأتراك صغاراً في السن؛ مع ذلك، فهناك استثناءات، ولكن هناك حاجة لمزيد من البيانات للوصول إلى استنتاج حتمي، فيما يتعلق بواقع أعضاء داعش الأتراك.

في كلتا الحالتين، استخدم المقاتلون من تنظيم داعش وجبهة فتح الشام/جبهة النصرة شبكات مماثلة للدخول إلى الصراع في تركيا، في الغالب بعد اطلاعهم على عناصر الصراع من خلال وسائل التواصل الاجتماعي والنشطاء الإسلاميين في المنظمات غير الحكومية والمعروفين بمعارضتهم العلانية للنظام في سوريا، أو من خلال عدد كبير من جماعات المساعدات الإسلامية النشطة على طول الحدود. وفي حالات معينة، مهدت هذه الجماعات غير الحكومية السبل للدخول إلى الصراع السوري، حيث اختار عدد قليل من الترك حينها أن يبقوا مع الجماعات التي تتلقى المساعدة. وفي حالات أخرى، كان المجندون العائدون من تنظيم داعش يبحثون عن هؤلاء العائدين من سوريا، الذين أرسلوا حينها للتدريب الديني والتلقين العقائدي داخل تركيا. وقد يدبر عضو آخر في التنظيم لانتقالهم عبر الحدود إلى الرقة، عاصمة الخلافة في سوريا.

يستخدم هذا التقرير سلسلة من دراسات الحالة، للوقوف على شبكة التجنيد التابعة لتنظيم داعش، بما يشمل دور المُجندين المتواجدين في تركيا، وكيف استغل هؤلاء الأشخاص البيئة المتساهلة نسبياً داخل الدولة التركية، لدعم حملات الجهاديين الدعائية ضد بشار الأسد وحلفاءه، روسيا وإيران. وتشير البيانات إلى تباين الفئة العمرية للمجندين المتواجدين في تركيا، لكن هذه البيانات تشير إلى أن الأشخاص الرئيسيين لديهم صلة بالجهاديين الأفغان (1979 إلى 1989 ومن 2001 إلى الآن). وهؤلاء المُجندين معروفين للأشخاص الذين يعيشون في مجتمعاتهم، وعادة ما يكون لديهم صلة بالجماعات الدينية الصغيرة التي جمعت الأشخاص المتوافقين فكرياً للتدريب الديني.

يستند هذا التقرير إلى مصادر مفتوحة ومعلومات متناثرة بشأن تنظيم داعش في تركيا، ويستخدم سلسلة من دراسات الحالة للوقوف على وسائل هذه المجموعة في التجنيد في عدة مدن تركية، وتكشف المصادر جهود تجنيد مماثلة في العديد من المدن المختلفة وشبكات مترابطة من السلفيين، لديها قناعة بفكر تنظيم داعش؛ والنتائج المستخلصة في هذا التقرير مبنية في الأساس على مصادر باللغة التركية مقتبسة من تقارير شرطية. وأحد المثالب التي تأخذ على هذا التقرير هي أن هناك معلومات قليلة معروفة بالفعل حول محتوى المناقشات بين المُجندين العاملين لحساب تنظيم داعش ومن جندوهم. وعلى هذا النحو تستند النتائج على الشواهد المتاحة، ويجب أن تُحدث حال وردود معلومات جديدة عن المجموعة وأنشطتها في تركيا. والدروس المستفادة من هذه الدراسة يمكن لدولٍ أخرى أن تستغلها، في الأماكن التي سيبقى فيها لتنظيم داعش – شكلاً ما بطريقة أو بأخرى – بعد أن يخسر أرضاً في العراق وسوريا، حيث سيقوم بتجنيد هؤلاء الجهاديون المتشابهون في الأفكار من الشباب المعرضين للخطر، إما من أجل دعم استمرار التمرد، أو للمشاركة في الجهاد في مناطق أخرى في العالم.

القاعدة في العراق: الصلة التركية بالحرب في سوريا

إن تاريخ تنظيم داعش موثق جيداً، فالجماعة هي آخر تجسيد لجماعة التوحيد والجهاد التابعة لأبو مصعب الزرقاوي، والتي تحولت في نهاية الأمر لتنظيم القاعدة في العراق. وبعد موت الزرقاوي في 2006، انتقلت المجموعة بخططها إلى لتشييد الدولة الإسلامية، وذلك للمرة الأولى تحت إمرة الخليفة أبو عمر البغدادي؛ وقد أعادت الجماعة تسمية نفسها بعد ذلك باسم الدولة الإسلامية في العراق، وبدأت في التركيز على السيطرة على منطقة الأنبار لتأسيس الخلافة المرجوة. وقد قتل أبو عمر بعد ذلك عام 2010، ما ساعد في تصعيد نجم الخليفة الحالي، أبو بكر البغدادي، إلى جانب القيادة الحالية في التنظيم. وفي عام 2011، أرسل تنظيم القاعدة أبو محمد الجولاني إلى سوريا، حيث أسند إليه مهمة تأسيس جبهة النصرة، التي تعتبر أحد أفرع القاعدة في سوريا. وقد ظل البغدادي القائد الذي يكتنف تحت لواءه جبهة النصرة، لكن في نهاية الأمر انفصلت الجماعتان.

وفي البداية، أمدت أحد مجموعات التجنيد الرئيسية الحالية لتنظيم داعش الدعم لجبهة النصرة، حيث جندت لصالح الجبهة، واستخدمت شبكتها الراسخة في تركيا لتهريب الرجال والعتاد إلى المنطقة التي تسيطر عليها جبهة النصرة. ولكن بعد ذلك أعلنت هذه الشبكة المتواجدة في تركيا الولاء لتنظيم داعش، وظلت منذ ذلك الحين توفر نفس نوع الدعم والمساعدة اللوجستية للتنظيم، وقد ظهر هذا الأمر في المستندات التي تم الاستحواذ عليها فيما يتعلق بحركة المقاتلين الأجانب من تركيا إلى سوريا. وقد حللت الأكاديمية العسكرية الأمريكية ما يربو على 4600 من التسجيلات الصوتية لأفراد من تنظيم داعش. في وقتٍ سابق بين أوائل عام 2013 وأواخر عام 2014، دخل 93% من المقاتلين المسجلين إلى سوريا من خلال 6 مدن حدودية مختلفة: يايلاداغي وعثمانية وأعزاز والراي وجرابلس وتل أبيض.  وبالنسبة للعديد من المقاتلين الأجانب، كانت إسطنبول هي نقطة الدخول الأولى، قبل تسهيل وسطاء داعش السفر من مدينتين رئيسيتين قرب الحدود، سانليورفا وغازي عنتاب. ومن هاتين المدينتين ينتقل مقاتلو داعش إلى كيليس أو البيلي أو كاركاميس أو أقجة. وثلاثة من هذه المناطق على أقل تقدير، يايلاداغي وعثمانية وأعزاز لم تعد تحت لواء تنظيم داعش، حيث أصبحت جبهة النصرة أو الأحرار هي التي تحل محلها الآن كأكثر الجماعات سيادة في هذه المناطق.

وتشير البيانات المتوفرة إلى أن تنظيم داعش كان قادراً على إدراج نفسه تحت لواء قطاع عريض فرعي أكبر من المجتمع السلفي التركي، وقد أمدت المجموعة الفرعية من المجتمع السلفي الدعم للجهاد في العراق ضد الولايات المتحدة، فضلاً عن النزاعات الجهادية كتلك التي في أفغانستان والبوسنة وأوجادين. 

وتشير كلاً من الحالتين العراقية والأفغانية أن المجندين الأكبر سناً، ممن قاتلوا في أحد مناطق الصراع هذه أو كلاهما، عادوا إلى الوطن وجنّدوا جيلاً جديداً من الأتراك، للالتحاق بالقتال في سوريا، إما مع جبهة النصرة أو مع تنظيم داعش لاحقاً؛ وهذا يشير إلى أن شبكة الجهاديين تجتمع حول عدداً صغيراً من الأفراد، الذين حاربوا في الخارج، بعد ذلك يعودون إلى بلادهم الأصلية، حيث يتحدثون حالياً عن خبرتهم. وهذا يعتبر مشكلة طويلة الأمد لوكالات تطبيق القانون المعنية بتفكيك هذه التجمعات، لأن العديد من المقاتلين الأجانب والأتراك عبروا الحدود لأعوام ليحاربوا في الصراع السوري الحالي. ويشكل تنظيم داعش أيضاً تهديداً مختلفاً نوعاً ما عن القاعدة، لأن العديد من المجندين الأتراك فيه جاؤوا من مناطق حضرية وريفية، ليس لها تاريخاً في دعم في الجهاد أو الإرهاب.

Read Full Report

آرون ستاين

كبير باحثين مع مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط، حيث تركز اهتماماته البحثية على العلاقات الأمريكية-التركية.

شاهد أيضاً

أزمة المياه: كيف تم تحويلها إلى سلاح في الصراع اليمني

يظل الموقف شديد الخطورة، خاصة بالنسبة لليمن، حيث أدى تحويل المياه لسلاح إلى وصول الصراع لحالة حرجة. تقدر الأمم المتحدة أن 14 مليون نسمة، نصف سكان اليمن، يواجهون حالة ما قبل المجاعة. تعد المياه واحدة من أوجه الصراع المعقد هناك، ويظل من الصعوبة تحديد إلى مدى قد أدت إلى مزيد من العنف.

الترحيل غير الشرعي للاجئين السوريين في تركيا

مع استمرار السلطات التركية في رفض إعادة فتح مراكز استقبال الحماية المؤقتة منذ أكثر من عام في معظم الولايات الحدودية، ووقف منح الفارين من الحرب بطاقة الحماية المؤقتة التي تخول صاحبها حق البقاء والحصول على الرعاية الطبية والدراسة والمساعدات الاجتماعية، يعيش آلاف اللاجئين السوريين في تركيا هاجس الترحيل القسري بشكل دائم.

إعادة احياء محادثات السلام في اليمن: ماذا بعد؟

مع ارتفاع عدد القتلى في الحرب الأهلية في اليمن، فإن الحاجة الماسة للسلام تتناقض مع الآمال المتفرقة في عملية سلام. بعد أشهر من التأخير، أعلنت قوات الحكومة والمتمردين في يوم 19 نوفمبر/تشرين الثاني نيتهم تجميد العمليات العسكرية بصورة مؤقتة

إشترك في النشرة البريدية

سيصلك أحدث مقالات مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط