داعش بين فقدان الهيمنة أو مزيد من التوحش

إن أبرز ما يستثير الاستغراب في تنظيم بقدرة داعش على التجنيد والسيطرة الثقافية هو أنه تنظيم راديكالي بدون أي أدبيات خاصة، ولا حتى مانفيستو حماسي وسطحي، هذا ليس مجرد خطأ أو سهو، هو تنظيم بالفعل لا يحتاج لذلك، داعش ليس بحاجة لبناء هيمنة ثقافية عامة لنسخته من الإسلام، ثم بعد سنين طويلة يبدأ بحصاد ذلك، هو يحصد مباشرة.

في الفترة القليلة قبل الثورات العربية، كان الإسلام السياسي في ذروة هيمنته الثقافية على المجتمعات العربية، كانت أهدافه الكبرى مثل الخلافة أو تطبيق الشريعة، غير قابلة للنقد أو للمناقشة، وكان ذلك نتيجة لسنوات طويلة من العمل الدعوي المثابر والدؤوب بجوار عنف رمزي ومادي على المخالفين، سنوات طويلة من النقاشات الفقهية والسيطرة على المساجد وعلى سوق الأشرطة الدينية، آلاف الكتب الدينية المبسطة، والعمل الإسلامي الطلابي، ومراكز تحفيظ القرآن، العمل الخيري المنظم، وجولات الكشف الطبي المجاني، وتوفير ملابس المحجبات بأسعار رمزية، ونشر الملصقات التي تدعو للصلاة والاستغفار في كل مكان، تنظيم صلوات العيد في الخلاء، وكل ما يجعل الدين محور حركة المجتمع.

صحيح، أن الجماعات الإسلامية العنيفة التي نشأت بداية من السبعينات في مصر، كانت هي كذلك تفتقد لهيمنة راسخة على المجتمع، وهو ما أشعرها بغربة كاملة جعلتها تميل نحو أفكار متطرفة تكفر المجتمع كله، ولكن ذلك العنف الناتج عن الاغتراب نفسه، سيكون أحد العوامل التي ستساعد بقية الجماعات على ترسيخ سطوتها الفكرية في المجتمع، بتهديد من يحاول الحفر في أسس بنيانها.

من المعروف أن جل الحركة الطلابية الإسلامية في حقبة السبعينيات في مصر، المعروفة باسم الجماعة الإسلامية، قد انضمت لجماعة الإخوان، بينما قلة ملحوظة ذهبت بعيداً في محاولة الوصول للسلطة بشكل عسكري مباشر، ومرت سنوات طويلة قبل أن يتمكن النظام المصري من سحق هذه الجماعات بشكل عسكري، وإفراغها من الداخل، وإفقادها أي إمكانية مباشرة للاستمرار في الوجود.

انتهج النظام المصري بداية من اغتيال السادات، استراتيجية لسحق كل الجماعات المسلحة، في الوقت الذي يعطي فيه الإخوان كجماعة إسلامية معتدلة مساحة من الحركة وحرية التحرك والدعوة، وتمكن الإخوان من الاستفادة من ذلك، بترسيخ الأرضية المجتمعية التي يقفون عليها، كانوا متفوقين بشكل كامل على خصومهم الأيديولوجيين في الانتشار والتنظيم، والقدرة على المزايدة الفكرية وتخويف الآخرين، لكن دون أن يقتربوا في أي وقت من تشكيل تهديد وجودي على النظام، وبدت تلك المعادلة ساحرة بالنسبة للنظام.

بالطبع ساعد الإخوان في تلك الهيمنة، الهجرة المكثفة للخليج الأكثر محافظة، وتوفر التنظيم القوي لكن غير المسيس بشكل كامل، والذي يتيح جذب الأعضاء بطرق غير مقتصرة على الصراع السياسي، مثل لعب الكرة أو حلقات تفسير القرآن في المساجد وغيرها. بالإضافة لذلك، في سنوات مبارك الأخيرة حاول النظام أن يلعب نفس اللعبة مع الإخوان، بتمكين خصومهم السلفيين من الإعلام وفتح المساحات أمامهم، وهو ما لم يغير من الهيمنة الإسلامية، ولكنه قام بتجذير طبيعتها.

المقصد أن الهيمنة الثقافية للإسلاميين، كانت نتاجًا بالأساس للعمل الدعوي وليس السياسي، إذ أن الحركات السياسية التي تصعد في ظرف معين، كما تصعد حركات العنف عامة، يمكن أن تزول بزواله، حفاظ الإسلاميين على وجودهم وهيمنتهم لعقود طويلة، لم يكن فقط وليدًا للحظة حرجة سياسيًا.

وذو دلالة أن آخر حراك ديني مجتمعي ملحوظ تمثل في الصعود السلفي في أواخر مبارك، وقبله صعود ما سمي بالدعاة الجدد، لكن بمجيء الثورات، تم تراجع الديني المجتمعي، لصالح السياسي، حتى في داخل الحركات الإسلامية نفسها؛ كما ولدت الثورات طموحًا للتغيير، كان من ضمنه تغييرات مجتمعية ستأتي على حساب الهيمنة الإسلامية التي ظلت ممثلة للنظام المجتمعي العام لعقود، حتى وإن كانت خارج السلطة السياسية، لقد أصبحت هيمنة الإسلاميين منذ الثورات، في مرحلة تآكل بطئ وتدريجي، وإن توازى معها تحقق على المستوى السياسي سينهار سريعاً لأنه كان قد فقد كثيرًا من هيمنته المجتمعية بالفعل.

بهزيمة الثورات العربية وسحق الإخوان المسلمين وتراجع وجود السلفيين في الشارع والإعلام، أصبح تآكل هيمنة الإسلاميين أكثر تسارعًا، وتركيز النظام في قمعه على جماعة الإخوان، جعل من الصعب أن تقوم جماعة أخرى بالمهمة التي أخذوها على عاتقهم سابقًا، أي خلق هيمنة على المدى الطويل، خصوصًا أن الجماعات الإسلامية الكبيرة التي بقيت في الساحة بعدها كانت جماعات سلفية، وهي وإن لم تتعرض لنفس التحجيم الذي يتعرض له الإخوان، فإنها عاجزة على اكتساب مساحات للحركة بحجة الاعتدال، إذ أن أفكارها أكثر تشددًا على المستوى الفقهي والمجتمعي، وإن ارتضت بحلول برجماتية سياسية.

استفاد تنظيم داعش من هذا التراجع في هيمنة الإسلاميين، إذ أنه أصبح الوريث الوحيد لهيمنتهم تلك، ولكن مشكلة التنظيم الأساسية هي أن تلك الهيمنة لا تتوسع بعد الآن، هو فقط يستفيد ببقاياها فقط.

سوقّ تنظيم داعش لنفسه بالأساس كحركة قادرة على الإنجاز والنكاية في الأعداء، في وقت كان بقية الإسلاميين يتراجعون فيه، وكانت لحظة الإنجاز الكبرى له حين تمكن من احتلال مدينة الموصل وإعلان الخلافة، الحلم القديم للإخوان المسلمين. لكن الشعار الدال الذي رفعه التنظيم “باقية وتتمدد”، والذي يمثل أكثر من مجرد شعار حماسي، يواجه تحديات وجودية.

لم يكن تنظيم داعش وحشاً تكونّ بعد تلاوة تعويذات معينة، بل موجة ضخمة من بحر، أي أنه لم يوجد من الفراغ، بل نتاج أفكار وحواضن واسعة كانت تنتظره. اعتمد التطور السريع للتنظيم بجوار قدرته على الإنجاز والنكاية، على استفادته من الهيمنة الواسعة لأفكار الإسلام السياسي والجهادي المتشدد في الحرب السورية، وقبل ذلك في العراق، وباتخاذه موقعاً في أقصى يمين هذا الخطاب كان قادراً على المزايدة على المختلفين وسحقهم، فيما يظلون هم مترددين في كيفية التعامل معه.

لكن ميزة الإنجاز السريع الذي اعتمده داعش يبدو أنه على وشك خسارته، بهزيمته في معارك كثيرة وفقدانه العديد من المدن الكبرى. صحيح أن هذا التراجع يحدث ببطء شديد، لكنه يفقده ميزته الأساسية (الإنجاز والنكاية)، وهو أمر كان يمكن للتنظيم معالجته، لو كان قادرًا على توسيع نفوذه الفكري وسط المجتمعات التي سيطر عليها، لكن التنظيم لم يكن مهتمًا أبدًا بذلك.

اهتمت أغلب إصدارات تنظيم داعش من مجلات وصحف ومقاطع فيديو على استهداف الأشخاص للتجنيد المباشر، باستخدام مقاطع القتل والحرق بجوار التكفير في مجلاتهم وصحفهم وأخبارهم العسكرية، دون اهتمام فعال بخلق الأرضية الاجتماعية الواسعة لأفكاره، هو بالفعل يقوم بـ “تعليم” السكان في مناطق سيطرته أفكاره وفقهه، لكن دون أن يكون القبول الاجتماعي الأول لأفكاره أحد مسببات احتلاله لمدينة ما، أو أحد الحواجز التي ترى أنه يجب التغلب عليه،  أي إنه حتى لا يعتبر بقايا الهيمنة الإسلامية سوى عامل مساعد للتجنيد، لكن القبول أو الرفض الشعبي نفسه غير ذي صلة بطموحاته العسكرية.

كتنظيم عسكري يسوق نفسه بتحقيقه للخلافة، حلم الإسلاميين، لا وقت لداعش لتكون خططه على المدى الطويل، هو إما أن يظل يتقدم، أو يظل ينتهي، أي افتقاد القدرة على الاستقرار، فالهدف الذي يطمح إليه، الخلافة، يجعله على خلاف دائم مع كل العالم. ومن ثم فإن إعادة هيكلة نفسه يتواءم مع وضع عسكري جديد يكون فيه مهزوم ومحصور بحدود معينة، وتحوله إلى مجرد دولة وطنية أخرى، يعني تلاشي كل جاذبيته.

المثير هنا أن عدم قدرة داعش على تحقيق إنجازات عسكرية كبرى جديدة، بجوار تآكل هيمنة الإسلاميين، ينبغي أن يقود إلى هزيمته على المدى الطويل، أي أنه نظريًا لا تحتاج هزيمة داعش سوى منعه من الإنجاز وليس بالضرورة سحقه عسكريًا حتى النهاية. لكن المساحة القليلة التي تبقت من هيمنة الإسلاميين، تظل مساحة واسعة جدًا بالنسبة لتنظيم إرهابي، خاصة لو أصبح هو الوريث الوحيد لهذه الهيمنة في بلد كبير مثل مصر، بعد انكسار كل الجماعات الأخرى.

السيناريو الجيد أن منع داعش من الإنجاز، بجوار خفوت الإسلاميين، إن تزامن مع صعود تيارات ديموقراطية قادرة على احتواء من هم على هامش النظام، ومضاعفة سرعة تآكل الهيمنة الإسلامية، سيكون كفيلًا لخلق إمكانية لتغيير ديموقراطي، لا يجد نفسه يواجه نفس المشكلات الوجودية التي واجهت الثورات العربية، أي وصول الإسلاميين للحكم بعدها وتزايد النزعة الراديكالية لديهم، ولدى خصومهم في الوقت نفسه، ما يجعلهم غير قابلين للتفاوض، وينزع كل طرف لمحاولة إقصاء كاملة للآخر، فيتركون مساحة للجيش للتدخل وفض المجال العام، في هذا السيناريو سيبقى الإسلاميون لكن بهيمنة متراجعة كثيرًا عن ما كانت في فترة بعد الثورات، وسيكونون أكثر قبولًا لتقديم التنازلات وغير مسارعين للاستقطاب الذي ينهي أي أمل.

السيناريو الأسوأ، أن يتراجع تنظيم داعش جزئيًا، ولكن هذا التراجع لا يواكبه أي صعود لتيارات أخرى، وبالتالي تظل مساحة الهيمنة الإسلامية تتآكل ببطء شديد يكفيه لتجنيد فلول هذه الهيمنة ليظل موجود ويحارب، ويتواكب ذلك مع يأس عام من التغيير لا يجد مسارًا للتفريغ سوى الالتحاق بالتنظيم، أو على الأقل تأييده. وتظل وعود داعش، رغم الوعي المتزايد بعدم مصداقيتها وعدم قدرته على إنجاز ما يدعيه، قادرة على جذب شرائح جديدة تضمن له البقاء لفترة أطول، ويظل العالم في دوامة لا تنتهي بين أنظمة ديكتاتورية وجماعة إرهابية يحاول هزيمتها دون جدوى، خصوصًا أن حتى هزيمة التنظيم في سيناريو مثل هذا، تظل واردة جدًا، ولكن سيصعد مكانه تنظيم إرهابي جديد، أقل طموحًا فيما يريد تحقيقه، أي سيترك فكرة إنشاء دولة مركزية والانطلاق منها لإرهاب العالم، ولكن سيكون مكتفيًا بإرهاب العالم فقط كهدف لا يحتاج الكثير جدًا ليكون قادرًا عليه.

اشترك في نشرتنا Read in English

بلال علاء

كاتب صحفي، يكتب للعديد من المواقع والصحف المصرية والعربية. نشر له كتاب "زمن الوحوش الخطابية" عن تحليل صراع الخطابات السياسية في مصر من 2005 إلى 2015.

شاهد أيضاً

قصة مصورة | في قلب المغارات تستمر الحياة في ترملة

وفي داخل هذه المغارات أُرغم السكان على ضرورة ممارسة الحياة بكل طبيعي قدر الإمكان في سياق غير طبيعي، حياة بدأت تصدح بها هذه المغارات في ظل الدمار والخراب الذي عم البلاد.

شهادات مرّوعة عن التعذيب من مسلخ سوريا البشري سجن صيدنايا

في هذا التقرير نعرض شهادة لشاب يدعى عمران الخطيب من ريف دمشق اعتقل في عام 2012 بتهمة التظاهر ضد نظام الأسد، وانتقل بين عدة أفرع للمخابرات السورية، لينتهي به المطاف أخيراً في سجن صيدنايا

واشنطن بالعربي | الشتات الجهادي: من يقود الحركة الجهادية العالمية؟

عقدت لجنة الأمن القومي في الكونجرس الأسبوع الماضي جلستان استماع عن الحركات الجهادية، تنظيمي القاعدة وداعش، وقد تناولت هاتين الجلستين عدد من النقاط المهمة، التي يقدمها التقرير التالي بشيء من التفصيل.

إشترك في النشرة البريدية

سيصلك أحدث مقالات مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط