كيف تواجه تركيا صواريخ تنظيم الدولة؟

تقع مدينة كيليس التركية على بعد ثلاثة أميال فقط من الحدود السورية، هذه المدينة أضحت تحت وابل صواريخ قادم من الأراضي التي يسيطر عليها تنظيم الدولة في سوريا. زادت كثافة هذه الصواريخ في شهر ابريل الحالي، الأمر الذي وضع كثير من الضغوط على الحكومة التركية، من أجل مواجهة هذا التهديد. طبقا للمتابعة المستمر التي يقوم بها المجلس الاطلنطي، تمكنت الصواريخ من ضرب المناطق الشمالية في تركيا، وصولا لمدينة اتاتورك والحدود الجنوبية لمنطقة كازانجّي أوغلو، في كل هذه الهجمات استخدم تنظيم الدولة صواريخ الكاتيوشا، وهى صواريخ غير موجهة وغير دقيقة من عيار 107مم و122مم، ويصل مدى هذه الصواريخ بين 12-20 ميل. ولأغراض هذه المقالة سوف يتم استخدام مسجد تيكي – الذي تم استهدافه بالصواريخ ويقع في المنطقة الوسطى بين هاتين المنطقتين – كنقطة مرجعية، لقياس المسافة إلى سوريا، وذلك من أجل تحديد النقاط المحتملة التي تنطلق منها صواريخ تنظيم الدولة. البيانات المستخلصة من هذه المتابعة توضح التحديات الكامنة وراء حماية المناطق التي يسكنها المدنيين من الهجمات الصاروخية العشوائية، وإلى أي مدى قد امتدت عناصر الحرب الأهلية السورية عبر الحدود لتركيا. 

على الرغم من محاولات زيادة دفاعات الحدود، إلا أن جهود تركيا لمواجهة هجمات الصواريخ لم يكون لها الكثير من فرص النجاح، بدون أن تطلق تركيا حملة هجومية أرضية، أو تتحالف مع القوات المتمردة، من أجل دفع قوات تنظيم الدولة للتراجع خلف مسافة الـ 20 ميل. قامت السلطات التركية بتركيب صفارات انذار في المدينة، وأعلنت عن خطط لتقدم الرعاية الصحية والنفسية، بالإضافة إلى تجهيز سيارات اسعاف مصفحة. ومن أجل التخفيف من حدة التهديد ضد المدنيين، يمكن للحكومة التركية أن تقوم ببناء ملاجئ، يمكن للمدنيين الهروب إليها عندما يتم رصد هجمات صاروخية ضد المدينة.

 طلبت الحكومة التركية أيضا من الولايات المتحدة أن تزيد من طلعات الطائرات بدون طيار، فضلا عن استخدام طائراتها بدون طيار أيضا لدعم الهجمات الجوية، ولكن كلا الاقترابين عليهما قيود شديدة.    

إن المشكلة الجوهرية لرصد وتدمير صواريخ الكاتيوشا هي ان هذه الصواريخ صغيرة، ويمكن نقل منظومات اطلاقها بسهولة، ويمكن اطلاقها عن بعد. كم أنن آلية إطلاق هذه الصواريخ لا ينتج عنها درجة حرارة عالية، الأمر الذي يصعب من عملية رصدها، باستخدام تقنية التصوير المباشر او التصوير الحراري من جانب الطائرات بدون طيار. إن منظومات الاطلاق يمكن أن يتم حملها على شاحنات. وفي الحروب المماثلة السابقة قام الفاعلين من غير الدول بإيهام أن مثل هذه الشاحنات تستخدم نقل للمدنيين، من أجل ان يتم تجنب الهجمات التي تستهدف هذه الشاحنات من الجو.

تواجه إسرائيل تهديدات مشابهة من منظومات الصواريخ قصيرة المدى، بداية من الحرب مع حزب الله في 2006، ثم المواجهة مع حماس في 2009. في الحالة الأخيرة امتنعت إسرائيل عن القيام بحملات أرضية كبيرة، ومن ثم لم تحقق سوى نجاحات صغيرة، في تقليل عدد هجمات صواريخ الكاتيوشا. اثناء العدوان على غزة في 2009، طور جيش الدفاع الإسرائيلي من تكتيكاته، وعمل على المزامنة بين الهجمات الجوية والهجمات الأرضية، واستخدم العشرات من الطائرات بدون طيار والطائرات الحربية من أجل مراقبة كل قطاع غزة، من أجل استهداف منصات إطلاق الصواريخ، بالإضافة إلى العديد من المعلومات الاستخبارية والمراقبة عن طريق الأقمار الصناعية والطلعات الجوية، والتي سهلت من تحديد ومهاجمة أماكن منصات اطلاقا الصواريخ. هذه الأمور أدت إلى تقليل الهجمات الصاروخية بصورة كبيرة مقارنة بحملة 2006، الا انها فشلت في ايقافها تماما. علاوة على ذلك فان الانخفاض في هجمات الصواريخ نتج أيضا عن قرار إسرائيل بإنزال عدد معتبر من الجنود إلى قطاع غزة، طبقا لدراسة بنيامين لامبيث للعمليات الجوية الاسرائيلية ضد حزب الله وحماس.

هجمات الصواريخ ضد داعشان العدد الحالي لعناصر الاستخبارات والمراقبة عن طريق الأقمار الصناعية والطلعات الجوية داخل تركيا ليست كافية لتقديم هذا النوع من التغطية أو التكتيكات التي قامت إسرائيل بتوظيفها في 2009، كما أن تركيا ليسا لها دفاعات احتياطية – مثل القبة الحديدية التي كانت بمثابة إدارة لاعتراض الصواريخ ورادار –  من أجل التعامل مع الأهداف التي تهرب من الاعتراض عن طريق الهجمات الجوية، أو قصف المواقع المحتملة لإطلاق الصواريخ عن طريق الهجمات الجوية.

من أجل مواجهة هذا التهديد، كان تعامل المسئولين الاتراك واقعياً مع التهديدات التي يواجهونها، قائلين ليس هناك حل سهل، والتأكيد على هذا التحليل في الغرف المغلقة. إن أفضل الخيارات المتاحة للحكومة التركية لإنهاء هذا التهديد لمدينة كيليس، هو دفع تنظيم الدولة خارج المدى الذي يمكن أن تصل إليه هذه الصواريخ، عن طريق استخدام المعارضة السورية الصديقة. بداية من شهر مارس شرعت مجموعات متمردة مدعومة من تركيا، خاصة أحرار الشام وفيلق الشام وكتيبة السلطان مراد التركمانية ومجموعات من الجيش السوري الحر، في القيام بهجمات انطلاقاً من الخط الساكن بالقرب من حدود مدينة دودوان، وقامت تركيا باستخدام سلاح المدفعية من أجل دعم هذا الهجوم، الأمر الذي قد يفسر لما قام تنظيم الدولة بتكثيف هجماته الصاروخية في الأسابيع الأخيرة. 

هذا الهجوم تم اثناء هدنة وقف إطلاق النار، الأمر الذي اعطي للقوات المهاجمة الوقت والقدرة على تخصيص كل جهدهم لمحاربة تنظيم الدولة، بدلا من قتال القوات الحكومية السورية وحلفائها الروس والإيرانيين أيضاً، بحلول يوم 26 ابريل تمكنت هذه القوات من السيطرة على حوالي 10.5 ميل من الأراضي على طول الحدود، وصولا لبلدة آياسه، الواقعة في المنطقة الشرقية للحدود الاستراتيجية لبلدة الراي، طبقا لبيانات موقع Syria Live Map، ولكن على الرغم من ذلك فقد كانت هناك بعض الانتكاسات، خاصة مع عدم تمكن المتمردين من الاستمرار في السيطرة على الأرض، خاصة الحافة الشرقية. وفي الأسابيع الأخيرة، تمت تقوية الخطوط الأمامية بفضل بعض التقدم الذي أحرزته المعارضة، ولكن تنظيم الدولة ما يزال قوياً، ومن المتوقع أن يقاتل بشدة من أجل استعادة السيطرة على مدينة دابق، والتي تعتبر ذات أهمية استراتيجية كبيرة للتنظيم.     

هذا الطريق يساعدنا في أن نموضع تهديد الصواريخ على المدى الطويل في سياقه، تنظيم الدولة يمكن أن يطلق هذه الصواريخ من مساحات كبيرة على الحدود مع الأراضي التي تسيطر عليها المعارضة في جنوب مدينة الراي وحدود بلدة مارع، التي تبعد حوالي 13.7 ميل، بالإضافة إلى حوالي 11.7 ميل من شمال بلدة صوران، تقع هاتين المدينتين على الجهة المقابلة لنقاط الاطلاق المحتملة التي يستخدمها تنظيم الدولة.

الهجوم المدعوم من تركيا سوف يأخذ وقتا، ومن المحتمل ان تخضع المناطق الموازية للحدود التركية للتهديد المستمر من هذه الصواريخ، بالإضافة الى ذلك، إذا عادت سوريا الى وضعية ما قبل الهدنة والعنف المصاحب لهذا الأمر، فان قوات المتمردة يمكن مرة أخرى أن تكون مجبرة على القتال على أكثر من جبهة. في الوقت الحالي استبعدت الحكومة التركية والمسئولين الحكومية أي عملية أرضية، من اجل منع هجمات الصواريخ، والطائرات التركية ما تزال لا تقوم بمهمات طيران فوق سوريا، بس المخاوف التركية بان تقوم روسيا باستهداف الطائرات التركية، كانتقام لحادث اسقاط الطائرة الروسية في 24 نوفمبر الماضي. 

بسبب كل هذه القيود، فان الاحتمال الأكثر حدوثاً هو أن تركيا سوف تزيد من دعمها لمجموعات المتمردين المفضلة لها، بسبب حاجتها إلى أن تقوم هذه المجموعات باستعادة الأراضي التي يسيطر عليها تنظيم الدولة، والمساعدة في اغلاق جيب منبج، هذا الشريط الواقع بين ماريا والفرات. ويمكن أن تزاوج تركيا هذه السياسة مع إعادة التأكيد على دعمها لمنطقة طيران آمن، يتم حمايتها بمنطقة حظر جوى في شمال سوريا، وهى سياسة ترفضها الولايات المتحدة. إن فرض منطقة حظر جوي يمكن أن يدمر مناطق القوة التي يمتلكها النظام، كما أنها سوف تعترض منظومة صواريخ أس-400 الروسية، إما عن طريق تدميرها أو التوصل إلى اتفاق مع موسكو. في ظل هذا السيناريو، سوف تظل الصواريخ مشكلة، طالما أن تنظيم الدولة ما يزال محتفظا بمناطق الاطلاق التي تقع في مداها تركيا أو القوات التي يتم تعبئتها في داخل سوريا. علاوة على ذلك، فإن مخاطر التصعيد العسكري مع روسيا يجب أن يؤخذ في الحسبان، خاصة إذا كان استخدام القوة سوف يستلزم القضاء على منظومة دفاعاتها الجوية في سوريا.

ان استمرار عدم الاستقرار في سوريا يوضح خطورة استمرار تهديد صواريخ الكاتيوشا، كخطوة أولى يجب أن تستمر تركيا في تحسين منظوماتها الاستخبارية وطلعاتها الجوية والمراقبة عن طريق الأقمار الصناعية، واتخاذ خطوات من أجل المزاوجة بين الأرض والهجمات الأرضية، من أجل الاستعداد لأي هجمات مماثلة في المستقبل. إن مثل هذا الخيار هو استثمار طول المدى، ولن يكون علاج للموقف الحالي. من أجل مواجهة الهجمات الصاروخية، فإن تعاونا بين القوات على الأرض وهجوم جوي مطلوباً. في الوقت الحالي تترك تركيا الهجوم على الأرض لمجموعات المعارضة في المنطقة، داعمة إياهم بالمدفعية الموجودة على الحدود. هذه السياسة يمكن أن تنجح في المدى المتوسط. ولكن في هذا الأثناء ليس هناك حل سهل لمواجهة التهديد الصاروخي الحالي لمدينة كيليس.

Read in English

آرون ستاين

كبير باحثين مع مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط، حيث تركز اهتماماته البحثية على العلاقات الأمريكية-التركية.