دلالات الانتخابات المحلية التونسية

دلالات الانتخابات المحلية التونسية

كريم ميزران وإيرين نيل

اشترك في نشرتنا 

الموضوع المتكرر والأساسي في تحليل نتائج انتخابات البلدية التونسية هو الجدل الذي لا ينتهي بشأن النصف الممتلئ من الكوب والنصف الآخر الفارغ. أجريت أول انتخابات بلدية منذ انطلاق الربيع العربي عام 2011 بطريقة حرة وعادلة وآمنة، لكنها أنتجت نتائج مختلطة: بعضها واعد والبعض الآخر محبط.

في الانتخابات المحلية الأخيرة، انخفضت نسبة الإقبال لتصل إلى 35% مقارنة بالانتخابات البرلمانية في عام 2014، والتي شهدت نسبة مشاركة وصلت إلى 67.7% من الناخبين المسجلين. حوالي ثلث الناخبين المسجلين شاركوا في الانتخابات المحلية كما أن نسبة مشاركة الشباب أقل، وهو مؤشر يعتبره الكثيرون مثير للقلق. يعد الإقبال الضعيف أمر غير مرض، لكن لا يوجد دليل مباشر لتقرير أن الإقبال الضعيف هو علامة على رفض النظام من قبل الناس. بالأحرى، هو دليل انتشار عدم الاكتراث واللامبالاة. بالرغم من الغضب من أن النظام موجود بلا شك، إلا أن الإقبال في الانتخابات البلدية يجب ألا يتم تفسيره سريعاً بوصفه عامل ضار للمناخ السياسي.

المشاركة الضعيفة يمكن أن تكون نابعة من تأجيل إجراء الانتخابات لفترة طويلة، وانعدام الثقة لدى الشعب في الأحزاب السياسية. تبنت الحكومة المركزية – المترددة دوما في مشاركة سلطاتها – الكثير من أساليب التأجيل لعرقلة عملية إحلال اللامركزية، بما في ذلك عدم الوصول إلى النصاب القانوني في البرلمان وممارسة عملية التخبط. شعر النشطاء والثوار وتونسيون آخرون بالتوتر بسبب إحساسهم أن الانتخابات البلدية لن يتم إجراؤها أبداً. كما تخوف البعض من عودة حكومة تعزز السلطة لصالح أفراد قليلين، وتنامى شعور بعدم الاكتراث بسبب الإصلاحات السياسية البطيئة.

إن فقدان الثقة في الأحزاب السياسية هو احتمال آخر يفسر المشاركة الضعيفة. حيث أن الأحزاب، الكبير منها والصغير، لديها اتصال ضعيف، يكاد يكون منعدما، مع الأحوال اليومية للتونسيين، كما هو الحال في أغلب بلاد الشرق الأوسط، ولا تتمتع هذه الأحزاب بأي جذور عميقة في المجتمع. هذا الانفصال ربما أدى إلى الامتناع عن المشاركة  في الانتخابات البلدية في مايو/أيار. يعتبر إجراء انتخابات محلية في حد ذاته خطوة هامة جداً من أجل البدء في التعامل مع الأسباب الجذرية التي أدت إلى الامتناع عن المشاركة. هذه الانتخابات تخلق شبكة من الأفراد المنتخبين بشكل شرعي يمكنهم خلق صلات على الأرض ومع الناخبين. هذا هو العامل الضروري لتحويل معنويات الشعب المنخفضة والبدء في حل قضايا عدم الاكتراث واللامبالاة.

بالرغم من انخفاض الإقبال، هناك نتائج عديدة أخرى في الانتخابات يمكن أن تعتبر مؤشرات إيجابية. من حيث الأصوات، هناك نتائج عديد أذهلت الملاحظين. فالمشاركين في التصويت لم يختاروا الساسة المخضرمين: المرشحون تحت سن 35 عاما حصلوا على 37.5% من إجمالي المقاعد، بينما حصلت النساء على 30%. هناك مفاجأة أخرى وهي أنه بالرغم من حصوله على أفضل نتائج انتخابية، فإن حزب النهضة الإسلامي، وهو الحزب الأكبر، لم يتمكن من تحقيق الانتصار المتوقع. وحصل المرشحون المستقلون على 32.9% من المقاعد. إن التمحور حول غير المخضرمين من الساسة يعكس ثقة في أن النظام سيعطي الناخبين نتائج جديدة إذا اختاروا وجوها جديدة. كما أن مطلب القادة الجدد هو علامة على أن إرادة الناس لتشكيل ديمقراطية حقيقية بدأت في اتخاذ مجراها.

إن الانتخابات الأخيرة هي الانتخابات المحلية الأولى منذ تلك التي أجريت تحت هيمنة مشددة إبان نظام بن علي. قبل عام 2011، ذهبت 80% من المقاعد إلى جانب رئاسة البلديات إلى الحزب الحاكم. منذ اندلاع الثورة التونسية، كانت المجالس المحلية تعمل بنفس الطريقة التي كانت تعمل بها قبل سقوط النظام. ومن ثم، فإن الانتخابات المحلية لعام 2018 هي أول انتخابات متعددة الأحزاب، وهي الفرصة الأولى للأحزاب الجديدة كي تقدم نفسها على المستوى المحلي. هؤلاء الممثلون الجدد يوفرون للأحزاب السياسية العديد من الأدوات لتحسين التواصل بين المواطن والحكومة. والأمر بالطبع يقع على كاهل الأحزاب السياسية أن تستخدم البلديات كأداة لتواصل جاد مع التونسيين وتغيير حالة عدم اللامبالاة التي يعاني منها البعض.

يمكن للأحزاب أن تصبح أكثر تناغماً مع الاحتياجات المحلية والقضايا في كل المناطق من خلال ممثلين منتخبين في البلديات. على المدى القصير، وكلما أصبحت الأحزاب أكثر انخراطا، فإن ذلك قد يشجع المواطنين على المشاركة مستقبلاً في الانتخابات بسبب شعورهم بأن هذا الجهاز السياسي يستمع لاحتياجاتهم. إن المزيد من الانخراط على المستوى المحلي له العديد من المنافع، فهو يشكل فرصاً للشباب كي ينخرطوا مما يقلل من احتمالية تجنيدهم من قبل الجماعات المتطرفة، كما أن المزيد التفاعل والانخراط يمكن أيضا أن يؤدي إلى مطلب شعبي بترسيخ المزيد من الشفافية والمحاسبة من قبل الحكومة.

إن وجود المجالس البلدية في كل بلدة يمكن أن يزيد من فرص الشباب والشابات لكسب خبرة سياسية. يمكن للبلديات أن توفر التدريب للتعامل مع قضايا المواطنين بدءً من المستوى المحلي، مما يمنحهم القدرة على استخدام هذه الخبرة على المستوى الإقليمي والوطني في نهاية المطاف. إن زيادة التنافس بين الشباب ستزيد من جودة الطبقة السياسية، وستظهر موجة جديدة من السياسيين الأفضل على كل المستويات.

الآن وبعد اكتمال الخطوة الأولى من الانتخابات المحلية، فإنه من المهم الحفاظ على الزخم. على الحكومة المركزية التونسية الاستمرار في السعي لإحلال اللامركزية وتحسين النظام. يجب على تونس أن تسمح بتخصيص الأموال والسلطات والواجبات – كما ينص قانون البلديات – في أسرع وقت ممكن، لخلق الديناميكية الإيجابية المشار إليها أعلاه، بما في ذلك وضع المشاركة كأولوية.

الدورة الأخيرة من الانتخابات في تونس تعد دليلا آخر على ما تم إثباته في المنطقة والعالم: إجراء العملية الانتخابية ليس عصاً سحرية، لكنه خطوة أولى على طريق بناء ديمقراطية ذات جذور قوية، والطريقة التي سيتعامل بها التونسيون مع نتائج الانتخابات وما إذا كانوا سيستخدمونها كأداء سياسية متاحة هي ما سيحمي ويعزز وضعهم كقصة نجاح لإحدى دول الربيع العربي أو قد تعود بهم إلى الأساليب القديمة.

اشترك في نشرتنا English 

مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط

بقيادة خبراء مقيمين، يقوم مركز رفيق الحريري بدراسة قضايا حل النزاعات وإعادة الإعمار/الإصلاح الاقتصادي، والتغيرات المجتمعية.

شاهد أيضاً

مخيم اليرموك: معركة النظام لتأمين جبهته الجنوبية

مخيم اليرموك هو البوابة الجنوبية الأهم لقلب العاصمة دمشق. المخيم هو موقع عسكري استراتيجي للنظام في حال أراد بدء معركته ضد فصائل المعارضة في درعا وما حولها، من أجل بسط سيطرته كاملة من جنوب العاصمة نحو منطقة السيدة زينب

كارثة طبية في الرقة

انتشرت خلال الأسابيع الماضية أمراض معوية، مثل الالتهابات المعوية والاسهال والتهاب الكبد الوبائي، نتيجة تناول مياه غير نظيفة وغير صالحة للاستخدام الآدمي. حيث أن مادة الكلور المستخدمة في عملية تطهير المياه غير متوفرة بكميات كبيرة في الرقة.

العراق: إعادة إنتاج مقتدى الصدر

تشير النتائج المبكرة إلى نجاح مفاجئ للصدر، وهو بالتأكيد إثبات وجود له، لكنه تحد يواجه النخبة السياسية العراقية، والتي كانت مرتبكة في طريقة التعامل معه. وهو أيضا تحد للحكم في العراق للمضي قدماً عقب الانتخابات نحو المرحلة التالية، في تشكيل الحكومة.