تحول الحرس الثوري الإيراني إلى قوة تدخل خارج الحدود

غيرت تدخلات الحرس الثوري الإيراني في حرب سوريا نتائج الحرب، على الأقل في المدى القريب، حيث قامت بتأمين نظام الأسد في مواجهة الثورة الشعبية والمتمردين المسلحين؛ كما أن الحرب غيرت من طبيعة وظيفة الحرس الثوري الإيراني، في السابق كانت مهمة الحرس الثوري الإيراني هى حماية إيران من الغزو الخارجي، ومكافحة التهديدات الداخلية للنظام في طهران، لكنه يتحول بسرعة إلى قوة تدخل سريع خارج الحدود.

أجرى الإعلام الناطق بالفارسية استطلاعاً حول الجنازات التي أقيمت للإيرانيين الذين قتلوا في سوريا، حيث أشار الاستطلاع إلى أن هناك تحولاً حدث لقوات الحرس الثوري: منذ قتل الرائد محرم ترك في دمشق في 19 يناير/كانون الثاني 2012، قتل 476 إيراني في معارك بسوريا، وكانت آخر الوفيات التي سجلت وقت كتابة هذا المقال في يوم  26 مارس/آذار، هي جنازة حسين غلامي معز.

يظهر المزيد من التحقيق في سجلات الوفيات، بأن قتلى الجيش الإيراني كانوا سبعة فقط، بينما ينتمي باقي القتلى إلى الحرس الثوري الإيراني. منذ ثورة 1979 وتأسيس الجمهورية الإسلامية، كان هناك دائما نظاماً عسكرياً مزدوجاً بين الجيش الإيراني والمنوط به، وفقا للدستور، حماية كامل الأراضي الإيرانية، وبين الحرس الثوري الذي يحافظ على الطبيعة الثورية للنظام. كما تتضمن مهام الحرس الثوري الإيراني، وفقا للدستور، مفهوم تصدير الثورة، والتي تعتبر مصدراً للهيبة والتمويل للحرس.

إن الأمر الذي يفسر العدد القليل جداً من الجيش بين القتلى في سوريا، بالرغم من أن قيادات الجيش أعلنت عدة مرات استعدادها للعب دورا أكثر نشاطاً في سوريا، إلا أن الحرب كانت من نصيب الحرس الثوري، في إطار عمليات خارج الحدود الإقليمية الإيرانية، ويبدو أن الأخير لا يرغب في مشاركة الهيبة والتمويل مع المؤسسة المنافسة. وبينما يتواجد الجيش بشكل رمزي في سوريا، فإن الحرس الثوري والميليشيات الشيعية غير الإيرانية الموالية له تشتبك في معارك حامية الوطيس.

فيما يتعلق بالمشاركة في المعارك، فإن قيادات الحرس الثوري تصرّ على أن وجود قواتها في سوريا لا يعدو إلا وجوداً استشاريا؛ إلا أننا إذا وضعنا في الاعتبار عدد وفيات عناصر الحرس الثوري، مع تسجيل مصور لقوات الحرس الثوري وهي تشتبك في معركة تعود إلى عام 2013، يبدو أن قيادات الحرس الثوري لديها تعريفا أوسع عن الاستشارة العسكرية، والذي يسمح لهم بالاشتباك على نطاق واسع في النشاطات العسكرية في سوريا. تعكس حقيقة اشتباك قوات الحرس الثوري في عمليات على الأرض بشكل مبكر في الصراع السوري مدى التزام الحرس الثوري حيال النظام السوري، وعدم وجود احتمالية تراجعهم عن دعمه.

المصادر المتاحة بالفارسية توفر معلومات جيدة عما تسميه إيران شهدائها في سوريا. ومع ذلك، فإن الانتماء الفرعي لأقل من نصف ضحايا الحرس الثوري في سوريا معروف.

شكل 1: يوضح اجمالي عدد القتلي من المحاربين الإيرانيين، الذين قتلوا في سوريا طبقاً للفروع التي ينتمون إليها في الحرس الثوري، الفترة من 19 يناير/كانون الثاني حتى 30 مارس/آذار 2017.

لم يتم التعرف سوى على 36 من أعضاء قوات القدس للعمليات الخارجية التابعة للحرس الثوري ضمن قتلى المعارك، لكن نظراً للطبيعة السرية لقوات القدس، فإن لدينا ما يبرر التصديق بأن أعضاء قوات القدس لديهم وجود قوي؛ إحصائيا، ضمن الـ 284 المتوفين في المعارك من عناصر قوات الحرس الثوري، والذي لا يمكن تحديد أياً من فروعه بالتحديد.

تكمن المفاجأة في التعرف على 122 من ضحايا عناصر الحرس الثوري بين الوفيات، والذين خدموا في القوات البرية التابعة للحرس الثوري. تم تدريب القوات البرية التابعة للحرس الثوري لهدفين، مقاومة أي غزو، وقمع أي اضطرابات داخلية – كالمظاهرات التي حدثت عقب انتخابات 2009 – في محافظاتهم، الأمر الذي يجعلهم غير مناسبين لخوض حرب لقمع المتمردين. يعود تشكيل القوات البرية للحرس الثوري إلى تاريخ ثورة 1979، وظهور الحرس الثوري بسبب الفوضى التي أحدثتها الثورة. فور انهيار مؤسسات الشاه، ظهرت خلايا الحرس الثوري في كل محافظة، لملء فراغ السلطة. حتى اليوم، فإن بنية القوات البرية للحرس الثوري تتبع التقسيم الإداري في إيران: هناك 32 وحدة حرس ثوري متصلة بكل محافظة، ووحدتان لطهران. تم إعادة تسمية وتشكيل هذه الوحدات، والتي تتشكل من أبناء كل محافظة، في عام 2007، كجزء من عقيدة الفسيفساء لقيادة الحرس الثوري، وذلك بهدف تأمين إيران ضد محاولات “قطع الرأس” التي تقوم بها الولايات المتحدة.

كما نرى في الرسم البياني رقم 2، فإن القوات البرية التابعة للحرس الثوري لحق بها خسائر جمة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2015 فصاعداً، هذا يعكس انتشار القوات البرية كجزء رئيسي يغير طبيعة الحرب في سوريا؛ تعكس البيانات ازدياداً في الوفيات بدءاً من أواخر عام 2014 وحتى منتصف 2015، حين تقدم المتمردون السوريون أمام النظام السوري، وأحدثوا خسائر جسيمة، واعتمد النظام بكثافة على الحلفاء والمجموعات شبه العسكرية ليبقى مستمراً. عقب أكتوبر/تشرين الأول 2015، حدث ارتفاع في الوفيات بين كل قوات الحرس الثوري، لكن بالأخص القوات البرية. ربما يعكس هذا انتشاراً واسعاً للقوات البرية في سوريا، في أعقاب خسائر أكبر بين قوات القدس في الحرب. إضافة إلى ذلك، في 30 سبتمبر/أيلول 2015، بدأ التدخل الروسي، وقام الحرس الثوري بتعزيز قواته للاستفادة بالوجود الروسي، إن لم يكن للتنسيق معه.

شكل 2: يوضح اجمالي عدد القتلي من المحاربين الإيرانيين، الذين قتلوا في سوريا، مقسمين طبقاً للفروع التي ينتمون إليها في الحرس الثوري، طبقا للشهور.

زيادة القوات البرية التابعة للحرس الثوري في سوريا، غيرت بشكل سريع طبيعة الحرس الثوري، من جيش سياسي لمكافحة التهديدات الداخلية ضد النظام في طهران، إلى قوة تدخل لشن الحملات العسكرية، تفرض سيطرتها خارج حدود إيران؛ هذا التحول يؤثر على ديناميكية الأمن في الشرق الأوسط ووسط آسيا لسببين.

فقد تم صعيد القادة الميدانيين من المستوى المتوسط أثناء الحرب بين إيران والعراق بين عامي 1980 – 1988 لمراكز قيادية كبرى في الحرس الثوري وعلى المستوى السياسي أيضاً، تزامنا مع نمو الاقتصاد عقب انتهاء الحرب. أما الجيل الحالي من ضباط الحرس الثوري الذين يقضون مدة خدمتهم في سوريا، سيهيمنون على المراكز القيادية عسكرياً وسياسياً واقتصادياً، في الجمهورية الإسلامية في السنوات القادمة. ومع عقيدة الحرس الثوري في سوريا فيما يتعلق بالانتصار في الصراعات المستقبلية، فإن هذا الجيل من غير المتوقع أن يظهر اعتدالا حين يتعلق الأمر بالحروب خارج حدود البلاد. إذا كان هناك أي دروس مستفادة من الحرب السورية فهي أن سياسة الأرض المحروقة هي السبيل الوحيد للنصر.

قوات القدس التابعة للحرس الثوري لا تقل أهمية، وهي قوات كانت في السابق جزء صغير من تشكيل قوات الحرس الثوري، وتمثل ما بين 2000 إلى 5000 عنصر، ومن المتوقع أن تحظى بهيمنة أكبر. تعد قوات القدس هي القوات الخاصة للحرس الثوري، وتركز على العمليات خارج حدود البلاد. وبما أن الغزو البري أمر بعيد الحدوث في إيران، فإن الطريقة المثلى لتأمين مصالحها الإقليمية هو عبر حملات تدخل، وتغيير الحرس الثوري بالكامل للعمل كقوات للغزو.

ولأن خفة الحركة الهيكلية وقدرة القوات على الصمود في المعارك الضارية تسهل التدخل في صراعات إقليمية مستقبلية، فإن نتائج الحرب ربما تزيد من رغبة إيران في التورط في صراعات أخرى. كانت سوريا أرض اختبار، ومن وجهة نظر الحرس الثوري، فقد نجحت الحملة.

Read in English

علی آلفونه

كبير باحثين غير مقيم في المجلس الأطلنطي.

شاهد أيضاً

داعش بين فقدان الهيمنة أو مزيد من التوحش

إن أبرز ما يستثير الاستغراب في تنظيم بقدرة داعش على التجنيد والسيطرة الثقافية هو أنه تنظيم راديكالي بدون أي أدبيات خاصة، ولا حتى مانفيستو حماسي وسطحي، هذا ليس مجرد خطأ أو سهو، هو تنظيم بالفعل لا يحتاج لذلك،

الدور الأمريكي الغائب في عراق ما بعد داعش

تسير المعارك في العراق ضد تنظيم داعش على قدم وساق بوتيرة مرتفعة، رغم التكلفة العالية للأخطاء البشرية، والتي أودت بحياة المئات من المدنيين في الموصل

أبعاد ومآلات الصراع بين الفصائل في الغوطة الشرقية

لا يبدو أن المعارك الجارية بين أطراف المعارضة المتقاتلة ستهدأ، حتى والنظام وحلفاؤه يتقدموا نحو الغوطة. في 28 أبريل/نيسان 2017، شنّ جيش الإسلام هجوماً واسعاً على مقرات هيئة تحرير الشام

إشترك في النشرة البريدية

سيصلك أحدث مقالات مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط