حزب الدعوة العراقي وهندسة الانتخابات: الانقسام والاستمرار

حزب الدعوة العراقي وهندسة الانتخابات: الانقسام والاستمرار

 اشترك في نشرتنا 

في أعقاب انتخابات 2005 لمجلس النواب العراقي، انتخب الائتلاف الإسلامي الشيعي -الذي خرج كأكبر التحالفات في الانتخابات- إبراهيم الجعفري، الذي كان وقتها قياديًا كبيرًا في حزب الدعوة، ليشغل منصب رئيس الوزراء في الحكومة الانتقالية. إذا كان حزب الدعوة هو الحزب الشيعي الإسلامي الأقدم، فأنه ليس الأكبر. انتخبت الجماعات المتنافسة داخل التحالف الشيعي عضوًا في الحزب لهذا المنصب للحفاظ على الحد الأدنى من الوحدة، والتي كانت مهددة بسبب التنافس الضاري بين المجلس الأعلى الإسلامي العراقي والحركة الصدرية.

منذ ذلك الوقت، ظهرت ثلاثة شخصيات تم ترشيحها لمنصب رئيس الوزراء –وهم الجعفري ونوري المالكي وحيدر العبادي –من داخل حزب الدعوة. وبينما لم تتحسن شعبية الحزب بدرجة كبيرة منذ عام 2005، لكنه احتفظ بالمنصب الأقوى في الحكومة على مدى 12 سنة. وبفضل مناوراته السياسية، فإن الحزب ظل يلعب دورا هامًا، بينما توارى منافسه التقليدي المجلس الأعلى. وفي ظل ثقافة سياسية تحكمها فكرة “الرجل القوي” وفي ظل اقتصاد سياسي يسمح للرئيس التنفيذي بتشكيل شبكات محسوبية فعالة، قام رؤساء الوزراء التابعين لحزب الدعوة باتخاذ التدابير الكافية للحيلولة دون وصول الفصائل المنافسة لهذا المنصب.

من أجل القيام بذلك، فإنهم طالما قاموا بإبعاد أنفسهم عن حزبهم الصغير والنخبوي نسبيًا، آملين في اجتذاب جمهوراً أوسع من الناخبين.  في عام 2009، شكل المالكي ائتلاف دولة القانون والذي أصبح علامته السياسية، وهو الائتلاف الشيعي الأكبر الذي ظهر خلال الدورتين الانتخابيتين الأخيرتين. في أثناء فترتيه، احتفظ المالكي بموقعه كأمين عام لحزب الدعوة، وكان لديه بعضًا من رفاقه في حزب الدعوة كمستشارين. بالرغم من ذلك، فإنه اعتمد أكثر فأكثر على شبكته الشخصية المنتقاة من الموالين وأفراد عائلته، بدلًا من الاعتماد على رفاقه الحزبيين. تسبب هذا النهج في إقصاء أعضاء هامين في الحزب، بما في ذلك حيدر العبادي، والذي تراجع عن الدعم لدعوته للبقاء في السلطة لفترة ثالثة عقب نجاحه في انتخابات عام 2014. ومع المعارضة للمالكي من قبل السنة والأكراد وفصائل شيعية – إلى جانب إدارة أوباما التي حملت سياسات المالكي المسئولية عن ظهور تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) – قام عدد من الأعضاء البارزين في الحزب بالكتابة إلى آية الله السيستاني لطلب النصح. حث السيستاني الحزب على انتخاب رئيس وزراء جديد، ممهدًا الطريق لرئاسة العبادي.

بالرغم من الانقسام العميق الذي أحدثه هذا التحرك، إلا أن الموالين لحزب الدعوة أكدوا على أنه تحرك ضروري للحفاظ على صدارة الحزب في تولي منصب رئاسة الوزراء. حين سألت أحد أعضاء حزب الدعوة عن تخيله لليوم الأول للحزب بدون تولي منصب رئاسة الوزراء، أجاب “سيكون أول يوم في جنازته”. فمن خلال الامساك بمنصب رئاسة الوزراء، يحتفظ الحزب بأهميته السياسية وقدرته على تحصيل المنافع الناجمة عن شغل هذا المنصب.

على الرغم من ذلك فإن حزب الدعوة ما يزال منقسمًا بين جناح يقوده المالكي وآخر يقوده العبادي، وربما جناح ثالث يتكون من آخرين يطمحون للحصول على المنصب إذا ما تطلب الأمر حلًا وسطًا بين الفريقين. لم يعد كل من العبادي والمالكي يخفيان الضغينة بينهما، وفي الحقيقة، إن انتقاد أحدهما للآخر قد صار جزءاً من استراتيجياتهما السياسية. فبشكل ممنهج، قام العبادي بانتقاد سابقه في خطاباته مؤخرًا، وطالما ذكّر مستمعيه بأولئك الذين خسروا ثلث أراضي العراق أمام تنظيم داعش وتركوا خزائن الدولة فارغة. وبالرغم من أن المالكي أقل صخبًا من السنوات المنصرمة، إلا أنه لا يخفي هدفه في أن  يزيح العبادي كأولوية رئيسية. كما أنه تبنى مؤخرًا خطاً معتدلاً حيال العلاقات مع الأكراد، آملًا في التأثير على بعض الأحزاب الكردية لتنحاز إلى جانبه عقب الانتخابات.

على الرغم من هذا الانقسام، لم يتخلَ العبادي أو المالكي عن حزب الدعوة، والذي يبدو أنه يستخدم هذه الانقسامات لصالحه. تقول التقارير الإعلامية العراقية أنه من المرجح أن يدخل الحزب الانتخابات البرلمانية والبلدية القادمة – والمقرر انعقادها في مايو/أيار- بقائمتين انتخابيتين، بالرغم من الضغوط التي يمارسها البعض، وأغلبهم من السنة، لتأجيل الانتخابات. إذا كان هذا الخبر صحيحًا، فإن ذلك يعني أن الحزب اختار أن ينافس نفسه بدلًا من الانشقاق. بالنسبة لبعض المراقبين، فإن هذه الترتيبات ترقى إلى مستوى التلاعب الواضح بالناخبين، بالإضافة إلى مشاكل خطيرة فيما يتعلق بالنظام الانتخابي المنحاز إلى الأحزاب المستقرة والتقليدية ويحد من فرص المستقلين والأحزاب الصغيرة، الأمر الذي أجبر مفوضية الانتخابات على إصدار بيان تعلن فيه انه لا يمكن لأي حزب أن يدخل الانتخابات في قائمتين منفصلتين. وقد زاد ذلك الأمر تعقيداً بالنسبة للحزب.

بالرغم من خلافاتهم الشخصية، إلا أن العبادي والمالكي يتفقان على الأهداف الأوسع التي تعكس الإجماع الحزبي، فكلاهما يتفقان على نظرة مركزية للنظام السياسي العراقي، ويعطون الأفضلية لدولة مركزية قوية على تحويل سلطات واسعة الى الأقاليم، وكلاهما ينتقدان المحاصصة الاثنية والطائفية بوصفها السبب في ضعف الدولة. إلا أن نقاط الاتفاق هذه لم تتغلب على الطموحات السياسية الشخصية. فقد أدى التنافس على رئاسة القائمة الانتخابية إلى تفريقهما. وبناء على ذلك، فإنه من الممكن توقع أن استراتيجياتهما الانتخابية ستؤكد على خلافاتهما أكثر من نقاط الاتفاق بينهما، كسبيل لتمايز كل واحد عن الآخر.

إن السياسة العراقية تعاني من العصبوية والشخصنة، كما أن الحملات الانتخابية مفعمة بالخطابة وتفتقر إلى المضمون وإلى التأثير الجدي على التحالفات السياسية، وحزب الدعوة وقياداته المتنافسة على وعي كامل بذلك. يبقى غير واضح ما إذا كان سيتم توحيد قائمتي العبادي والمالكي عقب الانتخابات، لكن إذا وجب علينا التعلم من مؤشرات السياسات السابقة، فإنه يمكن أن نتنبأ بأن مصلحة الدعوة في الحفاظ على منصب رئيس الوزراء ستتغلب على الانقسام الداخلي بين القيادتين.

 اشترك في نشرتنا English

حارث حسن القرعاوي

كبير باحثين غير مقيم بمركز رفيق الحريري للشرق الأوسط، حيث يقود مبادرة المركز حول العراق.

شاهد أيضاً

نصر باهت للمظاهرات في الأردن

بعد ثمانية أيام فقط من اندلاع المظاهرات في المملكة الأردنية الهاشمية ضد قانون الضرائب غير المرغوب فيه، أطلق الأردنيون الألعاب النارية احتفالاً بقرار الحكومة في السابع من يونيو/حزيران بسحب مشروع القانون.

المجنّسون السوريون ورقة صراع في الانتخابات التركية

وقد شغلت دعوات إعادة اللاجئين إلى بلادهم حيزاً واسعاً من الحملات الدعائية لأحزاب المعارضة، خاصة في ظل الدعم الذي يحظى به رئيس الوزراء التركي وحزبه في أوساط اللاجئين السوريين في تركيا.

الولايات المتحدة توقف دعم الدفاع المدني السوري

في بداية شهر مايو/أيار أكدت قناة سي بي سي الأميركية أن الإدارة الأمريكية قد جمدت المساعدات المقدمة لمنظمة الدفاع المدني السورية، المعروفة إعلامياً بـ "الخوذ البيضاء"