داعش يطيل أمد معركة الموصل

تستمر معركة تحرير مدينة الموصل – شمال العراق – من سيطرة تنظيم داعش للشهر الرابع على التوالي، الأمر الذي يكشف طول نفس التنظيم، ووجود خطة استراتيجية محكمة من حيث التسليح والإمداد والدفاع، حيث تخضع المدينة لحصار محكم، وانقطاع خطوط امداد التنظيم بشكل شبه كامل، وعدد كبير من أفراد القوى المهاجمة المتمثلة في الجيش وقوات الأمن العراقي، وقوات الحشد الشعبي الشيعية، وقوات البشمرجة الكردية، والحشد الوطني السني، إضافة لعدد من أفراد العشائر في المنطقة ومحيطها، ويتم دعم تلك القوى بقوات أجنبية وبطيران التحالف الدولي؛ وهو ما نتج عنه حصار مطبق على المدينة، وعلى الرغم من الانقطاع التام للإمدادات عن تنظيم داعش ومواجهته حوالي 108500 مقاتل، فانه استطاع يستمر في القتال في الموصل.

تعتبر مدينة الموصل أحد مركزي الثقل بالنسبة لتنظيم داعش في كل من سوريا والعراق، ومنها أعلن البغدادي عن ولادة دولة الخلافة الإسلامية، كما تحتل المدينة موقعاً استراتيجياً فريداً، حيث تعد حلقة الوصل بين تركيا وسوريا والعراق وإقليم كردستان، كما أنّها تقع على طريق الحرير الجديد، والذي تسعى إيران لإنشائه منذ عقود، ليصل إيران بالبحر المتوسط براً، لذا تسعى كل الأطراف المشاركة لتأمين مصالحها في الموصل.

في الوقت الذي أكد فيه المتحدث باسم التحالف الدولي “جون دوريان” أنّ عدد عناصر تنظيم داعش ما يقارب 2000 عنصر فقط في الموصل، يُجزم البعض بأنّ القدرات الحربية للتنظيم هي أقل من تلك الدعاية التي روج فيها لنفسه، ضمن الحرب النفسية التي يتبعها في اصدارته المرئية، وأنّ التنظيم على شفا الانهيار فعلياً.

تتبع القوى المهاجمة، والتي أعلنت عن بداية المرحلة الثالثة من عملية تحرير الموصل في 19 فبراير/شباط، سياسة الأرض المحروقة، حيث اوضحت تقارير عن نزوح ما يقارب من 100 ألف مدني من مناطق الاشتباك المحتدمة، كما توضح الصور والتسجيلات من الموصل مقدار الدمار الذي لحق بالمدينة، والناتج عن القصف الجوي والمدفعي الكثيف.

ومع دخول المعركة شهرها الرابع، تتوارد الاستفسارات عن القدرة العسكرية للتنظيم في الموصل، حيث اورد تقرير لمنظمة العفو الدولية أنّ ترسانة داعش العسكرية “مذهلة”، على الأقل وفق ما تم رصده على الأرض، بغض النظر عن كميات السلاح التي ربما يكون التنظيم قد حصل عليها عبر شبكات تزويد غير قانونية، أو بتطويره وتصنيعه الذاتي. توضح التقارير أنّ التنظيم أسس لنفسه مخزوناً استراتيجياً، معتمداً على ما حصل عليه من المخازن والقطع العسكرية في كل من سوريا والعراق، وأقرب مثال على ذلك كان المخزون الضخم من المدرعات التي استخدمها التنظيم في معركة الرمادي في مايو/أيار 2015، والتي بلغت نحو 100 مدرعة قتالية، بينها دبابات من نوع أبرامز الأمريكية.

هذا ويمتلك التنظيم إلى جانب الأسلحة التقليدية التي تم نهبها أو التي حصل عليها من السوق السوداء، أنواعاً من الأسلحة المتطورة، والمتمثلة في أنظمة الدفاع المضادة للطيران، وصواريخ موجهة مضادة للدبابات، إلى جانب البنادق الهجومية من نوع AK و M16 الأمريكية، إضافة إلى عدة أنواع من الدبابات المغتنمة من مستودعات تابعة للجيشين العراقي والسوري، من نوع T55, T72, M1A1 s140، وصواريخ محمولة على الكتف من نوع ستينجر، وبطاريات هوك.

هذا ويذكر أنّ التنظيم سيطر على نحو 3 ألاف سيارة من نوع 4X4 هامر، والتي غنمها خلال معركته في السيطرة على الموصل، إضافة لأسلحة خفيفة وذخيرة بقيمة 500 مليون دولار، والتي كانت قد سلمتها واشنطن لبغداد في عام 2014، كما أوضحت الإصدارات المرئية للتنظيم امتلاكه صواريخ من نوع تاو الأمريكية المضادة للدروع والدبابات، وآلاف من سيارات الدفع الرباعي من نوع تويوتا لاند كروزر، المتميزة بقدرتها على المناورة في المناطق الصحراوية والوعرة.

كل تلك الأرقام، إضافة لصعوبة الطبيعة الجغرافية للموصل، وكثرة أزقتها، وأبنيتها العالية، والتي تشكل تمركزاً لقناصي التنظيم، يجعل عملية تحرير الموصل من قبضة التنظيم عملية طويلة الأمد، إلا أنّها سوف تنجح في النهاية، مع الاستمرار في توجيه الضربات للتنظيم، كما كان الحال في معركة تحرير كوباني “عين العرب” في سوريا 2015، إلا أنّ التنظيم يحاول من خلال إطالة عمر المعركة تكبيد القوى المهاجمة أقصى ما يمكن من الخسائر في العدة والعتاد، وإظهار المعارك الجارية أنّها ضد السُنة العرب، سعياً منه لكسب حاضنة شعبية جديدة، يستخدمها مستقبلاً في إعادة التكوين. إن الانتهاكات التي تقوم بها القوات المهاجمة – سواء كانت حقيقة أو متوهمة – تجعل التنظيم يظهر بصوة المدافع عن العرب السنة. وعلى المدى الطويل، المنتصرون – وهم طيف العرب والاكراد والشيعة والسنة والقوات الحكومية والمليشيات العسكرية الموازية وقوات التحالف الدولي – سوف يكون عليهم التعامل مع هذا الغضب الكبير بس تدمير المدينة.

ولا يعتبر خروج الموصل من سيطرة تنظيم داعش نقطة النهاية للتنظيم في العراق، إذ نجح التنظيم منذ عام 2004 – حينما كان معروفا باسم تنظيم القاعدة في العراق – بإعادة التكتل و تشكيل الخلايا النائمة، والتي ستجد في الموصل ومحيطها بيئة خصبة للتجمع والتكاثر من جديد، مع فوضى السلاح والفساد الذي يشهده العراق منذ عام 2003، وما تشهده المحافظات السُنية العراقية من انتهاكات وتهميش واضح.

Read in English

فراس حنوش

عضو حملة الرقة تذبح بصمت، عمل طبيب ميداني في سوريا سابقاً، وانخرط في برنامج دعم المعارضة السورية المعتدلة.

شاهد أيضاً

أزمة المياه: كيف تم تحويلها إلى سلاح في الصراع اليمني

يظل الموقف شديد الخطورة، خاصة بالنسبة لليمن، حيث أدى تحويل المياه لسلاح إلى وصول الصراع لحالة حرجة. تقدر الأمم المتحدة أن 14 مليون نسمة، نصف سكان اليمن، يواجهون حالة ما قبل المجاعة. تعد المياه واحدة من أوجه الصراع المعقد هناك، ويظل من الصعوبة تحديد إلى مدى قد أدت إلى مزيد من العنف.

الترحيل غير الشرعي للاجئين السوريين في تركيا

مع استمرار السلطات التركية في رفض إعادة فتح مراكز استقبال الحماية المؤقتة منذ أكثر من عام في معظم الولايات الحدودية، ووقف منح الفارين من الحرب بطاقة الحماية المؤقتة التي تخول صاحبها حق البقاء والحصول على الرعاية الطبية والدراسة والمساعدات الاجتماعية، يعيش آلاف اللاجئين السوريين في تركيا هاجس الترحيل القسري بشكل دائم.

إعادة احياء محادثات السلام في اليمن: ماذا بعد؟

مع ارتفاع عدد القتلى في الحرب الأهلية في اليمن، فإن الحاجة الماسة للسلام تتناقض مع الآمال المتفرقة في عملية سلام. بعد أشهر من التأخير، أعلنت قوات الحكومة والمتمردين في يوم 19 نوفمبر/تشرين الثاني نيتهم تجميد العمليات العسكرية بصورة مؤقتة

إشترك في النشرة البريدية

سيصلك أحدث مقالات مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط