مصالحات النظام والتوسع الإيراني في سوريا

مصالحات النظام والتوسع الإيراني في سوريا

كثرت التسويات بين أطراف الصراع السوري خلال العامين الأخيرين، والتي يُسميها نظام الأسد بـ “المصالحات الوطنية”، والتي تُعرف على أنّها مرحلة يصل فيها الطرفيين إلى حلول وسط تخرجهما من دائرة الاستنزاف الوجودي، ويشترط تحقيقها توجه جميع الأطراف بنية صادقة نحو المصالحة لضمان استمراريتها، والتراجع عن مبدأ النصر والخسارة لكلا الطرفين، بهدف التخلص من العوامل التي أدت إلى حدوث النزاع.

يستخدم مصطلح “المصالحة الوطنية” في سوريا، للإشارة إلى العودة تحت حكم آلة الأسد القاتلة، التي تُفرض غالباً بقصف المناطق السكنية، وحصارها وتجويع أهلها، متخلية عن الشرط الأساسي للمصالحة القائم على مفهوم العدالة الانتقالية، والتي هي مقاربة لتحقيق العدالة في فترات الانتقال من مرحلة النزاعات إلى مرحلة إنهائها، معتمدة على إنشاء لجان تحقيق، ورد المظالم وجبر الخسائر، وضمان عدم تكرارها، كالمصالحات التي تمت في جنوب أفريقيا ودول أمريكا اللاتينية.

في الحالة السورية، يري نظام الأسد نفسه كتجسيد الدولة السورية، ونظرته المتعالية المتمثلة في عبارة “الدولة لا تصالح”، مرتكباً تحت اسمها عدداً كبيراً من جرائم الحرب، يقدر ضحاياها بنحو نصف مليون قتيل، وغياب الأطر الناظمة المتمثلة بقوانين ضامنة ومحاسبة عادلة. النظام لا يرى نفسه طرفاً في صراع على المستوى القومي، ولكنه يرى نفسه ببساطة يمارس سلطاته كدولة ذات سيادة في مواجهة مجموعات خارجة عن القانون؛ كل ذلك ساهم في جعل تلك المصالحات صورة هزلية لتسويات تتم بالإكراه، يقوم بها النظام والمليشيات الرديفة به، وبدعم من القوات الروسية والإيرانية.

تبدو هذه المصالحات كأداة يستخدمها النظام السوري من أجل استعادة السيطرة على مساحات جغرافية قد خسرها في فترات سابقة، إلا أنّها تتضمن أبعاداً أخطر على الخريطة السورية، والشرق الأوسط القابع على نار الاقتتال الطائفي، هذه المصالحات قد تتحول إلى صيغة تفاهم مقبولة دولياً، وأحد آليات الحل السوري، مخرجة نظام الأسد من ثوب دماء الشعب السوري، وقمع التمرد الشعبي. كما تتضمن تلك المصالحات تغيراً هداماً لطبيعة المجتمع السوري، عن طريق “مصالحات الإخلاء” القائمة على إجلاء سكان المنطقة بالكامل نحو الشمال السوري غالبا، في عدد من المناطق كحمص وريف دمشق وحلب. يعتبر هذا توجهاً مقصوداً من قبل النظام السوري وداعميه من أجل تعزيز سيطرته على ما يعرف “بسوريا المفيدة”، هذا المفهوم الذي سكه الرئيس السوري بشار الأسد؛ حيث اتسمت تلك المصالحات بكونها عبارة عن هبات من قبل النظام لٍلأهالي القاطنين في المناطق التي تمت تسوية وضعها، ليتم بعدها الزج بأبنائها ضمن حلقة التجنيد الإجباري لصالح النظام السوري.

وتعمل روسيا، عبر قاعدتها في الساحل السوري، على رعاية تلك المصالحات، وتقديم الدعم الجوي المطلوب من أجل اجبار قوات المعارضة على الخضوع للنظام؛ يتبعها تقديم الجانب الروسي للوسطاء من أجل المساعدة في التفاوض حول هذه المصالحات، وتقديم نفسه كضامن لها. هذه المصالحات تقوي من التواجد الفعلي لروسيا على الأرض، وتسمح لها بتقديم نفسها كصانع للسلام في سوريا. من خلال هذه المصالحات أصبحت روسيا قادرة على التمسك بمطلبها المتعلق بعدم رحيل الأسد. ومع القضاء على الجيوب الباقية لقوات المعارضة المعتدلة، تستطيع روسيا أن تجعل الادعاء بأن النظام يقاتل فقط الجماعات الجهادية حقيقة، وإجبار الولايات المتحدة على القبول بوجود الأسد، وحتى العمل معه في القتال ضد المجموعات المتطرفة.

وقد كانت منطقة “جرود عرسال” الواقعة بمحاذاة الحدود السورية اللبنانية، أخر المناطق المستهدفة بالتسوية على الطريقة السورية، والتي انتهت بنقل 8 آلاف من عناصر جبهة النصرة وعائلاتهم والمدنيين في المنطقة، عقب معركة استمرت لنحو ستة أيام مع حزب الله، نحو شمال سوريا في إدلب، وكان قبلها اخلاء كل من مضايا والزبداني في ريف دمشق من سكانها، ونقل المدنيين الشيعة في كفريا والفوعة من الشمال السوري إلى مناطق سيطرة النظام فيما عُرف باسم اتفاقية “المدن الأربعة”، وسيطرة النظام السوري على كامل مدينة حلب في ديسمبر/كانون الأول الماضي، كل ذلك لعب دوراً في رسم حدود “سوريا المفيدة” كما يراها الأسد.

هذا وتتم تلك المصالحات وعمليات الإخلاء، بإشراف مباشر من قبل الحرس الثوري الإيراني، والذي يحاول وصل المناطق الممتدة من حدود أفغانستان حتى البحر المتوسط جغرافياً، حيث نجح في السيطرة على العراق عبر أذرعه المتمثلة بالمليشيات الشيعية هناك، خاصة مليشيات الحشد الشعبي، وذلك على الرغم من أن الحكومة العراقية ما تزال تعتمد على الدعم الأمريكي، ولا ترغب في رحيل الشركاء الغربيين. وأرسلت إيران ميليشياتها للقتال إلى جانب نظام الأسد في سوريا، وزرع حزب الله في لبنان، والذي تم تطوير قدراته الصاروخية بشكل كبير، ودعم الحوثيين في اليمن ضد قوات التحالف العربي، والوقوف إلى جانب المعارضة الشيعية في البحرين، ليكون وصل المنطقة الشرقية من السعودية هدفاً جغرافياً تالياً، لأخر قطع ذاك المخطط.

اليوم إذا لم تقف الولايات المتحدة الأمريكية وحلف الأطلنطي في وجه التوسع الإيراني والجهود الإيرانية في وصل هذه المناطق جغرافيا، فإن العالم سيكون أمام دولة إيرانية بمكاسب سياسة هائلة، تسيطر على مساحات شاسعة جغرافياً، غنية بالموارد النفطية، وطريق تجاري بحري في المنطقة. يمكن رؤية آخر خطوات إيران للتأثير على الإقليم عبر المصالحات في سوريا، وجهودها لتقويض أي حل في اليمن. وفي ظل غياب أي نية للعمل العسكري ضد إيران حالياً، فإن الحل الأنسب يكون بقطع أذرعها خارج حدودها، عبر استخدام فصائل الجيش السوري الحر في الجنوب السوري، وإيجاد شكل حقيقي وعادل للسلام، بدلاً من تلك التي تسمى اتفاقات المصالحات، والتي سمحت مؤخراً لمليشيات النظام بالسيطرة على مناطق شاسعة في سوريا.

يبدو أن سياسة إدارة ترامب، أو غياب هذه السياسة، لن تأخذ موقف صلب، حيث أضحى تركيز ترامب على قتال تنظيم داعش (دون وجود خطة إعادة إعمار واضحة للمناطق التي يتم تحريرها من التنظيم)، وتحقيق نوع من السلام، من أجل إظهار أنه قادر على إنهاء الحرب. لو أن الحرب انتهت، لم يكون ذلك بسبب أي فعل قام به ترامب، والذي اتسمت سياسته تجاه سوريا بأفعال مفاجئة دون متابعة، مثلما حدث في قصف قاعدة الشعيرات الجوية في أبريل/نيسان من العام الجاري. هذه الحرب ستنتهي لأن النظام وحلفائه قد أسسوا حلولهم العسكرية على الأرض في سوريا.

اشترك في نشرتنا English

فراس حنوش

ناشط من الرقة، وعمل في السابق طبيباً مع منظمة أطباء بلا حدود في سوريا.

شاهد أيضاً

الصراع وندرة المياه في اليمن وسوريا

ربما لا يبدو أن ندرة المياه هي المحرك الأهم للصراع، إلا أن في سوريا واليمن، فإن أزمة المياه عنصر هام يستمر في التأثير على البلدين. بينما يبدو أن العنف والاضطراب السياسي هما الأكثر ضغطاً، إلا أن النزاعات نفسها متصلة بنقص المياه، وتتفاقم بسبب هذه القضية الأساسية.

الحراك الشعبي في مواجهة الإدارة المدنية لجبهة النصرة

بعد أن استتبت السيطرة لهيئة تحرير الشام عسكرياً، بدأت الهيئة العمل على السيطرة على القطاع المدني عبر مبادرة أطلقت عليها "الإدارة المدنية للخدمات"، والتي تهدف من خلالها لتشكيل جسم مدني يتولى إدارة المناطق المحررة، والاشراف على عمل المجالس المحلية ومنظمات المجتمع المدني.

تراجع قوات النخبة السورية

يضر التوتر المتزايد بالعلاقة بين قوات سوريا الديمقراطية، التي يقودها الأكراد، وقوات النخبة السورية التابعة للقبائل العربية، في الوقت الذي يتعاون فيه الطرفان في معركة الرقة.