تحرير الرقة لن يكتب نهاية داعش

أعلنت مليشيات قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، المدعومة أمريكياً، في الـ السادس من يونيو/حزيران الجاري، بدء ما أسمته معركة “تحرير الرقة” من سيطرة تنظيم داعش، والتي تعتبر المعقل الرئيسي للتنظيم في سوريا، وترافق الاعلان مع سيطرة القوات المهاجمة على مساحاتٍ واسعة من أرياف الرقة المحيطة بالمدينة.

عسكرياً، لعب التحالف الدولي الممثل في الولايات المتحدة ؛ دوراً مركزياً في عملية طرد التنظيم من مناطق سيطرته، فقد مهد الطيران الحربي لتقدم المليشيات المهاجمة، والتي اقتصرت مهمتها تقريباً على عمليات تمشيط الأحياء والقرى ونزع الألغام، وقد اعلنت الولايات المتحدة، في وقتٍ سابق، دعمها للفصائل الكردية في الشمال السوري بأسلحة نوعيةٍ ثقيلة؛ ورغم نجاح التقدم العسكري المتمثل حتى اللحظة في السيطرة على مساحات شبه خالية، وعدد من القرى والبلدات الصغيرة، واتفاقيات تنص على انسحاب داعش من المدن والبلدات الكبيرة كان أخرها مدينة الطبقة التي تقع على مسافة حوالي 50 كم غرب الرقة.

إلا أنّ هذا التقدم، انتج حتى اللحظة أكبر عملية نزوح شهدها الشمال السوري منذ بداية الثورة السورية في مارس/آذار 2011، فيما تبقى مليشيات وحدات حماية الشعب الكردية YPG، المسيطر الرئيس على قوات سوريا الديمقراطية، على الرغم من انضمام عدد من المقاتلين العرب إلى تلك القوات، في مجملهم من المسيحيين العرب والأقليات الأخرى، أو من رجال القبائل البدو، في حين يغيب المكون العربي الفعال عن الساحة، والمتمثل في القبائل المستقرة أو عدد من الفصائل العربية في المنطقة، والتي تحاول الـ YPG اقصائها عن معركة الرقة، ليبدو حلم الوحدات الكردية في السيطرة سياسياً وإحداث التوازن المطلوب في الرقة بعيد المنال، حيث تم مؤخراً اقصاء “لواء ثوار الرقة” من المشاركة في معركة المدينة، والذي يعتبر اللواء الوحيد التابع للجيش الحر والمشكل من مقاتلين عرب في المنطقة، خوفاً من زيادة عدد منتسبيه حال دخول الرقة، ليصبح مهددٍ وجودياً لوحدات الحماية الشعبية في الرقة، بحسب الناشطين؛ حيث وثقت حملة “الرقة تذبح بصمت” مقتل مالا يقل عن 652 مدنياً نتيجة قصف طيران التحالف الدولي خلال شهر مايو/آيار الماضي فقط.

وفيما تبدو معركة المدينة محسومة النتيجة لصالح قوات سوريا الديمقراطية، رغم ما ستدفعه المدينة من دمار وخراب وارتفاع في عدد الضحايا المدنيين، يبقى السؤال ماهي وجهة تنظيم داعش المقبلة، حال انسحابه من الرقة؟ إذ أن التنظيم لم يقاتل فعلياً حتى اللحظة في أي من مناطق سيطرته في سوريا ضد القوات المهاجمة، واقتصرت مهمة بعض عناصره على التمركز في البلدات والقرى، بغية تأخير تقدم قوات سوريا الديمقراطية نحو المدينة، فيما انسحبت عناصره من بلدة المنصورة – 20 كم غرب الرقة – نحو البادية، حيث يعتقد أن التنظيم اختار سلسلة الجبال التدمرية الشمالية، كقاعدة تمركز جديدة له، عاملاً على نقل قادته من الصفيين الأول والثاني، والذين يعتبرون النخب القتالية والشرعية والأمنية في التنظيم، إضافة لمخزوناته العسكرية والمالية إلى تلك المنطقة الواقعة في البادية شرق الرقة والممتدة حتى قرى ريف مدينة سلمية الشرقي في نهاية سلسلة جبال البلعاس من جهة الغرب، ومن جهة الجنوب تتصل بسلسلة الجبال التدمرية الجنوبية التي تصل حتى جبال القلمون.

تعتبر هذه المنطقة نقطة مركزية بين ثلاثة دول وهي الأردن والعراق وسوريا، ويمكن لداعش أنّ يصل منها لمعظم المناطق السورية، من السويداء ذات الغالبية الدرزية والمحاذية لإسرائيل في أقصى الجنوب، حتى الرقة وريف ديرالزور شرقاً، كما يمكن للتنظيم انطلاقاً من تلك السلسة الجبلية، قطع الطريق الدولي حمص- دمشق بسهولة، كما يستطيع الدخول إلى أرياف حمص وحماة المتضمنة قرى علوية ومسيحية وريف مدينة السلمية ذات الغالبية الإسماعيلية وإدلب، حيث تتمركز جبهة النصرة، من جهة بلدة التمانعة، والولوج إلى ريف دمشق من جهة الضمير، كما يمكن للتنظيم مهاجمة الآبار النفطية وآبار الغاز (حقل الشاعر) في تدمر وريف حمص الشرقي، ناهيك عن وعورة المنطقة الجبلية ذات الطبيعة الصحراوية والخالية من القرى والتجمعات السكانية، منذرة بحرب عصابات طويلة الأمد، جاعلاً من إعادة الاستقرار أمراً صعباً للغاية.

بجانب الانسحاب إلى هذ المناطق، يجب الأخذ بعين الاعتبار إمكانية تسلل عنصر التنظيم ولاسيما قادته، إلى مناطق أخرى في داخل سوريا وخارجها، لتؤسس خلايا جديدة. في ليبيا على سبيل المثال، العملية العسكرية التي قامت بها الولايات المتحدة، ودعمت من خلالها المقاتلين المحليين من أجل اخراج مقاتلي تنظيم داعش من مدينة سرت، وعلى الرغم من أنها نجحت في تحقيق هذا الهدف، إن أن العديد من المقاتلين وقادة التنظيم انتشروا في الصحراء.

إن الاقتراب الحالي في سوريا سوف يعطي مقاتلي تنظيم داعش نفس الفرصة، الأمر الذي سيجعل هزيمة داعش في الرقة هزيمة جزئية.

اشترك في نشرتنا Read in English

فراس حنوش

عضو حملة الرقة تذبح بصمت، عمل طبيب ميداني في سوريا سابقاً، وانخرط في برنامج دعم المعارضة السورية المعتدلة.

شاهد أيضاً

أزمة المياه: كيف تم تحويلها إلى سلاح في الصراع اليمني

يظل الموقف شديد الخطورة، خاصة بالنسبة لليمن، حيث أدى تحويل المياه لسلاح إلى وصول الصراع لحالة حرجة. تقدر الأمم المتحدة أن 14 مليون نسمة، نصف سكان اليمن، يواجهون حالة ما قبل المجاعة. تعد المياه واحدة من أوجه الصراع المعقد هناك، ويظل من الصعوبة تحديد إلى مدى قد أدت إلى مزيد من العنف.

الترحيل غير الشرعي للاجئين السوريين في تركيا

مع استمرار السلطات التركية في رفض إعادة فتح مراكز استقبال الحماية المؤقتة منذ أكثر من عام في معظم الولايات الحدودية، ووقف منح الفارين من الحرب بطاقة الحماية المؤقتة التي تخول صاحبها حق البقاء والحصول على الرعاية الطبية والدراسة والمساعدات الاجتماعية، يعيش آلاف اللاجئين السوريين في تركيا هاجس الترحيل القسري بشكل دائم.

إعادة احياء محادثات السلام في اليمن: ماذا بعد؟

مع ارتفاع عدد القتلى في الحرب الأهلية في اليمن، فإن الحاجة الماسة للسلام تتناقض مع الآمال المتفرقة في عملية سلام. بعد أشهر من التأخير، أعلنت قوات الحكومة والمتمردين في يوم 19 نوفمبر/تشرين الثاني نيتهم تجميد العمليات العسكرية بصورة مؤقتة